مدوّنات د. محمود حيدر

حوار مع المفكِّر د. محمود حيدر حول الاستعمار الرقمي و مآلات ما بعد الحداثة

حوار مع المفكِّر د. محمود حيدر

حول الاستعمار الرقمي و مآلات ما بعد الحداثة

 

 

 

 

“الاستعمار الرقمي ومآلات الحداثة وما بعدها ” محور حوار شامل أجرته معه فصليَّة “الاستعمار” ، ونشرته في عددها السابع ربيع 2026. وقد أعده للنشر د. مصطفى الشمّري.

في ما يلي الوقائع الكاملة للحوار:

 

********

س: قبل أن ندخل في الحوار المباشر حول موضوعنا عن الاستعمار الرقمي، نود أن تقدموا لنا ولو باقتضاب، الكيفية التي أطلقت فيها الحداثة في الغرب ثورتها التقنية كمشروع تاريخي للسيطرة على العالم؟

ج: لا شيء يدعونا للإستغراب، حين نرى الى حداثة الغرب كيف انتقلت بلا رويَّة من تقديس العقل الى تقديس الشيء الذي صنعه العقل. هذه حقيقة واقعية، لكنها في المقابل كانت موصولة بأسئلة واستفهامات كبرى عن حضارة استهلت رحلتها بعبادة العقل الأداتي، ثم هوت الى عبادة الفرد، ثم لتنتهي أخيراً الى عبادة الآلة؟.. الواضح لدينا، أن الحداثة الغربية بدأت في الغرب كتحولٍ إنعطافي انطلق مع هيمنة العقل. والمقصود هنا العقل العلمي بعامة، والعقل التقني الذي قاد الثورة الصناعية في أوروبا على وجه الخصوص. كان طموح الحداثة وهي في ذروة صعودها في القرن السابع عشر، تقويض مجمل ما يختزنه فضاء الغرب من قيم، ولا سيما القيم الدينية التي لا تقع تحت عينه الاستدلالي واختباراته التكنولوجية. بدا واضحاً أن صورة الحداثة وهي تعبر هذا التحول التاريخي كانت شديدة المفارقة: من الناحية النظرية كانت الغاية من مشاريع التحرر أن يكون الإنسان هو غاية تاريخه لا مجرد وسيلة له، لكن من الناحية العملية سوف يحصل ما يخالف هذا المدَّعى. واليكم هذا التوضيح: لقد انعطفت حركة التحديث بلا هوادة نحو زمن مشحون بعنف الهويات الايديولوجية سواء بين دول أوروبا أو داخل مجتمعاتها بالذات. كانت الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت شاهداً فظيعاً على عنف الهويات. وفي القرن التاسع عشر الذي افتتحته الثورة الفرنسية عام 1789م سوف نشهد كيف انختم بمأساة الحرب العالمية الأولى. ولمَّا انفسح التاريخ أمام القرن العشرين، بلغت قيم التنوير نهايتها المحتومة. لقد تميز هذا القرن باستشراء الشموليات الأيديولوجية التي ستبدِّد جل ما أتى به فلاسفة التنوير، ثم توغلت في أرض الغرب لتحيلها الى مسرح يشهد على فجائعيتها المرعبة. فالعقل الذي افتتح مساره بإعلان تسيُّده على الكون، ما لبث ان وقع فريسة العنف القهري لكي يسيطر على كل شيء.

س: وكأنكم هنا تربطون بين منشأ الحداثة التقنية وتطوراتها الَّلاحقة بالمبدأ المؤسس لحضارة الغرب، أي بسيادة العقل الأداتي الذي حكم مسيرة هذه الحضارة إلى يومنا هذا؟

ج- نعم، هو كذلك وفي الواقع لا تظهر مآلات الحداثة التقنية في تاريخ ما سمي بـ “عصر التنوير” إلا كمحصول لعقلٍ استبد به الغلو، فانزاح عن غايته وانحدر صوب التشييئ المرِّوع للإنسانية المعاصرة. انه العقل النفعي الذي تسلّقت الرأسمالية المتوحشة بواسطته لتلتهم مقدرات الشعوب من جهة، وتحوِّل شعوب أوروبا إلى مجرد هياكل رقمية في مصانعها الكبرى. هذا هو بالضبط ما أوْقَدَ حماسة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الى نقد ما جَنَتْهُ التقنية على الإنسان الحديث. ثم إن القضية عنده تتعدى السخط على مظاهر التقنية وأعراضها لتطاول طبقاتها الخفية والعميقة. استطيع القول أيضاً أن التقنية اتخذت في تفكير هايدغروسواه من المفكرين وعلماء الإجتماع أفقاً جاوز ما دَرَجَت عليه التيارات النقدية في أوروبا، ولا سيما مدرسة فرانكفورت باعتبارها ظاهرة نقدية مشهوده لوقائع الاستلاب الرأسمالي. وحين جرى وصف رأس المال التقني بـ “الاصطناع المفروض” فقد كان القصد من ذلك بيان كيف ان الانسان يفقد بسببه كل قيمة ذات بعد معنوي وروحي. ذلك بأن جوهر التقنية ليس مجرد شيء تقني، وانما هو عامل مكوِّن للتفكير الميتافيزيقي في الغرب. من أجل ذلك راح الساخطون على الحياة التقنية يدعون إلى الاحتراس من هذا “الجوهر” الذي تأسست ملحمته الأولى مع بارمنيدس وافلاطون وأرسطو وجرى تكميله مع فلاسفة ومفكري عصر التنوير. وعلى هذا التأسيس الغائر في التاريخ، تظهر أزمنة التقنية كطغيان لا رادُّ له على الحضارة الانسانية الحديثة.

حاصل الصورة إذاً، ان التقنية أحدثت فجوة تتوسع يوماً إثر يوم في بنية العقل الغربي الحديث. لعل وقعاً في مظاهرها هو المشهد المعنوي والروحي وقد تبدَّى ذلك خصوصاً في الاحتدام المريع بين العقل بصيغته الأداتية والإيمان كبعد روحاني في الشخصية الإنسانية. والنتيجة أن وقع العقل الحديث في أحادية جائرة ستجرِّده من إمكانات هائلة هي ضروريّة لتجدّده الحضاري. أمّا السبب فيعود إلى شغف العقل الحداثي غير العقلاني بعقلانية العلم ومنجزاته. فالغلو بالعقلاني حين يصل إلى حدّه الأقصى يحدثُ مساراً ارتدادياً على العقل نفسه، بحيث تظهر علاماته باضطراب السلوك وعدم القدرة على ضبط حركة التقدّم في الميادين الحضارية كافة. من المنطقي القول بإزاء فجوة التناقض بين التقدّم العلمي والإيمان، أن الأشياء والظواهر لا تتضاد أو تتصارع إلّا بين أجناسها. ولكن لم يدرك العقل التقني – وبسبب من استغراقه في دنيا الرقمية الصمَّاء – ان العلم لا يمكن ان يحتدم إلّا مع العلم، والإيمان لا يحتدم إلّا مع الإيمان. تأسيساً على هذه الفرضية لن يكون ثمة من صراع بين الإيمان في طبيعته الحقيقية والعقل في طبيعته الحقيقية. هذا التأكيد يشمل حقيقة تالية، هي أنه لا يوجد صراع جوهري بين الإيمان والوظيفة الإدراكية للعقل.

يمكن القول ان جذور الاستعمار الرقمي تعود أساساً إلى بدايات الثورة الصناعية. ولذا فالإنسان المعاصر الذي تغمره تداعيات الحضارة الرقمية، بات إنساناً رقمياً بامتياز. بمعنى انه خاضع لسلسلة صارمة من القوانين والمفاهيم وأنماط الحياة ترتبط ارتباطاً لافكاك منه بالهياكل الرقمية للحضارة المعاصرة. وقد كان لهذا التحول الكبير نتائج كارثية على الإنسان الغربي بالذات كونه يعيش داخل فجواته القاتلة. ولعل أول ما يشير إليه علماء النفس الاجتماعي فضلاً عن كثيرين من المفكرين في الغرب، هو أن السلطات التقنية صنعت لمواطنيها عالمًا خاصًا أفضى إلى تبديد القيم والروابط الأخلاقية، وذلك إلى الحد الذي أدخله في عالم من الوثنية المستحدثة. كما أدى إلى تفريغ المعرفة من مضمونها المقدس، والتضحية بمسؤولية الإنسان حيال الله لصالح الإنسان، وتدمير الطبيعة. والذين قالوا بهذا القول ينتهون الى الحكم التالي: “إن خير العالم الجديد الحداثي عَرَضي، وشرّه ذاتي؛ أمّا خير عالم الماضي ما قبل الحداثي فهو ذاتي، وشرّه عرضي. وهو يقصد هنا الماضي الذي كان فيه الوحي المسيحي حاضراً ومؤثراً في الوجدان الغربي. مع بداتية القرن العشرين كانت ملامح شرور التقنية حاضرة بقوة لمَّا نشر أوسويلد شبنغلر Oswald Spengler الطبعة الأولى من كتاب تدهور الحضارة الغربية The Decline of the West، يومها عبّر بعض القرّاء عن اعتراضهم على بعض نتائجه، مشكّكين باقتراب انهيار الحضارة الغربية، إلا أن غالبيّتهم كانت تتوقّع الانهيار منذ زمن طويل. لم يكن هذا بسبب الحرب العالمية الثانية. على العكس، كانت الحرب وقت حماس وتكريس تامّ للنفس من أجل هدف مقدّس، وغدت المخاوف والشكوك المقلقة بالنسبة لمستقبل الثقافة الغربية طيّ النسيان. مع ذلك كله كان واضحاً وقتذاك أن الحضارة الغربية تسير بثبات نحو الانحلال. أما كيف ستبدو صورة الانحلال في خواتيمها الأخيرة، فهذا ما أخذت تنبئ عنه الميديا منذ عقدين من سيرتها المدوية؛ إذ حوَّلت المعرفة البشرية الى مجرد رموز وأرقام وعالم بلا يقين…

 

س: نعود الآن إلى الحديث عن الاستعمار التقني باعتباره الظاهرة الأكثر حضوراً اليوم في سلوك الغرب حيال العالم.. كيف يمكن أن نعرِّف أولاً مفهوم الاستعمار الرقمي، وما الذي يميزه عن الاشكال الكلاسيكية للإستعمار السياسي والاقتصادي؟

ج: تبعاً للتأسيسات التي قامت عليها الحضارة التقنية المعاصرة، سيكون من أبرز المزايا التي تستحق النقاش هي ذلك السيل الهائل من المفاهيم والمصطلحات الذي تمتلئ به الثقافة العالمية اليوم. لو لاحظتم معي هذا الأمر، فستجدونه ليس فقط في ميدان الفلسفة والعلوم الإنسانية، وإنما أيضاً وأساساً في مجال العلوم الدقيقة ولا سيما العلوم الذكية وما يتفرع منها. وكما سبق وبيَّنتُ لكم قبل قليل، أن الغرب الذي تفرَّغ بالكامل لعبادة التقنية، فإنه أراد من ذلك إنشاء ضربٍ متقدم من الهيمنة والاستحواذ على العالم غير الغربي، وهو ما يعرف بالاستعمار الرقمي. هذا النوع من الاستعمار يختلف جذرياً بأشكاله وسلوكياته عما عهدناه من الاستعمار الكلاسيكي السياسي والعسكري والاقتصادي على مدى قرون خلت. من البيِّن أن الجاع المشترك بين هذين النوعين من الاستعمار، أن النوع الكلاسيكي يقوم على أفعال القوة الصلبة والغاشمة عبر الاحتلال والغزو لأراضي الغير، قصد السيطرة عليها سياسياَ ومصادرة ثرواتها اقتصادياً. أما الاستعمار الرقمي هو نمطٌ معاصر من الهيمنة الناعمة تمارسه دولٌ كبرى أو شركات تقنية عملاقة عبر السيطرة على البيانات والبنى التحتية الرقمية والمنصّات، بحيث تصبح الدول أو المجتمعات الأخرى تابعة تقنيًا واقتصاديًا ومعرفيًا لها حتى من دون أن يمسَّها احتلالٌ عسكري مباشر. ومع الإستعمار الرقمي له تقنياته الخاصة، وطبائعه المستحدثة، إلاَّ أنه يشكل امتدادًا للاستعمار الكلاسيكي، من حيث أهدافه المباشرة والبعيدة، إذ بدل أن يسيطر الاستعمار الرقمي على الأرض والموارد الطبيعية، يجري الاستحواذ على الأسرار والتحكم بالمعلومات التي تشكل بنية الأمن القومي والإجتماعي والثقافي للدول.

وإذا كان لي أن أبيِّن الأهداف الكبرى للإستعمار الرقمي أشير إلى جانب مهم وخطير، أعني الطريق التي تعتمدها شركات كبرى مثل Google وMeta وAmazon وMicrosoft في مصادرة غير مرئية لداتا المعلومات الشخصية للمستخدمين. هذه الشركات نفسها، وبما لديها من أذرع تواصل باحتكار البنية التحتية لحركة الاتصالات وفرض نماذج ثقافية ومعرفية عبر المنصات الرقمية. وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحويل المجتمعات إلى ما يشبه مناجم للمعلومات والبيانات، حيث تُستخرج منها كل ما سبق وتعلّق بالموارد الطبيعية للبلاد والمجتمعات المستهدفة.

 

س: ما هي برأيكم أهم التقنيات المستخدمة والإستراتيجيات الآيلة إلى تفعيل هذا النوع من الاستعمار؟

ج- هنالك بطبيعة الحال، أشكال وتقنيات لا حصر لها من أجل تحقيق هذه الإستراتيجية. اسمحوا لي هنا أن أشير إلى أهم وأبرز هذه التقنيات:

أولاً: تقنية استعمار البيانات (Data Colonialism)وهذه تعني السيطرة على مخازن المعلومات الشخصية والعامة. ويجري ذلك عبر جمع البيانات الشخصية والسلوكية للمستخدمين، ثم تحليلها عبر الذكاء الاصطناعي، وأخيراً تحويلها إلى أرباح فاحشة من دون أية عوائد حقيقية قي للمجتمعات المنتِجة للبيانات.

ثانياً: تقنية استعمار البنية التحتية الرقمية، وهذه التقنية تعتمد بصورة أساسية على ثلاثة عناصر كما يبيِّن الخبراء وهي: أ- السيطرة على خدمات الحوسبة السحابية (Cloud).ب- التحكم في متاجر التطبيقات وأنظمة التشغيل. ج- حتكار الكابلات البحرية ومراكز البيانات.

أشير هنا إلى أن من أبرز الأمثلة التطبيقية على ما سبق وذكرت، اعتماد مؤسسات دول بأكملها على خوادم تديرها Amazon أو Microsoft.

ثالثاً: الاستعمار الثقافي الرقمي، وتعتمد هذه التقنية الاستيلائية على ثلاثة إجراءات أساسية: أ- فرض أنماط استهلاك ثقافي عبر المنصات. ب- توجيه الخوارزميات لما يظهر وما يُخفى. ج- التأثير في الرأي العام عبر وسائل التواصل. مثال على ذلك: التأثير السياسي عبر الحملات الرقمية على منصات تواصل مثل Meta.

رابعاً: الاستعمار المعرفي والخوارزمي ومؤداها ما يلي: أ- سيطرة شركات أو دول على نماذج الذكاء الاصطناعي. ب- احتكار أدوات البحث والترجمة وإنتاج المعرفة. ج- إعادة تشكيل أنماط التفكير عبر أنظمة توصية وخوارزميات.

خامساً: الاستعمار السيبراني (Cyber Colonialism)وتقنياته متنوعة الاستخدام وخصوصاً في المجال العسكري والأمني، وهو يقوم – بحسب الخبراء -على ثلاثة عناصر أساسية هي:

أ‌- عنصر التجسس الرقمي. عنصر الهيمنة على الفضاء السيبراني. وأخيراً العنصر الذي يقوم على استخدام العقوبات التقنية أو الحظر التكنولوجي.

س: هل يمكن القول ان الاستعمار الرقمي يعيد انتاج التبعية بين المركز والأطراف، ولكن بصيغة معلوماتية هذه المرة؟

لو نظرنا على نحو الإجمال لتاريخ الاستعمار الغربي بصيغتيه الكلاسيكية والجديدة لوجدنا النتيجة التالية: لم يعد الاستعمار المباشر بصيغته العسكرية والسياسية كافياً لتحقيق السيطرة على العالم. وذلك عائد إلى سلسلة من الإنقلابات العلمية والتكنولوجية، والتحولات في موازين القوى، ويعود كذلك إلى اضمحلال فعالياته وأدواته السابقة. وعلى هذا الأساس سعى العقل الاستعماري إلى ابتكار عالم السيطرة الرقمية، أو ما يسمى بالقوى الناعمة من أجل إعادة تأسيس هيمنته على العالم بصورة جديدة وأكثر شمولاً.

أما خصائص الاستعمار الرقمي فإنها تدل بصورة واضحة على التبدل الجوهري في تقنيات السيطرة التي يستخدمها. فالاستعمار الرقمي غير مرئي في الغالب. وهو طوعي ظاهريًا (المستخدم يوافق على الشروط) وقائم على الاحتكار الشبكي. إلى ذلك فإنه يعتمد على “اقتصاد الانتباه”. وكذلك على آليات أخرى تجمع بين التقليدي والمستحدث مثل إفقاد البلدان المستهدفة سيادتها الرقمية على مجتمعاتها وإلحاقها بالتبعية الإقتصادية والتقنية، وصولاً إلى إعادة تشكيل هويتها الثقافية وبما يناسب واستراتيجيات الهيمنة الغربية.

 

س: برأيكم هل ثمة علاقة بين الاستعمار الرقمي وخطابات العولمة، وما يسمى “الحياد التكنولوجي”.. أم أن الأمر خلاف هذه المعادلة بحيث أن الخطاب الغربي الثقافي والمعرفي والإعلامي ينطوي في حقيقته على الاستحواذ والهيمنة؟

ج- هذا سؤال في غاية الأهمية والدقة. بتقديري لا يمكن فهم التطورات الهائلة في التكنولوجيا الغربية، بوصف كونها ظاهرة بريئة أو محايدة. وإذا كان لنا أن نرى إليها كما هي في الواقع فمن الطبيعي أن نقيمها ضمن دائرة التوظيف المعتمدة من جانب السلطة المركزية في الغرب. الأهم من ذلك أن التوظيف من أجل الهيمنة ليس مجرد تأمين للسيطرة على الآخر وحسب، وإنما يدخل في صلب الَّلاهوت السياسي والثقافي للحضارة الغربية وانني من الذين يميلون إلى أن هذا الاختلال التكويني هو سمة سيكو-سوسيولوجية تتسم بها الشخصية الأوروبية في نزوعها إلى التحكم والتفرض والسيطرة، وهذا بالطبع لا يمكن أن يكون مجرد صفةً بيولوجيةً بقدر ما يكون صفةً مكتسبةً اجتماعياً ربما قاد إليها نزوعٌ إلى التمرد الذي ينتاب الفردانية الأوروبيَّة منذ نشأتها الباكرة. هذا بالطبع يشير إلى أن تأويل الأصول التاريخية التي نمت وترعرعت عليها المركزية الأوروبيَّة التاريخية هي أصولٌ لا ثقافيّةٌ، فذلك موروثٌ ثابتٌ يتمدد فعله في سلوك المركزية الأوروبيَّة الذي انتهى بها الأمر إلى استعمارين: قديمٍ استيطانيٍّ وحديثٍ اقتصاديٍّ وتكنولوجي. والحال هذه فلا بد أن تكون بنية الاجتماع الأوروبي الاستعلائية مؤسِّسة للسمات العامة للشخصية الأوروبيَّة التي تميل إلى التفرد وحب السيطرة والتحكم، لذا فقد كانت أبسط مظاهر الشخصية هو تحقيق أكبر قدر من الفاعلية لتتحول تأويلاً إلى سماتٍ اجتماعيةٍ، فتصير الفاعلية الاجتماعية هي الميزة التي تصاحب الاجتماع الذي بات همّاً مباشراً اصطفافه الحضاري. ولما كان الثقافي يميل أفراده في جانب إنتاجهم المادي لتلبية حاجاتهم المجتمعية، فإن فاعليتهم تصبح مثقلة بقيودٍ ثقافيةٍ حتى لا يصير هنالك فائض إنتاجٍ يزيد عن حاجة تلك المجتمعات.

سوف نلاحظ في هذا السياق أن الداء الأوروبي المزمن، القائم على الاستعلاء وإيذاء الشعوب الأخرى، ونهب مقدّراتها، لا يتوقف على استثمار التقدم العلمي في السيطرة، بل صار هو نفسه حالة مرتبطة بشكل وثيق بالبنية التكوينية للمجتمع الأوروبي. فقد قام العالم الأول كدأبه في تحويل كل ما تمسه يده إلى قيمةٍ تجاريةٍ باستئصال السمات الثقافية التي تتسم بها المجتمعات المستعمرة. أما النتائج الإجمالية للسلوك الاستعماري الأوروبي فهو الانتقال إلى العالم الرقمي بغية السيطرة الكاملة وبصورة هادئة على بقية العالم. لا بد إذن، وانطلاقاً من ذاتنا الحضارية أن نرى ما سيحل بالثورة الرقمية الحالية من مصير. وعلينا في هذا الصدد أن نسأل: هل يكون مصير هذه الثورة هو نفسه مصير الثورة الصناعية التي أدارت قبل قرون محركات الدورة الرأسمالية الأوروبية؟

 

س: لكن هل تمتلك الدول النامية أدوات واقعية لمقاومة هذا الشكل من السيطرة الرقمية، أم انها ما زالت في موقع المستهلك التابع؟

ج- في الحقيقة نحن اليوم امام تحديات حضارية شديدة الحساسية والدقة. وهذه التحديات يمكن أن يختزلها التساؤل عما إذا كان بإمكاننا أن نستوعب العالم الرقمي من أجل أن نشق الطريق إلى المشاركة الفاعلة في الدورة الحضارية الجديدة في العالم. وقد يكون من يجيب بداهةً أن الثورة الرقمية في ذاتها بدأت عبر مركزة وسائل الاتصال الرقمي، وذلك بابٌ أوليٌّ للسيطرة والتحكم. هنا يبرز سؤالٌ آخر أكثر أهمية: هل تتيح الثورة الرقمية ما يؤدي إلى تأكيد وتأييد سمات الذاتية الأوروبية؟! أي هل تُمكّن الثورة الرقمية لسيطرة العالم الأول على العالمين الثاني والثالث أن تكون أكثر مضاءً وفاعلية؟!

أعتقد أننا نعيش حقبة انتقالية من أهم سماتها أننا نعبر المنطقة بين الاستغراق في تدفقات الاستعمار الرقمي وبين محاولات التوطين المستقل لهذه التدفقات. لكن يبدو إلى الآن وكأن الكثير من مجتمعات ما يسمى العالم الثالث لا تزال جاثمة تحت وطأة الاستهلاك والتبعية.

 

س:عطفاً على إجابتكم السابقة، كيف يمكن بناء وعي نقدي يحمي المجتمعات غير الغربية، وخصوصاً مجتمعاتنا العربية والإسلامية، من الوقوع في فخ الاستعمار الرقمي؟

ج- كما سبق وذكرت قبل قليل، إن أي توازن حضاري مع الغرب لا مناص له من احتواء الثورة الرقمية وتوطينها في بلادنا على نحو متقن ومعزز بقوانين صارمة يحول دون انفلاتها من الضواتبط القيمية والأخلاقية والسيادية. لكن الشرط الأول والمركزي لإنجاز هذا المنعطف هو الاستقلال السياسي والتحرر من التبعية للتمركز الغربي. وللوصول إلى تحقيق هذا الشرط من الضروري الشروع بجملة خطوات وقائية لا بد من اعتمادها للتخفف من وطأة هذا الاستشراء العارم من الاستباحة لمجتمعاتنا ناهيك عن الاستباحات والخروق التي يتعرض لها الأمن القومي والسيادة الوطنية. وليس من شك أن أهم الإجراءات التي يمكن اتخاذها في هذا الخصوص هو العمل على صياغة استراتيجيات وطنية تتناول تعزيز روح الاستقلال والكرامة الوطنية، وهو ما يمكن تفعيله في الحقول التربوية ومناهج التعليم والثقافة العامة. هذا بالطبع إلى جانب جملة من الإجراءات اليومية أهمها ما يلي:

أولاً: قوانين حماية البيانات (مثل اللائحة الأوروبية (GDP. ثانياً: بناء منصات محلية. ثالثاً: تطوير بنى تحتية وطنية. رابعاً: الدعوة إلى “السيادة الرقمية”.

 

س: أمام التدفق الهائل للموجات الرقمية الآتية من الغرب، وبإزاء التوظيف الإستعماري لهذه الموجات، كيف جرت العمليات النقدية والاعتراضية من جانب النخب سواء في الغرب أو في بلادنا؟

ج- في الواقع، لم تخلُ ساحات الغرب من نقدٍ مبيّن للسلطة الاستعمارية. وهذا في تقديرنا يعتبر أساساً مهماً لفهم الأطروحة الما بعد استعمارية وتحرّي مقاصدها. ولسوف تصبح العملية النقديّة ذات أهميّة مضاعفةً حين تسلك هذه الأطروحة مسارها التواصلي لتعرب عن علاقةٍ وطيدةٍ بين الثورة النقدية في الغرب الاستعماري، والحركة الفكرية والكفاحية الناشئة في المجتمعات المستعمَرة. استناداً إلى هذا التلازم بين ثورة النقد في المركز الإمبريالي، واليقظة النقدية لنخب الدول المستباحة من المنطقي أن نحصِّل النتيجة التالية: إن الأطروحة ما بعد الاستعمارية في وجهها الانتقادي هي رؤيةً تتشكل من مضادات معرفيّة متظافرة للاستعمار في الحقول الثقافية والسياسية والسوسيولوجية والتاريخية. وهي إلى ذلك تعتبر في مقدم الأطروحات التي تستكشف عمق العلاقة بين بلدان الشرق والبلدان الاستعمارية في أوروبا. لقد عكف المساهمون على تظهير هذه النظرية عبر كشف ما تختزنه ثقافة وسلوك الحكومات الغربية إزاء الدول والمجتمعات المسيطّر عليها. من هذا الفضاء الانتقادي على وجه التعيين، يشكل فكر ما بعد الاستعمار مدرسة تفكيرٍ داخل النظام الاستعماري نفسه، من دون أن يعني ذلك حصر المنتمين إلى هذه المدرسة بالإنتلجنسيا الأوروبية. فلنخب الشرق ومفكريه مساهمات معمّقة في وضع الأسس الفكرية التحررية للخطاب ما بعد الاستعماري.

لقد تولت هذه النخب على الجملة مهمة معرفيةٌ نقديّةٌ مركبةٌ: نقد الغازي ونقد التابع ضمن خطبةٍ واحدةٍ. وعلى هذا النحو سنرى كيف احتل نقد الاستعمار بأشكاله وأطواره المختلفة، مكانةً محوريةً في تفكيرهم. تركَّزت المسألة الأساسية التي عالجوها على مشكلة الاغتراب بوصف كونها غربة إنسان تلك المجتمعات عن ذاته الحضارية وهويته الوطنية في سياق تماهيه مع ثقافة الغرب ومعارفه. هذه الحالة المخصوصة من الاغتراب (alienation) ستجد من يصفها بعبارة موفَّقة: “اقتلاع الذات بواسطة الذات إياها”. وشرحها أن الثقافة الاستعمارية تتحول عن طريق الاغتراب إلى ضربٍ من ولاءٍ نفسيٍّ، موصولٍ باستيطانٍ معرفيٍّ عن سابق إرادةٍ ووعيٍ. فالاغتراب في حالته القصوى هو أشبه بانصباب وعي المستعمِر في صميم وعي المستعمَر على النحو الذي يصبح المهَيْمَنُ عليه غافلاً عن نفسه وعن مصيره وعن المكان الذي هو فيه. وفي هذه الحال يكفّ “المغترِبُ” عن أن يصبحَ سيدَ نفسه ويتحول إلى عبدٍ لآلة العمل وخطاب مالِكيها. عليه، يصير المثقف المستعمَر كائناً صاغراً تمَّ انتزاعه من زمانه الخاص ومكانه الخاص؛ حتى انه ليشعر في أحيان شتى كالغريب بين أهله، ناظراً إليهم ككائناتٍ متخلفةٍ وبربريةٍ. وبحسب فرانز فانون صاحب “معذبو الارض” فإن “المثقف المستعمَر يقذف بنفسه وبنهمٍ إلى الثقافة الغربية كما الأطفال المتبنَّين الذين لا يكفُّون عن البحث عن إطار عائلي جديدً. لكن هذا المثقف، وهو يسعى ليجعل من الثقافة الأوروبية ثقافته الخاصة، لا يكتفي بمعرفة رابليه، أو ديدارو، أو شكسبير أو إدغار بو وسواهم، بل سيدفع دماغه إلى الحدود القصوى تواطؤاً مع هؤلاء الرجال”.. في حقبة تالية من زمن الحداثة سيحتل رهطٌ من فلاسفة الغرب وعلمائه مساحةً بيّنةً من تفكير النخب العربية والإسلامية إلى الدرجة التي جعل هؤلاء من أولئك، أوثاناً يستلهمون أفكارهم وأفهامهم، ويتخذونها مسالك ومناهج عن ظهر قلب.

في عالما العربي والمشرقي والإسلامي الراهن يصبح من المهم أن يندرج هذا التفكير التحرري النقدي للاستعمار إلى منظومةٍ معرفيةٍ تؤسس للاحياء الحضاري في مواجهة الاقصاء الاستعماري المستأنف. فلكي يتخذ فكر ما بعد الاستعمار مكانته كواحدٍ من مفاتيح المعرفة في العالم العربي والاسلامي، وَجَبَ أن تتوفر له بيئات راعية، ونخب مدركة، ومؤسسات ذات آفاق نهضوية، في إطار مشروعٍ حضاريٍّ متكاملٍ.

 

س: ما طرحتموه قبل قليل يقودنا إلى الكلام عن المنهج الذي ينبغي الأخذ به للحفاظ على المنظومة الأخلاقية والإيمانية في مجتمعاتنا؟

ج- لو تطرَّقنا إلى الوجه القيمي والأخلاقي للتكنولوجيا الرقمية في الحياة المعاصرة، لوجدنا انها تكتفي بتلبية الحاجات المادية الضرورية للإنسان. ذاك يعني في الحقيقة أن التكنولوجيا وتقنية المعلومات هي قيمة محض دنيوية، لا يتجاوز شعاع نشاطها أبعد من ذلك، ولا يتوقع منها أكثر من ذلك. والحقيقة أنّ الاهتمام بحاجة الإنسان في الحقل الدنيوي، يعدّ اهتماماً بجانبٍ هامٍّ من الاحتياجات الحقيقيّة للإنسان، ولا أحد يُنكر ذلك. غير أنّ التركيز البحت والاكتفاء بهذه القيمة أدّى إلى حذف ـ وتجاهل ـ الجانب الأصلي من الاحتياجات الإنسانية في الحقل الروحي والمعنوي. وهذا ما تنبهَّت إليه الرؤية الدينيّة والإسلامية على وجه الخصوص. ثم أن المسألة الأساسيّة في هذا المجال أن الرؤية الميتافيزيقية والدينية ترى أنّ الحقيقة الحقّة في عالم الكائن الآدمي هو البُعد الروحي، حيث تشكلُ دراسة مسألة السعادة والكمال الجانب الأهم في هذا البُعد. ثم إن الاهتمام بالحياة السعيدة من أهم البرامج الدينية، والسؤال المطروح في هذا الشأن يقول: ما هي السعادة المنشودة في التعاليم الدينية؟ في الجواب، تقرّر المنظومة الأخلاقية الإسلامية أن السعادة والكماىل النهائي للإنسان يُبحث فيها من خلال تظهير قيمة «القرب الإلهي»، كقيمة متعالية. ذلك بأن سعادة وكمال الإنسان في المنظور الديني إنما يمكن إقامتها في إطار الالتفات إلى الغاية النهائية من الخلق، ألا وهي القرب الإلهي. وهنا أشير إلى جملة من القواعد التي نعهدها في ثقافتنا الأخلاقية الإسلامية.

أولاً: أنّ الإنسان كائنٌ مفارق لسائر الكائنات وهو الوحيد الذي يختزن بعدين تكوينيين في شخصية وهما البعد المادي البشر والبعد الغيبي الإلهي.

ثانياً: إنّ أصالة وجود الإنسان كامنة في بعده الإيماني بالألوهية.

ثالثاً: إنّ كمال وسعادة الإنسان المتمثلين بالقرب الإلهي إنما يتحققان بتكامل البعدين الدنيوي والروحاني طبقاً لمبدأ التوحيد والقيومية الإلهية في تدبير عالم الخلق.

بل إن السعادة الإنسانية إنما تحصل إذا اهتم الإنسان بإيجاد الرفاه من خلال تمتين الروابط بين طاقاته وإمكاناته الدنيوية والغيبية. والَّلافت اننا نجد حتى فلاسفة التكنولوجيا يعمدون إلى انتقاد الاستخدام المفرط للتكنولوجيا لما لها من آثار كارثية على الإنسانية المعاصرة، ويمكن القول أيضاً أنّه ليس هناك من يدعو إلى الاستفادة من التكنولوجيا بشكلٍ مطلقٍ ومنفلتٍ، إذ تجلى لجميع الناس الكثير من الشواهد الدالة على عدم نجاح الحياة القائمة على التكنولوجيا.

 

س: لكأنك تريد أن تقول أن بإمكان التكنولوجيا أن تفضي إلى السعادة والكمال الديني الحقيقي؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب نسأل: هل التكنولوجيا التي لا تكون في خدمة البُعد الروحاني للإنسان ولا تعمل على تحصيل مقدمات سعادته وكماله هي تكنولوجيا تستحق الاهتمام؟

ج- يمهنا لا بد من العودة إلى التجربة الغربية نفسها. الإنسان الغربي بعد العصور الوسطى حيث خرج لتوّه من جور سياط الجمود والركود الذي فرضه عليه رجال الكنيسة، كان يرى من واجبه مواجهة كلّ ما يحمل بصمةً ميتافيزيقيّةً. والإنسان الحداثوي وما بعد الحداثوي من خلال الإعتقاد الآتي بهذا المفهوم الخاطئ للعصور الوسطى، سعى إلى إظهار أن رفاه وسعادة الإنسان في هذا العالم رهنٌ بإلغاء العناصر الميتافيزيقيّة بوصفها مسائل غير عقلانية وليس منها أي جدوى. لكن الاعتقاد بأنّ مسار الاكتشافات والاختراعات المرتبطة بالتكنولوجيا لو تحقق على يد الصالحين من المطلعين على البُعدين اللذين يتألف منهما الإنسان والعالم، وكانوا يتمتعون بالدوافع الإلهية لما شهد العالم المعاصر جميع هذه المصائب الناشئة عن التكنولوجيا. إن القيود التي تكبل الإنسان المعاصر ناشئةٌ من اعتبار التكنولوجيا خطأ هي الغاية (بمعنى الراحة بمعزل عن الطمأنينة)، والاستفادة من المنهج التجريبي البحت، والأهم من ذلك كله عدم العلم بالمساحة الميتافيزيقية، أو الغفلة عنها وتجاهلها عند اتخاذ القرارات من قبل المختصين في الشأن التكنولوجي. يُعد تجنّب ميتافيزيقيا العصور الوسطى في إبداع أيّ نوعٍ من التكنولوجيا هو الأصل الأول الذي شغل كلّ اهتمام القائمين على صناعة التكنولوجيا وتقنية المعلومات، وربما لا يمكن لنا أن نتصوّر أيّ غايةٍ غير هذه الغاية. بحيث يجب أن تكون التقنية والثورة الرقمية على صلةٍ وثيقةٍ بالروحانية في الحياة الإنسانية. ومن دون أخذ هذه القضية بنظر الاعتبار، لن يكون الرخاء والرفاه الإنساني سوى سرابٍ.

 

س: يبحث الغرب من خلال عقيدته العلمية عن يقين كان افتقده مع بداية عصر النهضة والشروع بثورته الصناعية، إلى أي مدى سيتمكن الغرب من خلال العلم نفسه أن يستعيده يقينه، من جون الميتافيزيقا والإيمان الديني؟

ج- على امتداد أزمنة الحداثة، رأينا كيف انبرى منظرو العقل العلمي الحديث إلى “لَيْ عنق” الفلسفة قصد تطويعها وتحويلها إلى علم كسائر العلوم الإنسانية. من البيِّنَ أن هؤلاء وتحت رعاية السلطة التكنولوجية الجامحة أفلحوا بما انبروا إليه. ثم رأينا من بعد ذلك، كيف انحصرت مهمة الفلسفة الحديثة بمعاينة البنية الشكلية للعقل، أي العقل بوصفه أداة قياس وحساب، والنظر إليه على انه المرجع الوحيد الذي يمكن الاستناد إليه لفهم الأساس الحقيقي للمعرفة اليقينية بالعالم.

الَّلافت ان الذين أخذهم الذهول مما توصلت إليه الاختبارات الأخيرة للعقل العلمي، سيأخذون جرعة إضافية من الوهم الإقصائي للفلسفة بصيغتها الميتافيزيقية. مع تصاعد وتائر الذكاء الصناعي سيتضاعف مستوى الوهم وسوء التقدير، ليُظهر الديالكتيك الداخلي الذي أطلقته الفيزياء الحديثة، حقائق غابت عن العقل الفلسفي بنسختيه الكلاسيكية والحديثة. وهذه الحقائق سوف تضع الفلسفةَ أمام حرجٍ عظيم: هو الخشية من تقويض أحد أبرز أركانها الانطولوجية، وبخاصّة، إعراضها عن فهم حقيقة الكون بالعقل المحض، وقولها باستحالة التعرُّف على “النومين” أو على حقيقة الشيء في ذاته.

ولأن مشهدية العقل الذكي بصنائعه المتقدمة، هو سليلُ السيرورة المنطقية لما سمي “الحقيقة العلمية”، فإنه- في ماهيته وهويته وظهوره، وتبعاً للامتداد الَّلامتناهي لنشاط العقل الإنساني- يعدُّ طفرة طبيعية مما يمكن أن يفلح به العقل العلموي حين يمضي بعيداً في استكشاف الكون وحقائق الموجودات. وهنا لست أخفي مما استشعِرهُ بين حين وحين، من أن الفيزياء الحديثة ربما جاوزت نباهة التقليد الفلسفي حين أخرجت بعضاً يسيراً مما توصلت إليه في التعرف على ما يشير إلى حقيقة ذلك المكنون الذي يسمى ذات الشيء. تبيِّن الوقائع أن الفلسفة واصلت -منذ أرسطو- الفصل بين “النومين” و”الفينومين” زاعمة أن الأول يتأبَّى على الفهم ويستحيل العلم به على مدركات العقل.. في حين أن الفيزياء الحديثة بذكائها الفائق، أحكمت عملها وفقاً لوحدة أشياء الكون، ورسمت دربتها على واحدية لا انفصام لها بين الشيء المحتجب بذاته والشيء البادي للعيان. بل طفقت تبتني نظامها المعرفي على تناغم الأشياء في ظهورها وبطونها. ثم لتقرِّر بعد التجربة والملاحظة ان كل شيء من أشياء الكون يسري من نفسه الباطنة إلى نفسه الظاهرة وبالعكس بلا انقطاع وانفصال. إلى ذلك، لم يكن للذكاء الاصطناعي أن يظهر على نصاب الدهشة، لولا أن سدَّده العقل البشري الأصيل بطائفة من الفرضيات جاوزت المألوف في عالم التأملات الفيزيائية.

لعل ما زاد من هجران الحداثة ونكرانها للميتافيزيقا، ان انتهت النتائج الفعلية لكل من الثورتين الكوبرنيكية والكانطية الى الغموض والضبابية على نحو مريع. صحيح أن هاتين الثورتين ساهمتا في إيقاظ الإنسان الغربي ولفت انتباهه نحو واقع جديد أكثر امتلاءً بروح الابتكار والمغامرة، إلا انهما من وجه آخر دَأبَتا على إزاحة هذ الإنسان واقصائه على نحو جذري: الاولى، أقصته من مركز الكون، والثانية حجبت عنه المعرفة الحقيقية لذلك الكون. وعلى هذا النحو وقع إنسان الحداثة في معضلة مركَّبة كونية ومعرفية في الآن عينه.

لقد عُدَّ التساؤل عن إمكان وجود صلة بين القوانين الحاكمة على الطبيعة وعوالم ما بعد الطبيعة أحد أبرز المعضلات التي سعى العقل الفلسفي إلى الوقوف عليها واستخراج المبادئ المنطقية المناسبة لها. وإذا كان هذا التساؤل لا يني يقضُّ سكينة المفاهيم الفلسفية منذ الحقبة الإغريقية إلى حقبات الحداثة وما بعدها، فقد جاء العلم الذكي بحوادثه وانعطافاته الكبرى، ليتاخم الجواب من مكان غير معهود. فلقد بدا بما لا يقبل الريب، أن العلم الذكي أعاد للفلسفة الاهتمام بأصل الوجود من بعد نسيانها إياه. هو الأمر الذي سيفترض على الفلسفة استئناف مهمة التعرف عليه وإعادة استكشافه من جديد.

الفلاسفة الذين استحوذ عليهم هذا الإشكال، سيذهبون إلى تبني فكرة انعطافية قد تؤسس لإعادة وصل القطيعة بين الفيزياء والميتافيزياء من دون أن يفضي هذا الوصل إلى مخالفة المبادئ والقواعد البديهية لنظام عمل العقل. الفيلسوف الألماني غوتغريد فيلهلم لايبنتز، سيأتينا بعبارات مكثفة تختصر مواقفه حيال التفسير الميكانيكي لحركة الطبيعة. فالذي ذهب إليه، هو التأسيس لفكرة تقول بضرورة العودة الى الميتافيزيقا لتفسير حقيقة الفيزياء. يقول: لو كانت قواعد الميكانيكا تابعة للهندسة فقط من دون الميتافيزيقا لكانت الظواهر على غير ما هي عليه كلياً. وهذه الأطروحة تعني في المقام الأول وعي ان الوجود الفيزيائي يعود في منشأه وأصله إلى إرادة ميتافيزيقية أخرجته إلى الوجود. وهنا على وجه الضبط يقع التمييز الأنطولوجي بين ماهية الواجد وهوية الموجود، هكذا ، وطالما قد اعترفنا بحكمة الله في جزئيات بنية بعض الأجسام الخاصة والميكانيكية، يصير من اللازم أن تظهر تلك الحكمة أيضاً في هيئة العالم العامة، وفي تكوين قوانين الطبيعة.

وعلى أية حال، فإن العقول السليمة تعترف بوجود نظامٍ ما في هذا الكون وفي العناصر المكوِّنة للطبيعة، وهو نظامٌ ينمُّ عن وجود حكمة صانعة وحكيم صانع. فالجسم إذاً، آلة تخضع إلى قوانين الفيزياء، وهي تتميز بالتناسق لتكون عالماً محيطاً بعوالم أخرى لا متناهية . بل فوق ذلك جاز القول، أن من طرافة الآلة الحية انها تكمن في تعبيرها عن غائية كلية العالم. وهذا ليس فقط ما يخص كيانها الفردي بل في كل جزء من أجزائها. فحكمة الله هي مصدر النظام والتناغم، وهو ما عناه سقراط في الفيدون.

على أي حال، ليس من شك في ما ينطوي عليه العقل البشري من امتدادات هائلة في الكشف وسبر غور المجهولات. في هذا العقل يكمن السر الذي منه سيبلغ الذكاء الصناعي مكانة لا قَبلَ له بها شرط البقاء تحت عناية التدبيرات الإلهية وعطاءاتها الَّلامتناهية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى