تصوّف وعرفان نظري

شواهد تاريخية على دور التصوف في المقاومة الوطنية

شواهد تاريخية على دور التصوف في المقاومة الوطنية
_____________________________________________________
أ. د/ حسن الشافعي
_____________________________________________________
في التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة تبرهن على الدور الفاعل للتصوف في المقاومة الوطنية، حيث امتزج الجهاد الروحي بالجهاد الميداني في مواقف مشرفة خلدها التاريخ، ومن أبرزها ما يلي:
الغرب الإسلامي
١- إذا بدأنا نستعرض موكب المجاهدين من الغرب الإسلامي، طالعنا الأمير عبد القادر الجزائري الذي رفع راية الجهاد في الجزائر ضد الفرنسيين، وأطلق الشرارة الأولى للمقاومة المسلحة ضد المستعمرين منذ مطلع الثلاثينات من القرن التاسع عشر، فنجد رجلًا – كما وصفه شكيب أرسلان: راسخ القدم في التصوف، لا يكتفي به نظرًا حتى يمارسه عملًا، ولا يحن إليه شوقًا حتى يعرفه ذوقًا، وله في التصوف كتاب سماه (المواقف)، فهو في هذا المشرب من الأفراد الأفذاذ، ربما لا يوجد له مثيل في المتأخرين [السابق ص١٨].
٢- ومن المعلوم أنه أول من نشر (الفتوحات) حين انتهت به الأقدار إلى الإقامة في دمشق، حيث لقي ربه عام ١٨٨٣م، بعد تكالب قوى الشر والخيانة عليه، وهو الأمر نفسه الذي أفضى بالأمير عبد الكريم الخطابي بعده إلى المنفى، حتى تحرر وعاد إلى مصر في منتصف القرن الماضي، أما الذين ناصروهما ودفعوا معهما استحقاقات المقاومة والنضال فهم الأحرار في المغرب العربي كله، وفي مقدمتهم الصوفية، وأبناء (الزوايا) التي كانت في الأغلب مدارس علم وأماكن ضيافة مجانية، ثم صارت مراكز للمقاومة، وهذا ما يشهد به المؤرخون الغربيون، يقول أحدهم: إن هذه الطرق كانت تقوم بدورها كنقطة انطلاق للوطنية والمقاومة، ولم تكن تنظر إلى الأجانب نظرة ارتياح، ويقول آخر: إن خصمنا هو الشيخ أو الدرويش صاحب النفوذ في أفريقيا أكثر مما هو في فارس [السابق ص١٠٩ ].
وإذا ما تعرض البعض لمواقف بعض التيجانية (وهي إحدى شعب الخلوتية) من الأمير عبد القادر، فينبغي له أن يذكر أن مؤسسها غادر موطنه الجزائر مضطهدًا في مطلع القرن التاسع عشر ملتجئًا إلى فاس بالمغرب، حيث مضى إلى جوار ربه عام ١٨١٥م [أبو الفضل عبد الله الغماري: خواطر دينية، مطبعة القاهرة بالقاهرة ١٩٩٨م، ٢/٥٤] ولكن خلفاءه نشروا الطريق في غرب أفريقيا وفي الشمال الأفريقي حتى انتقلوا عبر تونس، ومصر، والسودان، وشرق أفريقية، ومن أبرز رجالهم المناضلين ضد الاستعمار الأجنبي – وبخاصة في غرب أفريقيا الشيخ عمر الفوتي التكروري (١٧٩٥-١٨٦٤م) الذي نهض كما يقول الدارسون المحايدون بمقاومة التوسع الأوروبي الفرنسي في بلاده، واستمر يقاوم ويناضل حتى وافته المنية عام ١٨٦٤م [السابق ص٥٥].
مصر والشام
وفي مصر برز شيخنا الحافظ محمد بن عبد اللطيف التيجاني، الذي حمل رايتها في مصر والسودان وكان من كبار المحدثين في وقته وشارك في ثورة ١٩١٩م بمصر، وفي تطوير الفكر الديني والصوفي من خلال مجلته (طريق الحق) التي توقفت بموته عام ١٩٧٨م، وما تزال السودان – ومنها منطقة دارفور الساخنة الآن – تذكر جهوده وزياراته، إذ إن زاويته في (الغورية) بالقاهرة كانت مركزًا للتوجيه الفكري المستنير فيما بين شنقيط والحبشة ـ رحمه الله – [السابق ص٦٨].
٣- ولا نستطيع في التحرك شرقًا إلا نذكر أبا الحسن الشاذلي الذي هو من أجل هدايا تونس إلينا، حيث جاء مصر وشارك في معركة (المنصورة) ضد الفرنسيين، وترك لنا تلاميذه: المرسي أبا العباس، وابن عطاء الله صاحب الحكم، والبوصيري صاحب البردة، ثم دفن في ثرى مصر عام ٦٥٦هـ، وكان من شعب مدرسته الصوفية الكبرى (الشاذلية): الطريقة السنوسية التي من رجالها شيخ الشهداء عمر المختار، الذي قاوم الاستعمار الإيطالي بعد أن قاوم شيخه الاستعمار الإنجليزي، والفرنسي، والإيطالي جميعًا، ولم تنسه أعباء القتال المشاركة في تعليم الأطفال، فإن القتال كره أوجبته الظروف، أما الدور الأصيل الذي نهضت به الحركة السنوسية وامتد إلى ما وراء الصحراء الأفريقية – فهو الارتقاء بالإنسان المسلم ثقافيًا، وحضاريًا مع تلبية أشواقه الروحية [عبد الله عبد الرازق إبراهيم مرجع سابق ص٧٦] كم امتدت إشعاعات هذا الدور لتؤثر في شخصية أحد كبار المناضلين المصريين، وهو الأستاذ الإمام محمد عبده من خلال خاله الشيخ خضر الذي كان سنوسيًا ثم كان من أمره ما كان [السابق ص٧٥]، وما تزال المواقف النضالية الجليلة لعمر المختار وسماته الإنسانية النبيلة تلهم فلسفة المقاومة على الصعيد الإنساني لا العربي فحسب.
٤- فإذا جئنا إلى مصر وجدنا أن الروح الصوفية قد امتزجت إلى حد كبير بالتناول الأزهري السني للعلوم الشرعية، على الأساس الذي أرساه كل من الشيخ الدردير، والشيخ حسن العطار في مطلع القرن التاسع عشر، وقد ظهرت ثمار هذا المزج في كل من الشيخ عليش شيخ الشاذلية، والشيخ حسن العدوي، والشيخ محمد عبده الذين شاركوا ضمن كوكبة من العلماء في الثورة العرابية، بعد الدور المجيد الذي قام به العلماء من قبل بقيادة الشيخ السادات في مقاومة الحملة الفرنسية في ثورات القاهرة المتعاقبة، ودفع الجميع ضريبة النضال قتلًا أو سجنًا على يد الغاصبين البغاة: {فما وهنوا لمآ أصابهمۡ في سبيل ٱلله وما ضعفوا وما ٱسۡتكانواۗ وٱلله يحب ٱلصٰبرين} [آل عمران: ١٤٦]، وفي آخر معارك مصر ضد الغزاة قام شاذلي آخر – هو الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر – مع كوكبة من علماء الأزهر ذوي النزعة الصوفية بالحشد المعنوي والروحي لمعركة العاشر من رمضان الظافرة مستوحيًا دور أبي الحسن الشاذلي في معركة المنصورة، رحم الله الجميع.
لكني أوثر أن أذكر هنا مشهدًا نضاليًا واحدًا يُعلن شرف المقاومة ونبل التضحية حتى في ظروف الهزيمة والانكسار، ذلك أنه عندما سيق الشيخ حسن العدوي إلى المحاكمة بعد احتلال الإنجليز للقاهرة، تقدم إلى قضاته في جنان ثابت ووقار مهيب، فسأله الرئيس: هل أفتيت بعزل جناب الخديوي؟ فأجاب من فوره: لم يصدر مني فتوى بذلك، ومع هذا فإذا تقدمتم إلى بمنشور يتضمن هذه الفتوى فسأوقعه، وما في وسعكم – وأنتم مسلمون – أن تنكروا أن الخديوي يستحق العزل لمروقه عن الوطن والدين فحاكمهم الرجل في قيده، ولم يحاكموه وهم على منصة القضاء.
من أي معدن صيغ هؤلاء الرجال؟!
السودان والخليج والعراق
٥- قامت الحركة المهدية المنبثقة من (الطريقة السمانية) بمقاومة الغزو الإنجليزي للسودان أواخر القرن التاسع عشر عسكريًا، ثم مقاومة النفوذ البريطاني سياسيًا بعد فشل الثورة التي ذهب ضحيتها محمد بن أحمد المهدي نفسه وبعض خلفائه، ثم شاركتها الطريقة الميرغنية، المنبثقة عن الإدريسية الشاذلية، وقد أشرنا من قبل إلى دور (التيجانية) في غرب السودان، غير أن الحركة الصوفية في السودان تلعب دورًا مزدوجًا يجمع بين الدور الروحي والاجتماعي للطريقة وبين واجهة سياسية ترتبط بها على نحو ما، وهو أمر يحتاج إلى دراسة وتقييم [محمد فؤاد شكري: السنوسية دين ودولة ط أولى، القاهرة ١٩٤٨م، ص٣٣ وما بعدها] في ضوء الأحوال الراهنة للعالم العربي، فربما كان فيه مخرج من بعض المآزق السياسية التي نعانيها الآن.
٦- وفي الجناح الشرقي للعالم العربي مراكز صوفية ناشطة، وبخاصة في اليمن، والشام، والعراق، وبعض دول الخليج، وربما جاز لنا في هذا العرض السريع أن نذكر رشيد علي الجيلاني – حفيد عبد القادر الجيلاني – الذي قاد ثورة العراقيين ضد الاحتلال الإنجليزي في العشرينات من القرن الماضي مستثمرًا تراث أسلافه، وقد فشلت الثورة لكنها كتبت صفحة في ديوان المقاومة على كل حال. [محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي – مكتبة وهبة بالقاهرة ط٨، ١٩٧٥م، ص١٦١].
وقد واجه التصوف في هذه المنطقة حملة قاسية قرابة قرن من الزمان، خفت حدتها أو خفت صوتها أخيرًا، مما قد يؤذن بتغير في المناخ الفكري إزاء التصوف وأهله، ولله عاقبة الأمور.
تركيا والقوقاز
٧- فإذا ما انتقلنا بالنظر شرقًا وتطلعنا شمالًا وجدنا في هذين القرنين الأخيرين في تركيا والقوقاز حركات تقوم على أساس من (الطريقة النقشبندية)، وأبرزها في منطقة (القوقاز) حركة المقاومة بقيادة الشيخ إسماعيل الداغستاني – في كل من داغستان والشيشان – ضد الاحتلال الروسي في عهد القياصرة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، يقول شكيب أرسلان: تولى كبر الثورة علماؤهم وشيوخ الطريقة النقشبندية المنتشرة هناك، وكأنهم سبقوا سائر المسلمين إلى معرفة كون ضررهم هو من أمرائهم الذين يبيعون حقوق الأمة بلقب ملك أو أمير… ورفع علم كاذب… فثاروا من ذلك الوقت على الأمراء وعلى الروس حاميتهم، وكان زعيم تلك الحركة غازي محمد الذي يلقبه الروس بقاضي ملا…[رسالة الأزهر مكتبة وهبة بالقاهرة ط. أولى ١٩٨٤م ص٣٨ وما بعدها] وفي عام ١٨٣٢م استشهد الغازي محمد وحمل لواءه خليفته حمزة بك، وجاء بعده الشيخ شامل، وكان – كما يقول أرسلان – صورة من الأمير عبد القادر الجزائري [أبو اليزيد العجمي: مرجع سابق ص٩٨] واستمر يناضل الروس قرابة خمسة وثلاثين عامًا، ولم يضع سلاحه إلا في عام ١٨٥٩م، فأسر وأقام في روسيا إلى أن سمحوا له بالتوجه إلى مكة للحج، فأقام بالمدينة إلى أن مات عام ١٨٧١م – رحمه الله [ شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي]
وسط وجنوب شرق آسيا
٨- قاومت شعوب وسط آسيا الهيمنة الروسية في عهد القياصرة ومن جاءوا بعدهم، وكان للتصوف فيها سهم وافر، وأخبار عجيبة، للحفاظ على هويتها الثقافية، وهذا فصل من ديوان المقاومة في العصر الحديث جدير بالدرس والتبع، في ضوء محاولات العولمة التي تسعى إلى فرض ثقافة واحدة على شعوب العالم كافة، والعالم الإسلامي بوجه خاص.
ونترك هذا اللون من المقاومة إلى جنوب شرق آسيا مكتفين به عن شرقها الأقصى فتجد مسلمي الهند، وقد أقصاهم النفوذ الإنجليزي عن أية مشاركة في السلطة ريبة بهم، وبخاصة بعد ثورة الشيخ أحمد بن عرفان الشهيد ذات الأصول النقشبندية أيضًا في القرن التاسع عشر التي هزت النفوذ الإنجليزي حتى قضى عليها بشراسة، فلجأ المسلمون إلى المقاومة السياسية، وكان من أبرز قادتهم في القرن العشرين، من ذوي المشرب الصوفي الشيخ محمود الحسن المعروف بشيخ الهند الذي نفته السلطات البريطانية إلى جزيرة مالطة ثم أعادته إلى الهند سنة ١٣٣٩هـ، فلما توفاه الله قام على رسالته الوطنية والروحية الشيخ أشرف علي التهانوي المشهور بحكيم الأمة، ثم المفتي الأكبر الشيخ محمد شفيع، الذي تولى الأمر بعده ـ على الطريقة الششتية ـ ولده الشيخ محمد تقي العثماني – مد الله في عمره – وقد شاركوا جميعًا في دعم التوجه الذي نادى به إقبال فكريًا، وقام عليه محمد علي جناح سياسيًا حوالي منتصف القرن الماضي في تأسيس دولة باكستان، ليتيح للمسلمين فرصة إدارة شئونهم طبقًا لدينهم وثقافتهم، وهو ما يزال أملًا يرتجي تحقيقه بعد مضي أكثر من نصف قرن من الزمان، وللقادرية والنقشبندية والششتية دور كبير في تلك الديار، وبخاصة في مجالي التعليم والخدمة الاجتماعية تمتد آثاره إلى الحياة السياسية الوطنية.
مسلمو الهند
وقد أخرت الكلام عن هذه التجربة الهندية، التي نشأت على حافتيها اتجاه مغرق في الناحية الروحية يعرف بالبريلوية، واتجاه مغرق في الأساليب السياسية يعرف بالجماعة الإسلامية، لأنتقل منها إلى تجربتين أخريين.
وهنا اكتفي بالإشارة فقط إلى حركة الشيخ عثمان بن فودى في نيجيريا، التي استطاعت إقامة تجربة هامة في قلب أفريقيا، وتركت تراثًا في هذا الصدد جديرًا بالدرس والتقويم أيضًا، وحركة الشيخ بديع الزمان النورسي صاحب جماعة النور التي عملت في ظروف دقيقة ودون عنف أو تشنج: للحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب التركي بنجاح ملحوظ تبدو آثاره في هذه الأيام، بعد ثمانين عامًا من الجهود الحثيثة لمقاومة الاغتراب والتغريب.
وهذه الحركات الثلاث، في الهند وتركيا ونيجيريا، تقدم ضربًا من المقاومة الثقافية والروحية بمشرب صوفي متنوع، الهندية ششتية في الأغلب، والأفريقية قاديرية، والتركية نقشبندية [السابق نفسه] على اختلاف أحوالها زمانًا ومكانًا وثقافة وتجربةً، لكنها تفيد بوضوح أن المقاومة لا تكون عنيفة بالضرورة، وأن لكل مقام مقالًا، ولكل موقف رجالًا.
دعوة للعودة إلى الأصالة
وبعد فإن القضية التي نعانيها في الفكر الديني والحياة الإسلامية المعاصرة في مصر قد يكون الشفاء منها في عودة (الشيخ الأزهري) الأصيل، ذي المشرب الروحي الصادق النبيل، فيغنينا وجوده، عن تسييس الدين أو علمنة الحياة أو الجري وراء حداثة ليست لنا، ولا نحن لها.
لقد قيل كلام كثير حول الواقعية والتجريد والنظر والتطبيق، والعودة إلى الفطرة الطازجة للعري البسيط، لنعد نحن بنظرة حانية وناقدة إلى مؤسساتنا الروحية وأهمها التصوف، والعلمية وعلى رأسها الأزهر والزيتونة والقيروان فنصلح من أحوالها، لقد ساعدتنا هذه المؤسسات في أزماتنا الكبرى، فلنذكرها ولنساعدها الآن، فقد نحتاج إليها مرة أخرى، فإن الرواية لم تتم فصولًا.
الخلاصة
إن التصوف له دور جوهري في المقاومة الوطنية ضد الغزاة، وقوته تنبع من إرثه النبوي الذي يحفز على التضحية والأخلاق الرفيعة، وهناك أمثلة تاريخية متنوعة من أنحاء العالم الإسلامي تؤكد أن التصوف ليس مجرد زهد، بل هو قوة دافعة للجهاد والتغيير، سواء بالقتال، أو بالمقاومة الثقافية والروحية.
__________________________________________
* المصدر: المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى