
دراسات وبحوث معمقة
العدم والوجود الأصيل عند مارتن هايدغر
“الكينونة الأصيلة قلق وحركة باتجاه الموت
إنّ المكانة الكبيرة للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر تكمن في تلك اليقظة المفاجئة والانعطافة الكبيرة التي أحدثها في تاريخ الفلسفة، من خلال قلب المشروع التأسيسي للفلسفات السابقة، التي ابتعدت عن مهمّتها الرئيسة بحجب السؤال عن الوجود الحقيقي. هذا السؤال أغفلته جميع الفلسفات قبل هايدغر وظلت تدور في دائرة مفرغة من المعاني، عندما توجهت إلى الحقائق الموضوعية أو الذاتية الخالصة، وحاولت تسليط الضوء على مفاهيم مثل الجوهر، والفكر، والمادة؛ متناسية أهم سؤال يربطنا بالعالم المتغير، وهو سؤال الوجود الإنساني. فليس للعالم معنى بلا إنسان، وليس للإنسان معنى بلا هذا العالم. وهنا تكمن أهمية الطرح الهايدغيري، عندما أعاد بناء الفلسفة على أنقاض متهاوية، لتبدأ مهمة الفلسفة الصريحة في البحث عما يهمنا شخصياً، وما يؤثر فينا بالصميم تأثيراً يمس ماهيتنا.
إنّ الفلسفة تبحث عمّا هو موجود، فالوجود يجمع الموجود من حيث هو موجود، ليصبح السؤال كالتالي: ما الموجود من حيث هو موجود؟ عندئذ يغدو التفكير فلسفة، وتصبح الفلسفة هي الاستجابة لنداء ذلك الموجود، ونحن لا نصبح عارفين بالفلسفة، إلا عندما نتعلم كيف وبأي طريقة تكون هذه الاستجابة المتناغمة مع نداء الموجود.
الكينونة.. والزمان
نشر هايدغر كتاب «الكينونة والزمان» عام 1927 وأهداه إلى أستاذه هوسرل الذي تأثر بمنهجه الفينومينولجي، وفي هذا الكتاب أسس هايدغر علماً أنطولوجياً، وجودية الموجود مضمونه، والفينومينولوجيا منهجها لتوضيح معنى الوجود.
في كتاب «الكينونة والزمان» يحلل مارتن هايدغر الموجود الإنساني، وهذا التحليل بمثابة الطريق المؤدي إلى فهم الوجود ذاته. وقد استخدم في تحليله للكائن الإنساني الفينومينولوجيا، الذي يعود إلى الأشياء ذاتها وإلى المعطيات المباشرة للخبرة، وأن يصف الإنسان هذه المعطيات كما تظهر نفسها في تكشفها الأولي؛ فالإنسان ليس بالذات العارفة أو المنعزلة التي تدرك وجوداً ما أو لا تدركه، بل إنّ الإنسان يدرك العالم إدراكاً أولياً في خبراته واهتماماته المباشرة، كذلك إنّ تجربتنا ليست منطقية أو علمية بالكامل، لذا فإنّ إحساسنا أيضاً يلعب دوراً كبيراً في تفسير العالم.
يولد الإنسان في عالم من الاهتمامات العابرة، والمخلوق الإنساني مخلوق مهتم. إنّ الاهتمام هو العامل المحدد للوجود الإنساني، ويكون الاهتمام على نوعين في العالم؛ اهتمام عملي من خلال استخدام الأدوات أو الوسائل في العالم البيئي، واهتمام شخصي من خلال علاقته بالمجتمع والعالم الجماعي.
إذن فالإنسان ملقى في حقيقة الوجود، لذلك ففي وجوده الخارجي لا بد أن يكون حارساً للوجود، ولا بد للأشياء الموجودة أن تتبدى له في ماهيتها. فالموجود هو الشيء المحدد الذي له طبيعة ثابتة كالجماد والنبات والحيوان، أمّا الوجود، فهو صفة للموجودات الواعية وتحديداً الإنسان، وهو المدرك لوجوده وهذا الوجود يتسم بالحركة والصيرورة والوعي. إنّ الإنسان يتساوى وجوده مع ماهيته، ولذلك فهو الوحيد الذي يكون وجوده ماهوياً، فالأشياء الأخرى موجودة كالصخرة أو الشجرة أو الحيوان، لكنها لا توجد وجوداً ماهوياً، تعي فيه كينونتها، وهذا الوجود الماهوي للإنسان معناه أنّ الإنسان يتميز بالوقوف المنفتح في اكتشاف الوجود. إنّ عملية فهم الوجود تبدأ من فهم الموجود الإنساني ضمن تمرحله الزمني، وهذا ما سيكشف عن طبيعة الوجود أو الكينونة بوصفها أنطولوجيا للإنسان.
الوجود الأصيل والوجود الزائــ.. ف
إنّ الدازاين هو الذي يسعى دائماً إلى وجوده الأصيل والمتفرد في العالم، فهو منفصلٌ عن القطيع في الأحكام والآراء السائدة، وتشغله أسئلة كونية ومصيرية. فهذا الإنسان يسمو فوق تفـــ.. ـاهة الحياة وضحالتها، ويستشعر ألمه الدائم من خلال معاناة الآخرين. يحيا الدازاين كينونة متأصلة وفريدة في هذا الوجود، عندما يكون على وعي حقيقي بالموت؛ فالموت يشعره بفردانيته إلى الحد الأعلى من الشعور؛ إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده ولا يشاركه في موته أحد.
والقلق من الموت هو الذي يؤكد تلك الفردية التي تميزه عن الآخرين إلى أقصى درجة. لذا، فالدازاين عندما يقلق، فهو وحده من يتحمل عبء هذا القلق، ويعمل على ترسيخ وجوده الأصيل في زمانه المتناهي. فلا يسقط في السائد، ويرفض أن يكون نسخة مكررة من الآخرين عندما يدرك تفرده بوصفه مشروعاً وإمكانية، فالإنسان ليس ما كانه، بل ما سيكونه أيضاً، والإنسان هنا حرية ومسؤولية له قدرة على فهم العالم وتغييره، والوجود الماهوي للإنسان يُفهم على أنه إمكانية في المستقبل.
ينشأ الاغتراب عند هايدغر من الوجود الزائــ.. ف عند الإنسان الذي يسقط في مشاريع الآخرين، ويكون مجرد رقم في جماعة وهذه أيضاً إمكانية في الوجود، لكنها إمكانية تجعل من الإنسان يسقط في هــ.. ــاويــ. ـة التشيؤ، وهو مجرد حاضر فاقد لذاته الشرعية الأصلية التي تشمل ماضيه ومستقبله على حد سواء.
العدم والقلق
يكشف القلق عن العدم، والقلق هنا هو ليس القلق المرضي، أو الخوف من شيء محدد. فالإنسان الخائف دائماً ما يكون مقيداً إزاء الشيء الذي يخاف منه، فيفتقر إلى الأمن في علاقته مع الآخر، وبالتالي تنعدم الحرية. إنّ القلق هنا هو ليس إزاء شيء محدد، ولا من أجل شيء. فالقلق هنا وجود ذاتي وحرية تسعى إلى نفسها.
من خلال حالات القلق التي يعانيها ويكابدها الإنسان، ومن خلال ذلك القلق الجوهري الذي يشعرنا بتناهي وجودنا أمام الموت المتربص بنا، والداخل ضمن نطاق تفكيرنا، نقتنع بعدم جدوى الحياة، وبأنّ حياتنا عدم. إنّ الذات الأصيلة تكون في مواجهة العدم عن طريق هذا القلق، لذلك تسعى دائماً إلى تحقيق تلك الآنية المتناهية في الزمان، وتحقيق هذا الوجود عند هايدغر يتسم بالأصالة، ولا يقبل التأجيل تحت أي ظرف، بل لا بد أن يبدأ دائما وفي كل مرة من (هنا.. والآن).
إذن، فالعدم يكشف عن نفسه في الموجود عندما يصبح هذا الموجود متخلخلاً لينزلق من كينونة الإنسان. يتبدّى القلق في أوضح صوره عندما يضيء ليل العدم حياة الإنسان الملقى وحيداً في صدفة جاءت به إلى هذا العالم، فتدرك الذات أنها فانية، وأنها حقيقة واقعة كغيرها من الحقائق وأنها جزء من اهتمام زائل.
الوجود الأصيل في عالم التكنولوجيا
إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر، وهو في علاقة استجابة لنداء الكينونة؛ فالكينونة هي ذلك الحضور الذي يطلب من الإنسان الاهتمام بالنداء الذي توجهه إليه حسب هايدغر. يطلق هايدغر مفهوم الإطار على نسق العالم وتشكلاته التي تقطن الكينونة البشرية وتكون سابقة على وجودها، لذلك يرى هايدغر أن العالم التكنولوجي هو الإطار الذي يحدد طريقة الكينونة البشرية في هذا العالم. هذه التكنولوجيا ليست من فعل الإنسان ولا تخضع لسيطرة كينونته، لذلك فعلى الكائن البشري ولكي يتفادى مخـ.. ــاطر التكنولوجيا التي تؤثر في طريقة وجوده في العالم وتشكل طبيعته هي أن يغير من طريقة فهمه للكينونة، ويتم ذلك عن طريق حدث التملك كما يسميه هايدغر، وحدث التملك يعني أن تعي الكينونة وجودها الخاص بما في ذلك الوجود الذي يكشف دائماً عن حدث أصيل ومتميز. وتنشأ الإمكانات الأصيلة التي من الممكن أن تقوض هيمنة الإطار في العالم التكنولوجي عند اختبار الاتحاد الذي يتم بين الكينونة والكائن ضمن الإطار المحدد لكينونتنا ومن الخطة التي يخطط لها الإنسان بوصفه مشروع وجود، الخطة التي ستجبر الإنسان على تقرير ما إذا سيصبح خادماً للتكنولوجيا أو سيداً لها.”
أوس حسن
Mominoun