محاورات

الاستشراق والدراسات القرآنيَّة

الاستشراق والدراسات القرآنيَّة

 

في حوار مع التجاني بوالعوالي

 

إعداد : ليلى ثمراوي

 

 

يتناول هذا الحوار مع د/ التجاني بوالعوالي الاستشراق والدراسات القرآنية، يدور هذا المحور الأول منه حول مفهوم الاستشراق، ومحاولات فهمه، والمقاربات التي حاولت دراسته، والمراحل التاريخية والمنهجية التي مرّ بها.

 

                         الاستشراق؛ مفهومه ونشأته وتاريخه

 

مقدمة:

يمثّل الاستشراق ظاهرة معرفية وسياسية مهمّة في تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، وقد أصبح نتاجُ الاستشراق حول الشرق والإسلام والقرآن جزءًا من الخريطة المعرفية المعاصرة لدراستهم، مما يحتِّم علينا محاولة فهم الظاهرة وطبيعتها وحدودها وطُرُق التعاطي المعرفي معها. وقد خضع الاستشراق لعديد من الدراسات، وحظي بالتناول المعمَّق شرقًا وغربًا، وعرف الكثير من المقاربات لتحديده مفهوميًّا وتاريخيًّا، وتتبّع مراحله، وتعيين طُرق قراءته والتفاعل معه.

يتناول هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة ليلى ثمراوي مع الدكتور التجاني بولعوالي، ظاهرةَ الاستشراق والدراسات القرآنية الغربية، وينقسم إلى محورين؛ الأول: الاستشراق، والمحور الثاني: دراسات القرآن الغربية؛ هذا الجزء من الحوار هو المحور الأول، ويتناول مفهوم الاستشراق، ومحاولات تحديدها، ومقاربات دراسته شرقًا وغربًا، كما يُلْقِي الضوء على التطوّر الذي شهده الاستشراق مع ما يُعرف بالاستشراق الجديد؛ فيتناول الطبيعة المنهجية والمعرفية لهذا الاستشراق الجديد، وهل يمثِّل استمرارًا للاستشراق التقليدي، أم يمثِّل قطيعةً معه، وما ملامح الاتفاق والاختلاف بينهما.

المحور الأول: الاستشراق.. بين التأسيس التاريخي والتحوّل المعرفي:

س1: هل يمكن اعتبار بداية تَعَرُّف الأوروبيين على الثقافة الإسلامية في الأندلس لحظة التأسيس الفعلية للاستشراق، أم أنّ قرار مجمع فيينّا في القرن الرابع عشر يمثِّل التحوّل الفعلي الأول؟

د/ التجاني بولعوالي:

من خلال اشتغالنا بحقل الاستشراق، وجدنا أنّ الباحثين يختلفون إلى حدّ كبيرٍ حول الانطلاقة الفعلية لهذا الحقل المعرفي، ومن ثَمَّ بداية اهتمام الأوروبيين وتعرّفهم على الثقافة الإسلامية. وإذا كان المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون يُرجِع -في كتابه: (جاذبية الإسلام)- ظهور مصطلح (الاستشراق) إلى سنة 1779م، حين استُخدم لأول مرة في اللغة الإنجليزية، فإنّ الظاهرة الاستشراقية كمفهوم وسلوك أقدم من ذلك بكثير؛ إِذْ ثمة من يربط بدايتها بالحروب الصليبية التي انطلقت سنة 1049م، ومن يقرنها بقرار مجمع فيينّا في القرن الرابع عشر، الذي قضى بإنشاء كراسي لتعليم اللغة العربية في الجامعات الأوروبية، ومنهم من يُعيد بدايتها إلى حملة نابليون على مصر عام 1798م. وقد أشار إدوارد سعيد إلى أن جذور الاستشراق تعود إلى التراث والآداب اليونانية.

كما يمكن أن نضيف هنا الاهتمام المبكِّر بالإسلام في المصادر المسيحية واليهودية، والذي بدأ منذ ظهوره، ونجد ذلك في ما يُعرف بـ(الوثائق الخارجية) التي أُلِّفَت منذ عام 634م على يد رهبان ولاهوتيين من خلفيات مسيحية ويهودية، وبمختلف اللغات؛ كالعِبرية، والآرامية، والقبطية، والفارسية، واليونانية. وقد امتدّ هذا الاهتمام الكتابي عبر تاريخ الإسلام، في دمشق وبغداد ومصر والأندلس وغيرها.

وقد أضفتم في سؤالكم لحظة تاريخية مهمّة، وهي الاحتكاك السياسي والمعرفي الذي تم بين المسلمين والأوروبيين، وهي مرحلة الأندلس. وأعتقدُ شخصيًّا أن البداية الفعلية لاكتشاف أوروبا المسيحية للإسلام لا تتعلّق بلحظة تاريخية محدّدة، بقدر ما أن هذه اللحظات تضافرت كلّها مجتمعة لتزويد الأوروبيين بجوانب من الحضارة الإسلامية. ومع مرور الوقت، توفّرت لدى الدوائر السياسية والأكاديمية معرفة واسعة بتاريخ الإسلام وعلومه وفنونه وشعوبه وبلدانه. وهكذا تحقّق نوع من التراكم المعرفي، حيث شكَّل ما تركه المسيحيون الأوائل من وثائق ومؤلّفات حول الإسلام -عشية ظهوره أو أثناء احتكاك المسلمين بالمسيحيين في البلدان التي فتحوها أو لاحقًا خلال الحروب الصليبية أو المرحلة الأندلسية- أرضيةً لمن جاء بعدهم من المستشرقين واللاهوتيين والمترجمين. هؤلاء لم يبدؤوا من الصفر، بل أسّسوا اشتغالهم بالإسلام على ما خلّفه أسلافهم. وقد اتّضح ذلك في قرار مجمع فيينّا في القرن الرابع عشر بتأسيس كراسي اللغة العربية والدعوة إلى ترجمة القرآن لأهداف جدلية وتبشيرية. وبحلول القرن الثامن عشر، حيث اشتدّ عُود عِلْم الاستشراق، نقل المستشرقون مباحث اللغة العربية والعلوم الإسلامية إلى رواق الجامعات، فأسّسوا تخصّصات الدراسات العربية والإسلامية وترجمة القرآن، وعمّموها على مُعْظَم الجامعات الأوروبية التي كانت مشهورة في تلك المرحلة.

س2: كيف يمكن التمييز بين الظهور العفوي للاستشراق والظهور المؤسّسي له؟ وما أهمية قرار مجمع فيينّا في هذا السياق؟

د/ التجاني بولعوالي:

إذا كانت جذور الاهتمام الكتابي بالإسلام تشكِّل الظهور المبكّر للاستشراق (بالقوّة) أو (بعفوية) إن صح التعبير، فإنّ ظهوره الحقيقي (بالفعل) أو (كمؤسّسة قائمة) قد تحقّق لاحقًا. فهناك طيفٌ واسع من الباحثين، كما تمّت الإشارة آنفًا، يَعْتَبِر أنّ الاستشراق الفعلي كحقل معرفي مؤسّس ومنظّم بدأ في القرن الثامن عشر، مع نشوء دراسات أكاديمية متخصّصة في مختلف المجالات المرتبطة بالشرق، وخاصّة الإسلام.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أهمية قرار مجمع فيينّا سنة 1312م بإنشاء كراسي للّغة العربية والفارسية والعِبْرية، وهو القرار الذي أسهم في الانتقال التدريجي من الاهتمام اللاهوتي الجدلي بالإسلام إلى تأسيس أكاديمي نِسبي للدراسات العربية والإسلامية. فرغم الهيمنة المطلقة للطابع الجدلي الاعتذاري في الدراسات الاستشراقية التقليدية حتى القرن الثامن عشر على العموم، فإنّ المدرستَيْن الاستشراقيتَيْن الألمانية والهولندية قدّمتَا أعمالًا أكاديمية مهمّة في تناولها لقضايا الإسلام؛ كدراسة القرآن الكريم، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والفقه، والحديث، والعقيدة، فضلًا عن اللغة العربية، لكنها لم تكن خالية تمامًا من النزعة الجدلية والدفاعية عن المسيحية.

وعلى الرغم من أنّ مصطلح (الاستشراق) له تاريخ يتجاوز القرنَيْن، ومفهومه ضارب في عمق التاريخ، فإنه لا يزال يعاني من الغموض والتداخل المفاهيمي؛ إِذْ لا يمكن إدراج كلّ ما يتعلّق بالشرق ضمن إطار موحّد، خاصّة أنّ الحضور الجغرافي والثقافي للإسلام لا يقتصر على المنطقة العربية أو ما يُعرف بالشرق الأوسط، بل يمتد إلى جنوب أوروبا (الأندلس وصقلية)، وآسيا (إندونيسيا، ماليزيا، الصين، الهند).

كما أنّ المجالات التي اشتغل بها المستشرقون متعدّدة ومعقّدة، ما أدى إلى ظهور تخصّصات جديدة تُعْنَى بكلّ مجال على حِدَة، فظهر (علم الاستغراب) الذي يهتمّ -من منظور عربي وإسلامي- بدراسة الغرب، و(علم الاستعراب) الذي يختصّ بالدراسات العربية، و(علم الاستمزاغ) المعنيّ بالثقافة الأمازيغية في شمال إفريقيا، و(علم الاستتراك) المتخصّص في الدراسات التركية، و(علم الاستفراق) الذي يتناول الدراسات الإفريقية. ويمكن لهذا التنويع -كما أعتقدُ شخصيًّا- أن يسهم في الحد من غموض مصطلح (الاستشراق) وهلاميّته.

س3: كيف تقارن النظرة الغربية التأريخية لبداية الاستشراق بالنظرة العربية، وهل توجد بداية أخرى أكثر دقّة يمكن ترجيحها علميًّا؟

د/ التجاني بولعوالي:

أبدأُ بالمنظور العربي في التأريخ لبداية الاستشراق، لا سيّما بعد كتاب: (الاستشراق)، لإدوارد سعيد، فهو غالبًا ما يربط الاستشراق بالمشروع الاستعماري والهيمنة الإمبريالية الغربية. وفي المقابل، تميل الرؤية الأوروبية والغربية إلى اعتبار القرن الثامن عشر بداية فعلية لهذا الحقل؛ وذلك لتقاطع عدّة عوامل سياسية، وأكاديمية، ومفاهيمية: سياسيًّا، مع حملة نابليون على مصر؛ وأكاديميًّا، مع ظهور دراسات استشراقية رصينة؛ ومفهوميًّا، مع صياغة مصطلح (الاستشراق) في اللغة الإنجليزية.

أمّا بخصوص نظرتِي الشخصية، فأعتقدُ أن الموضوع مركّب، تتداخل فيه العوامل التاريخية والمفاهيمية والمنهجية. لذلك، يمكن التمييز بين جذور الاستشراق المبكّرة، التي بدأت مع الاهتمام الكتابي بالإسلام منذ ظهوره، وامتدّت في محطات لاحقة إلى فتح الأندلس والحروب الصليبية، وهو (حضور بالقوة) أو (عفوي). في المقابل، يمكن الحديث عن (الحضور المنظّم والمؤسّسي) للاستشراق في محطات متفرّقة، منها: ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية عام 1143، ترجمة أعمال ابن رشد، قرار مجمع فيينّا بإنشاء كراسي للّغات الشرقية عام 1312، وأخيرًا حملة نابليون على مصر سنة 1798، التي شارك فيها عشرات العلماء والمستشرقين.

س4: كيف تطوّر تعريف الاستشراق من كونه دراسة للشرق إلى كونه أداة للهيمنة؟ وما الأثر الذي أحدثه كلٌّ من إدوارد سعيد وأنور عبد المالك في تغيير هذا المفهوم؟ ثم كيف أسهم وائل حلاق في تعميق هذا التحوّل؟ وهل يمكن اعتبار كلٍّ من إدوارد سعيد ووائل حلاق ممثلين للاتجاه الاستشراقي الجديد؟

د/ التجاني بولعوالي:

ظلّ الاستشراق لزمن طويل يشكِّل مادةً خامًا في شكل دراسات ومؤلَّفات محفوظة في أروقة المكتبات الأكاديمية الغربية، وإلى حدّ ما في السياقات الجامعية العربية. وقد مَثّلَت هذه الدراسات مصادر أساسية لعددٍ كبيرٍ من الطلبة والباحثين والكُتّاب العرب والمسلمين طوال القرن العشرين. وعادةً ما كانت هذه المصادر تُتلقّى إمّا بالقبول التام أو بالرفض المطلق، ما أسفر عن تشكُّل ثلاثة تيّارات رئيسة:

❖ التيار الأول: تأثَّر بأساتذته من المستشرقين؛ كما هو الحال لدى طه حسين، وأحمد أمين، وحسين مؤنس، وزكي نجيب محمود، وغيرهم.

❖ التيار الثاني: وهو التيار المهيمن؛ تبنّى موقفًا رافضًا لكلّ ما يأتي من أوروبا المسيحية والاستعمارية.

❖ التيار الثالث: اتخذ موقفًا وسطًا؛ فاستفاد من منجزات الحضارة الغربية في مجالات التكنولوجيا والصناعة، دون أن يتبنّى القيم الغربية المتأرجحة بين المسيحية، والعلمانية، والحداثة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ التيار الرافض للتراث الاستشراقي الغربي حول الإسلام لم يتبلور بشكلٍ متكامل وواضح إلا مع صدور كتاب المفكّر إدوارد سعيد: (الاستشراق)، سنة 1978، الذي مَثّل نقطة تحوّل حاسمة. فقد اعتبر سعيد -إلى حدٍّ من التعميم- أنّ الاستشراق مشروع أيديولوجي استعماري، وأداة من أدوات الهيمنة الغربية على الشرق عمومًا، والعالم الإسلامي خصوصًا. وهذا الطرح أعاد تعريف الاستشراق؛ فبَعد أن كان يُنظر إليه على أنه مجرّد دراسة للغات وآداب وثقافات الشرق، أصبح يُفهم باعتباره خطابًا معرفيًّا- سلطويًّا يخدم مشاريع الاستعمار ويدّعي امتلاك المعرفة التفسيرية للشرق.

وقد سبق إدوارد سعيد جزئيًّا المفكّر أنور عبد المالك، الذي قدّم في 1973 نقدًا داخليًّا للاستشراق من منظور ماركسي، واعتبره خطابًا متحيزًا طبقيًّا وغربويًّا.

أمّا وائل حلاق، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إِذْ قام بتفكيك البنية المعرفية (الإبستمولوجية) للحداثة الغربية ذاتها، مؤكّدًا أنّ الاستشراق -حتى في صوره الأكاديمية المعتدلة- يبقى أسيرًا لنموذج معرفي استعلائي. غير أنه لم يتبنَّ مقاربة سعيد التي ألهمتْ أجيالًا من الباحثين العرب والغربيين، بل خصّص كتابًا بعنوان: (قصور الاستشراق)؛ لنقد مشروع سعيد، واعتبره امتدادًا للحداثة الليبرالية الغربية، بل ومؤسّسًا لنموذج معرفي تبنّى الأدوات ذاتها التي استعملها الاستعمار، رغم ادّعائه الوقوف ضدّه. فإدوارد سعيد -وفق حلاق- لم يكن مفكرًا هامشيًّا، بل كان جزءًا لا يتجزأ من المركزية الغربية، وابنًا للحداثة، درس في جامعاتها وتشكَّل فِكْره بأدواتها. ولهذا، فإنّ حلاق يقدّم نقدًا عميقًا لتعميمات سعيد ولميله إلى تسييس مفهوم الاستشراق.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن اعتبار إدوارد سعيد أو وائل حلاق ممثلَيْن لاتجاه استشراقي جديد؛ لأنهما لا ينتميان فكريًّا وأيديولوجيًّا إلى السياق الغربي المنتج للاستشراق، بل هما ناقدان له من خارجه. إلا أنّ تأثيرهما يقع ضمن ما يُعرف بـ(ما بعد الاستشراق)، وهو تيار نقدي مستقلّ يُعنى بتفكيك البنى المعرفية والخطابية التي أنتجها الاستشراق الكلاسيكي.

ويجدر التنويه بأنّ هذا التيار يمكن ربطه أيضًا باتجاه الاستغراب، الذي نشأ كردّ فعلٍ على الاستشراق، وسعى إلى تفكيك منطلقاته ومقارباته للشرق والإسلام. ويُعَدّ إدوارد سعيد، في الحقيقة، من أوائل من أشاروا إلى مفهوم (الاستغراب) قبل قيام حسن حنفي بتأصيله وتوسيع مفاهيمه في كتابه: (مقدمة في علم الاستغراب، 1991).

س5: إلى أيّ مدى أسهم التخلّي عن مصطلح (الاستشراق) لصالح تعبيرات، مثل: (الدراسات الشرقية) أو (دراسات الشرق الأدنى)، في إرباك التأريخ العلمي للاستشراق؟ وهل كان هذا التبديل مجرّد تجميل أم يحمل تحوّلات جوهرية في الرؤية والمنهج؟

د/ التجاني بولعوالي:

في تقديري، لم تأتِ هذه الخلخلة لمصطلح الاستشراق من فراغ، ولم يكن هذا التغيير الاصطلاحي شكليًّا فحسب. فقد جاء التخلِّي -أو محاولة التخلّي- عن المصطلح نتيجة الضغوط النقدية، خاصّة بعد كتاب إدوارد سعيد، في محاولة لإعادة تلميع المشروع من الداخل. غير أنّ التحوّل لم يكن دائمًا جوهريًّا؛ إِذْ لا تزال كثير من المضامين والرؤى الكلاسيكية حاضرة، حتى وإِنْ تغيّر العنوان. ومع ذلك، ظهرتْ تحت هذه العناوين البديلة دراسات جادّة تتّسم بقدر أكبر من الإنصاف والمنهجية النقدية الذاتية.

وهذا يعني أنّ هذا التغيير المصطلحي، الذي بدأ في النصف الثاني من القرن العشرين، كان -في جزء منه- ردَّ فِعْلٍ على النقد الموجَّه إلى مصطلح (الاستشراق)، سواء من طرف إدوارد سعيد أو غيره. وهكذا بدَا استبدال المصطلح في البداية شكليًّا، لكنه أتاح إعادة هيكلة الحقول الأكاديمية، فظهرت تخصّصات جديدة، مثل: (الدراسات الإسلامية)، و(دراسات الشرق الأوسط)، و(الدراسات العابرة للأقاليم)، و(الإسلامولوجيا).

ومع ذلك، لم يُنْهِ هذا التحوّل الإشكالات التي أثارها النقد ما بعد الاستشراقي؛ لأنّ كثيرًا من التحامل المعرفي لا يزال قائمًا داخل هذه الأقسام الأكاديمية الجديدة، خصوصًا في المناهج والمقاربات النقدية، ولا سيّما في الدراسات القرآنية والحديثية والفقهية، وفي البحث في جذور الإسلام وظهوره المبكّر. لكن، من الإنصاف القول أنّ بعض المراكز والجامعات الغربية تسعى اليوم لتجاوز الإرث الأيديولوجي للاستشراق التقليدي.

على هذا الأساس، أرى أنّه ينبغي التمييز اليوم بين تيارات متنوّعة داخل الدراسات الغربية المهتمة بالإسلام، أوّلها تيار يُعَدّ امتدادًا للاستشراق التقليدي، ويمكن تسميته: (الاستشراق الجديد) أو (المعاصر)، ويشمل توجّهات متباينة، منها: التنقيحية (Revisionist)، كما عند باتريشيا كرون، ومايكل كوك، وفريد دونر، وهارالد موتسكي، وروبرت هويلاند. والفيلولوجية (Philological)، كما عند جون وانسبرو، وكريستوف لوكسنبرغ، وغيرد بوين، وغابرييل سعيد رينولدز، وفرانسوا ديروش، وأنجليكا نويفرت. والاعتذارية (Apologetic)، كما عند مارشال هودجسون، وفريد هاليداي، وهارون طسيف، وديفيد توماس، ومارك دوري، وإيميليو بلاتي. ويلاحظ أنّ هذه التوجّهات تتداخل بشكلٍ لافتٍ عند بعض المستشرقين الجُدد، ويصعب أحيانًا تحديد الانتماء الدقيق لهم، كما في حالة باتريشيا كرون ومايكل كوك، حيث تحضر مختلف المستويات النقدية للإسلام.

أمّا التيار الثاني، فهو تيار أكاديمي موضوعي تناول الإسلام بقدرٍ كبيرٍ من الحياد، بعيدًا عن أيّ تحيّز بحثي أو أيديولوجي؛ سواء كان لصالح المسيحية أو الفيلولوجية أو التنقيحية. هؤلاء يُستحسن ألّا نطلق عليهم مصطلح (مستشرقين)، بل نعرّفهم وفق حقولهم المعرفية، مثل: فلاسفةِ الدِّين: جون هيك، وهينك فروم. والإسلامولوجيين: فان كونينسفيلد، وجون إسبوزيتو، ووائل حلاق. والمؤرّخين: كارين أرمسترونغ. واللاهوتيين: هانز كونغ وكونسيدين كرايخ. والفلاسفة: تزفيتان تودوروف ومارتا نوسباوم. وما دام أنّ هؤلاء الباحثين والمثقّفين الغربيين المعاصرين تناولوا الإسلام بمنهجية موضوعية بعيدة عن أيّ تحيّز أيديولوجي؛ لذا أمِيل إلى عدّهم باحثين موضوعيين أو تعدّديّين.

أمّا التيار الثالث فيضمّ الباحثين الذين أنصفوا الإسلام إلى حدّ بعيد، وكانت النتيجة أن اعتنقوا الإسلام، فصاروا من المدافعين عنه من داخل الوسط الأكاديمي الغربي. ومن الجيل الأول من هؤلاء: محمد أسد، ومحمد مارمادوك بكتال، وتوري أندريه، وغيرهم. أمّا الجيل الثاني فيشمل: عبد الكريم جريلي، وعبد الحق بوير، وعبد الوهاب هوار، وحمزة يوسف، وجوناثان براون، وغيرهم.

س6: متى بدأ استخدام مصطلح (الاستشراق الجديد) في الكتابات الغربية والعربية؟ ومَن أبرز مَن تولَّى تعريفه، ورَصْد أنواعه، وتقديم تأريخ شامل له؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الحقيقة، يصعب تحديد تاريخ ظهور مصطلح الاستشراق الجديد Neo-Orientalism بشكلٍ دقيقٍ؛ أوّلًا: لأنّ هذا الحقل المعرفي واسع ومترامي الأطراف، ولا يمكن الإحاطة علمًا به من خلال قراءة كتاب أو مقالة، وإنما من خلال الاشتغال البحثي الأكاديمي بمشاريع استشراقية كاملة تحتاج إلى سنوات من الدراسة والتعمّق والحفر. وثانيًا: لاختلاف رُؤى الباحثين حول التحوّلات المنهجية والأيديولوجية التي طرأت على مآل الاستشراق منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم. وقد أشرتُ أعلاه إلى مختلف المسائل المتعلقة، لا سيّما بالتحوّل المصطلحي والمفهومي. لذلك، أحاول في الفقرات الآتية التوقّف عند بعض القضايا المتعلّقة بالاستشراق الجديد؛ كالمفهوم والخصائص والتوجّهات.

أوّلًا وقبل كلّ شيء، لا أُدْرِج كلّ ما كُتب من الدراسات الأوروبية والغربية المعاصرة في خانة الاستشراق عامة والاستشراق الجديد خاصّة، كما سبقَت الإشارة. أميلُ إلى وضع كلّ باحث غربي معاصر تناول الإسلام في إطار تخصّصه، وهذا ما هو معمول به اليوم أكاديميًّا، وإلّا فلماذا نتشبّث بأن نطلق على المتخصّص الغربي في علم الاجتماع (السوسيولوجي)، وإِنْ تناوَلَ بعض القضايا الأسرية والقيمية الإسلامية، وما أكثرهم اليوم. وهذا ما ينطبق على الأنثروبولوجي والإثنوغرافي والصحافي وغيرهم. لكن عندما يتعلّق الأمر بدارس الإسلام الغربي، فإننا نضعه مباشرة في خانة الاستشراق، مجرِّدِين إياه من تخصّصه الأكاديمي الذي أفنى فيه عُمره وألّف فيه مختلف بحوثه. لذلك، لا أقبل -على سبيل المثال لا الحصر- أن نُطلق على الباحث الهولندي فان كونينسفيلد مستشرقًا، بينما هو يُعْرف في الوسط الأكاديمي بأنه إسلامولوجي، أي: عالم أو دارس متخصّص في قضايا الإسلام.

أمّا فيما يتعلّق بمفهوم الاستشراق الجديد، أي: تلك الدراسات والمقاربات التي تُعتبر امتدادًا إبستمولوجيًّا ومنهجيًّا للاستشراق التقليدي، وتمثّله التوجّهات التنقيحية والاعتذارية والفيلولوجية، ويمكن تعريفه بأنه مجموعة من الخطابات الأكاديمية والإعلامية والسياسية المعاصرة حول الإسلام والمجتمعات المسلمة، والتي تستمد الكثير من افتراضات الاستشراق الكلاسيكي، لكنها تعمل في إطار حديث محكوم بالشروط الحضارية المعاصرة وتستعمل أدوات العولمة ووسائل الإعلام الجديدة. ويستخدم هذا المصطلح خصوصًا لوصف التمثلات الغربية للإسلام بعد نهاية الحرب الباردة وأحداث 11 سبتمبر، حيث امتزجت التحيّزات المعرفية التقليدية مع هواجس الأمن القومي والروايات الثقافية والأجندات الجيوسياسية.

س7: هل تختلف أدوات الاستشراق الجديد ومقاصده عن الاستشراق التقليدي؟ وما أهمّ سماته؟

د/ التجاني بولعوالي:

تتحدّد أهمّ سِمَات الاستشراق الجديد في أنه استمرار للاستشراق التقليدي، حيث حافظ على الكثير من هذه الرؤية الجوهرانية، لكنه أعاد صياغتها بلغة معاصرة تتلاءم مع اهتمامات الأمن والسياسة في القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني أنّ الاستشراق الجديد يتّسم في تناوله للإسلام بتركيز مكثّف على الجانب الأمني، حيث يُنظر إلى الإسلام غالبًا ليس كدِين أو حضارة متكاملة، بل كتهديد محتمل يرتبط بالتطرف والإرهاب، مع تضخيم هذه القضايا. كما يميل إلى التقدير الانتقائي للثقافة الإسلامية؛ إِذْ يبرز ما يُصوَّر على أنه تخلّف أو عدم استقرار سياسي واجتماعي، بخلاف جانب من الاستشراق الكلاسيكي الذي كان يمجّد الجوانب الفنية والروحية مثل التصوّف والعمارة الإسلامية. ويتّصف الاستشراق الجديد كذلك بالتأطير الاختزالي، حيث تُعامَل الدول والمجتمعات الإسلامية ككتلة متجانسة متجاهلة بذلك التنوّع الفكري والسياسي والتاريخي بداخلها. بالإضافة إلى ذلك، يؤدّي التضخيم الإعلامي دورًا بارزًا في تشكيل صورة نمطية عن الإسلام، حتى في سياقات تُروِّج للفهم والحوار، ما يرسخ هذه الصور النمطية ويعمق الانطباعات السلبية.

ويتمثّل الاستشراق الجديد في التوجهات التنقيحية والاعتذارية (وهي تعني ذلك التيار الجدلي الذي يدافع عن المسيحية عبر التشكيك اللاهوتي والمنهجي في حقيقة الإسلام) والفيلولوجية الجديدة، كما يمكن أن يضاف إليها الدراسات الموجهة بالسياسات التي تركّز على الإسلام السياسي والهجرة والاندماج، غالبًا من منظور صراع الحضارات، كما أرساه صموئيل هانتينغتون وبرنارد لويس وغيرهما. كما يتمثّل أيضًا في برامج الدراسات الإسلامية بعد 11 سبتمبر، والتي ترتبط أحيانًا بمصالح حكومية أو عسكرية، ما يطرح إشكالات حول استقلالية البحث العلمي.

س8: ما تأريخ الاستشراق الجديد؟ ومَنْ أبرز نقّاده؟ وهل هناك مبادرات بحثية إسلامية تعالج هذا الموضوع؟

د/ التجاني بولعوالي:

ينبغي التمييز في تاريخ الاستشراق الجديد بين المصطلح الذي ظهر منذ تسعينيات القرن الماضي، وبين كونه مفهومًا أو ظاهرة، وهي تمتد إلى أكثر من ذلك، ربما إلى خمسينيات القرن العشرين. إذا ما توقّفنا عند السياق الهولندي، فإنّنا نجد أنه ظهرت منذ منتصف القرن العشرين دراسات مختلفة حول الإسلام لمجموعة من المستشرقين والمستعربين الهولنديين الجُدد، مثل فاردنبورخ، ويان بيترس، وديرك أتيما، ويان سلومب، وهانس يانسن، وغيرهم. وقد ظلّ هؤلاء أوفياء للمقاربة الاستشراقية التقليدية، لكن في الوقت نفسه بدأت تظهر بوادر تيار جديد يقطع مع الاستشراق الكلاسيكي، ويعتبر فان كونينسفيلد رائدًا له. وهذا التيار الموضوعي يطلق عليه أيضًا (ما بعد الاستشراق)، رغم أني أرى أن هذا المصطلح يبقى نسبيًّا؛ لأنه لا يشكل بديلًا أو نفيًا للدراسات الاستشراقية التنقيحية والاعتذارية التي تمتدّ اليوم بشكلٍ واسعٍ في الاستشراق الجديد، حيث أتباعه يعيدون إنتاج التحيزات القديمة رغم اختلاف السياقات والأساليب والمنهجيات.

وهذا يعني أن الاستشراق الجديد يوظّف آليات حديثة (علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الدراسات الثقافية)، لكنه يحافظ على فرضيات غير معلنة حول (الاستثناء الإسلامي) أو (أزمة الإسلام)، ويضخم قضايا مثل التطرّف والمرأة. لذا، تختلف أدواته لكنه يشترك مع القديم في جُمْلة من المنطلقات والمقاصد.

وكما أنّ للاستشراق الجديد مؤلِّفيه وصُنَّاعه، فإن له نقّاده أيضًا، وأهمّهم إدوارد سعيد، ووائل حلاق، وحميد دباشي، وطارق رمضان، وزياد الدين سردار، بالإضافة إلى مجموعة من الباحثين المسلمين الذين يقيمون في أوروبا والغرب ويعملون في الجامعات والمراكز البحثية الغربية. وهؤلاء يمكن أن يُدرجوا في إطار عِلْم الاستغراب الذي جاء كردّ فعل على عِلْم الاستشراق، وذلك ليدرس الثقافة الغربية ويفكّك أنساقها الثقافية والاجتماعية والقيمية والسياسية، تمامًا كما صنع الاستشراق بالشرق والإسلام.

وتجدر الإشارة إلى أنه أُطلقت في السنوات الأخيرة مبادرة جديدة في أوروبا تقدّم مقاربة أكاديمية داخلية للإسلام عامة، والإسلام في أوروبا والغرب خاصّة، وذلك لسدّ الفجوة البحثية التي نشأت جرّاء غياب مراكز بحثية إسلامية تشتغل بالدراسات الإسلامية انطلاقًا من المصادر الإسلامية الأصيلة الموثوقة، وفي الوقت نفسه تفكّك الدراسات الاستشراقية للإسلام التي لا تخلو من مغالطات وانحرافات لا تمتّ بصِلَةٍ إلى البحث العلمي الجادّ والرزين.

ويتعلّق الأمر بمركز اجتهاد للدراسات والتكوين في بلجيكا، والذي رغم حداثة عهده بالنشأة وانعدام موارده المادية، فإنه تمكَّن في وقت قياسي وبموارد ذاتية من تقديم إسهامات متنوّعة تقارب الإسلام من الداخل الأوروبي لتصحيح المقاربة الاستشراقية والخارجية التي تحضر بشكل مكثف على مختلف المستويات. وسعيًا لتحقيق أهدافه، أطلق مركز اجتهاد جُمْلة من المبادرات؛ كالندوات العلمية الدولية، والندوات الشهرية التفاعلية، والكراسات البحثية، ومجلة اجتهاد للدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا، والتي حقّقت نجاحًا كبيرًا رغم صدور ثلاثة أعداد منها فقط، وتأسيسها في بلجيكا منذ أقلّ من عامين.

س9: هل لا تزال التقسيمات الجغرافية التقليدية (فرنسي، إنجليزي، ألماني…) صالحة لفهم تنوّع المدارس الاستشراقية، أم أنَّ تشابه المناهج وتكامُل الاهتمامات يفرض تصنيفًا جديدًا أكثر دقة؟ ولماذا يتمّ تجاهل أمريكا وكندا عند الحديث عن الاستشراق الإنجليزي، وبلجيكا وسويسرا عند الحديث عن الاستشراق الفرنسي؟

د/ التجاني بولعوالي:

هناك بالفعل تقسيمات متعدّدة للاستشراق، يمكن تصنيفها تاريخيًّا أو جغرافيًّا أو أيديولوجيًّا أو منهجيًّا. وقد شهدنا في العقود الأخيرة تصاعدًا في النقاش حول الاستشراق وتنوّع أشكاله، ليس فقط بكونه تيارًا أكاديميًّا، بل كظاهرة ثقافية لها تجليات سياسية وإعلامية وفنية.

فيما يخصّ التقسيم الجغرافي التقليدي (فرنسي، بريطاني، ألماني…)، فقد أدى دورًا مهمًّا في رسم خارطة الاستشراق، ليس من حيث النطاق الجغرافي فقط، بل من حيث الخلفيات الأيديولوجية والثقافية وحتى الاستعمارية. على سبيل المثال، ارتبط الاستشراق الفرنسي تاريخيًّا بالسياق الاستعماري لشمال إفريقيا، حيث ركّز باحثون -مثل: لويس ماسينيون، وجاك بيرك- على المنطقة المغاربية، وشاركوا في صياغة السياسات الثقافية الفرنسية تجاه الجزائر وتونس والمغرب. بينما تمحور الاستشراق البريطاني حول مصر والهند، كما في أعمال إدوارد وليم لين عن المجتمع المصري، وهاملتون غِب الذي جمع بين الاهتمام بالشرق الأوسط وقضايا الإسلام السياسي. في حين اشتهرت المدرسة الألمانية بالتركيز الفيلولوجي واللغوي، وأنتجت روّادًا مثل تيودور نولدكه في دراسات القرآن، وكارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي.

أمّا من حيث مناطق الاستهداف، فقد ركّزت بعض الدراسات الاستشراقية على الهند (كما فعل البريطانيون في مرحلة الاستعمار)، وأخرى على إندونيسيا (كما فعل الهولنديون مثل سنوك هرخرونيه)، أو على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وأعتقدُ أنّ هذه التصنيفات لا يمكن فَصْلها عن الدوافع الأيديولوجية؛ فهناك استشراق سياسي، وآخر تبشيري، أو اقتصادي، أو إثنوغرافي، وأحيانًا كان التقاطع بينها كبيرًا. فالاستشراق التبشيري الفرنسي في القرن التاسع عشر مثلًا خدم بشكلٍ مباشرٍ الأهداف الكاثوليكية في المشرق العربي، بينما ارتبط الاستشراق الهولندي بمصالح استعمارية في جنوب شرق آسيا.

واليوم، ومع العولمة الأكاديمية، أصبح التشابه بين المناهج كبيرًا، ونجد أحيانًا اندماجًا واضحًا بينها. فالباحث الأمريكي جون إسبوزيتو مثلًا يستعمل أدوات بَحْث قريبة من المدرسة البريطانية في دراساته عن الإسلام السياسي، بينما تستعين أبحاث كندية مثل أعمال إيزابيل سانت أونج بمناهج فرنسية- ألمانية مختلطة.

ويلاحظ أنه غالبًا ما تُستثنى أمريكا وكندا عند الحديث عن الاستشراق (الإنجليزي)؛ لأنّ جذور المصطلح والممارسة كانت أوروبية في الأصل، ولم يكن للولايات المتحدة دور مركزي إلا بعد الحرب العالمية الثانية، خاصّة مع صعود مراكز الدراسات الشرق أوسطية في جامعات، مثل: هارفارد وبرنستون. أمّا كندا، فقد أسهمت من خلال جامعات، مثل: ماكغيل في الدراسات الإسلامية، لكنها بقيت في الظلّ مقارنة بالنموذجَيْن البريطاني والفرنسي.

أمّا بلجيكا وسويسرا، فإنتاجهما الاستشراقي مهمّ لكنه ظلّ خارج التصنيفات الكبرى لأسباب جيوسياسية وحجم التأثير الدولي المحدود. فبلجيكا قدّمت أسماء بارزة، مثل: جاك بيرين، وأرماند آبل، ودانيال دي سميت. ومراكز بحثية، مثل: معهد اللغات الشرقية في لوفان، بينما أنتجت سويسرا مستشرقين بارزين، مثل: آدم متز، لكنها لم تُدْرَج تقليديًّا كـ(مدرسة) قائمة بذاتها.

ومما سبق، يمكن أن نخلص إلى أنّ التقسيمات الجغرافية الكلاسيكية مفيدة تاريخيًّا لكنها لم تَعُد كافية. أمّا في السياق المعاصر، فالأفضل تصنيف المدارس الاستشراقية وفق المناهج والأهداف والأيديولوجيا، مثل: المدرسة الفيلولوجية، أو الأنثروبولوجية، أو السياسية الأمنية، أو الإعلامية الثقافية؛ لأنّ هذا يعكس بدقّة أكبر واقع البحث اليوم.

س10: هل يمكن التسليم بمقولة: «موت الاستشراق»، في ظلّ استمرار الدراسات الغربية عن الإسلام؟ وإذا كان الاستشراق قد عَرف اتساعًا وهيمنة، فلماذا لم يَعرف (الاستعراب) المعادل الموضوعي العربي له هذا المسار؟ وما العوامل التي تُعِيق ازدهاره وتفعيله كمجال معرفي مستقلّ؟

د/ التجاني بولعوالي:

أرى أنّ مقولة: «موت الاستشراق»، مبالَغ فيها؛ لأنها لا تعكس واقع البحث الأكاديمي الأوروبي والغربي حول الإسلام. فالاهتمام بالدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية ومراكز الأبحاث تَضَاعَف واتّسع مجاله بشكلٍ كبيرٍ. صحيح أن هناك تراجعًا نسبيًّا في استخدام مصطلح الاستشراق في بعض الدوائر الأكاديمية والإعلامية الغربية؛ وذلك لمنح هذه الدراسات طابع الجدّية والقبول، بعد أن بات كلّ عَمَل يندرج تحت شعار الاستشراق يُقابَل بالرّيبة والنقد. غير أن هذا لا يعني توقّف الممارسة نفسها، بل شهدنا إعادة إنتاجها وتدويرها تحت مسميات وتوجّهات جديدة، مثل: الاستشراق التنقيحي، والاستشراق النقدي السياسي، والاستشراق الاعتذاري.

ومن هنا، فإنّ مقولة: «موت الاستشراق»، التي راجتْ بقوّة بعد صدور كتاب إدوارد سعيد سنة 1978 لا تشير إلى نهاية الدراسات الغربية عن الشرق أو الإسلام، وإنما إلى تراجع النمط التقليدي للاستشراق المرتبط بالهيمنة الاستعمارية وبالبنية المعرفية التي صاغها المستشرق الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وبعد النقد الحادّ الذي تعرَّض له هذا التراث، أُعيدت صياغة العلاقة بين الباحث الغربي وموضوعه الشرقي، فانتقلنا من الاستشراق التقليدي إلى ما يُعرف اليوم بـ(الاستشراق الجديد)، الذي لا يزال نشطًا ومؤثرًا، خاصّة في الجامعات ومراكز الأبحاث وصُنْع السياسات الدولية. وهذا يعني أنّ الاستشراق لم يَمُتْ، وإنما طوّر أدواته ومصطلحاته وأُطره المؤسّسية.

أمّا الاستعراب، فهو فرع من فروع الاستشراق يختصّ بالدراسات التي ينجزها غير العرب حول اللغة العربية وثقافتها وتاريخها ومجتمعاتها. وقد جرى العُرْف على إطلاق المصطلح العام (الاستشراق) على ما هو خاصّ؛ فيُقَال: (استعراب) في حال الدراسات العربية، و(استفراق) في حال الدراسات الإفريقية، و(استمزاغ) في حال الدراسات الأمازيغية. وهناك باحثون غربيّون، خصوصًا في المدرستَيْن الهولندية والإسبانية، درسوا الإسلام واللغة العربية لكنهم يرفضون أن يُصنَّفوا كمستشرقين، بل يميلون إلى تسمية (المستعرب).

وعلى الأساس، فإنّ عدم شيوع استخدام مصطلحَي الاستشراق أو الاستعراب لا يعني أن هذين الحقلَيْن في تراجع. على العكس، فإنّ حجم الإنتاج العلمي في العقود الأخيرة داخل أقسام الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأوروبية والغربية ربما يضاهي -بل يفوق- ما أُنجز في تاريخ الاستشراق كلّه حول الإسلام واللغة العربية.

س11: ما مدى تأثير التحوّلات السياسية العالمية (كالحرب على الإرهاب أو صعود اليمين في الغرب) على مضامين الدراسات الاستشراقية المعاصرة؟ وهل أدّت إلى إعادة إنتاج أنماط استشراقية تقليدية بصياغات جديدة؟

د/ التجاني بولعوالي:

إنّ التحوّلات السياسية العالمية خلال العقود الأخيرة، وعلى رأسها أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب على الإرهاب، وصعود التيارات اليمينية والشعبوية في الغرب، كان لها أثر بالغ على مضامين الدراسات الاستشراقية المعاصرة، سواء على مستوى الموضوعات أو المناهج أو الخطاب. فقد أدّى التركيز الأمني والوقائي إلى جَعْلِ الإسلام، في كثير من هذه الدراسات، يُقارب من منظور المخاطر والتحديات، ما أعاد إلى الواجهة أنماطًا قديمة من المقاربات الاستشراقية، ولكن بقشيب جديد يتناسب مع السياق السياسي الراهن.

إنّ المستشرقين في زمن الاستعمار التقليدي كانوا يدرسون المجتمعات الإسلامية بهدف فهمها للسيطرة عليها وإدارتها. أمّا اليوم، فالكثير من الدراسات التي تندرج تحت ما يُسمّى بـ(الدراسات الأمنية) أو (التحليل الإستراتيجي)، توظّف نفس الآليات الاختزالية، ولكن لتبرير سياسات الهجرة الصارمة، أو التدخّلات العسكرية، أو منع الرموز الدينية، أو مراقبة المجتمعات المسلمة في الداخل الغربي. كذلك، أسهم صعود اليمين في الغرب في تغذية خطاب ثقافوي استقطابي وعنصري يرى في الإسلام جوهرًا ثابتًا غير قابل للتوافق مع (القيم الغربية)، وهو طرح يذكّر بمقولات الاستشراق التقليدي حول (التخلف)، و(الجمود) الحضاري، وإن كان يُقدَّم الآن تحت عناوين أكاديمية، مثل: (دراسات التطرف) أو (أمن الحدود) أو (التكامل الثقافي).

ومن هذا المنطلق، يمكن القول أنّ التحوّلات السياسية لم تُنْهِ الاستشراق التقليدي، أو تُعْلِن موته، بل أطلقت عملية إعادة تدويره وإعادة إنتاجه؛ فالمقولات الجوهرانية، والتعميمات الثقافية، والصور النمطية ما زالتْ حاضرة، لكنها تُقَدَّم الآن بلغة (بحثية) أو (سياسية) تواكب الخطاب المعاصر، وتجد شرعيتها في مناخ عالمي يتّسم بالتوترات الأمنية والصراعات الثقافية.

الدراسات القرآنيَّة الغربيَّة

 

إعداد : ليلى ثمراوي

ضيف الحوار : التجاني بولعوالي

 

يتناول هذا الجزء من الحوار مع د/ التجاني بوالعوالي الدراسات القرآنية، فيتناول الطبيعة المعرفية لهذه الدراسات، وأهم المناهج التي تستخدمها، ونشأتها وتطورها، كما يتناول أثر التغيُّر الحاصل في الاستشراق على الدراسات القرآنية، واهتماماتها ومناهجها.

مقدمة:

الجزء الثاني من الحوار مع الدكتور التجاني بولعوالي، يتناول دراسات القرآن الغربية، والطبيعة المعرفية لهذه الدراسات، وأهم المناهج التي تستخدمها، ونشأتها وتطورها، كما يتناول أثر التغير الحاصل في الاستشراق على الدراسات القرآنية، واهتماماتها ومناهجها، كذلك يلقي الضوء على أهمّ التطوُّرات المعاصرة في سياق الدراسات القرآنية، ممثَّلة في المشاريع البحثية الكبرى التي تشهدها ساحتها.

 :

س1: ما جذور الاهتمام الاستشراقي بالدراسات الإسلامية والقرآنية؟

د/ التجاني بولعوالي:

عادةً ما يُربط الاهتمام اللاهوتي والأكاديمي الأوروبي بالدراسات الإسلامية والقرآنية بمراحل تاريخية محدّدة، كان لها أثر كبير على العلاقات الجيوسياسية بين المسلمين والمسيحيّين. وقد استُخدمت هذه الدراسات الأوروبية والمسيحية، التي سُتعرف لاحقًا بالاستشراقية، كأدوات في هذا الصِّراع السياسي، ما يَعني أنّ العامل السياسي كان في المركز، بينما كان الجدل حول الإسلام والبحث في حقيقته مجرّد هامش ووسيلة. وهنا نستحضر ثنائية السُّلطة والمعرفة في الاستشراق كما نَظَّر لها إدوارد سعيد، حيث كانت معرفة المستشرقين التقليديين خادمة لسُلْطة المستعمِرين الأوروبيين. ولعلّ هذه السِّمَة ظَلَّت حاضرة في مُعظم الدراسات الاستشراقية التقليدية، مع بعض الاستثناءات، خصوصًا في الاستشراق الألماني والهولندي.

ولم تَسلم جذور الاهتمام الاستشراقي بالدراسات الإسلامية والقرآنية من تأثير ثنائية السُّلْطة والمعرفة، رغم اختلاف السياقات التاريخية والجغرافية. وعادةً ما يتركّز هذا الاهتمام على المرحلة اللاهوتية الجدلية في القرون الوسطى، لا سيّما مع انطلاق الحروب الصليبية بأمر البابا أوربان الثاني في 1096م، حيث كان الهدف الأساس دينيًّا تبشيريًّا. فقد وقفَت أوروبا المسيحية ككتلة موحدة لمحاربة الإسلام، ليس فقط كعدوّ إستراتيجي وعسكري يهدّد المصالح الأوروبية، بل كمنافس لاهوتي للنصرانية أيضًا. وهذا يعني أنّ ثنائية السلطة والمعرفة كانت متجذّرة منذ هذه المرحلة المبكّرة، حيث استُخدمت المعرفة لاكتشاف نقاط قوّة العدوّ الإسلامي وضعفه، ومن ثم اعتماد الإستراتيجية الأنسب لمواجهته والانقضاض عليه.

وفي هذه المرحلة المبكِّرة ظهرتْ أول ترجمة أوروبية للقرآن باللاتينية على يد روبرت القيطوني في 1143م، ولم تكن لأجل المعرفة الخالصة أو للجدل اللاهوتي فقط، بل لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية مخفية خلف قناع ديني. وقد ظلَّت هذه الترجمة طوال أربعة قرون مخطوطة في نُسخ متعدّدة، تُتداول داخل الأديرة فقط، حتى قام ثيودور بيبلياندر بطبعها في سويسرا في 1543م، وقدّم لها كلٌّ من مارتن لوثر وفيليب ميلانختون.

ولا يمكن تجاهل ظهور مصنّفات عديدة في هذه المرحلة كانت تهدف إلى تفنيد الإسلام وتقويض ثوابته العقدية، أبرزها رسالة توما الإكويني الشهيرة تحت عنوان: (الخلاصة ضد الوثنيين) (1259- 1265)، والمقصود بالوثنيين هنا المسلمون، حيث قدّم القرآن كمصدر (هرطقة) يجب دحضها.

واستمرّ هذا النمط من التعاطي مع القرآن في مرحلة النهضة الأوروبية، مع تحوّل تدريجي في نظرة المستشرقين إلى الإسلام والقرآن، خصوصًا مع انطلاق النهضة الإنسانية بين القرن الخامس عشر والثامن عشر. في هذه المرحلة توسّعت الأطماع الإمبريالية الأوروبية في أمريكا وإفريقيا وآسيا، وكانت القوى العظمى آنذاك، لا سيّما فرنسا وبريطانيا، في حاجة ماسّة لمعرفة طبيعة البلدان المستهدفة، فبدأت الدراسات اللغوية والثقافية، ثم الدراسات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية لاحقًا. وقد أدّى المستشرقون الأوائل دورًا محوريًّا في التمهيد للحركة الإمبريالية المبكّرة.

أمّا الاهتمام بالقرآن الكريم فتمّ في إطار دراسة لغات الشرق (العربية، السريانية، العِبرية) وكراسي الدراسات العربية في الجامعات الأوروبية، والتي كان النصّ القرآني يشكِّل أحد مصادرها المهمّة، وإن لم يكن محورها الوحيد. وظهرت ترجمات جديدة للقرآن إلى اللغات الأوروبية، حيث ظلّت ترجمة روبرت القيطوني مرجعًا للمترجمين لجهلهم اللغة العربية، حتى صدرت أول ترجمة مباشرة من العربية إلى الفرنسية على يد أندري دي ريور في 1647. ومع هذا التطوّر المنهجي، ظلّ الهدف الدفاعي اللاهوتي المسيحي حاضرًا لدى معظم المستشرقين.

ولا يكتمل الحديث عن هذه الجذور دون الإشارة إلى المرحلة الأكاديمية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث ازدهرت الفيلولوجيا والدراسات التاريخية في أوروبا، وبدأ النظر إلى القرآن كنصّ تاريخي يُخضع للمناهج النقدية كما حدث مع الكتاب المقدّس. ويُعزى الفضل في تأسيس هذا التوجّه إلى نولدكه وغولدزيهر؛ اللذَيْن درسَا القرآن في إطار المقارنة الدينية والتاريخية. ولم يكن الاهتمام بالتراث الإسلامي لأهداف أدبية أو أكاديمية فقط، بل برزت الأهداف الاستعمارية والسياسية أيضًا؛ إِذْ ساعد فَهْمُ النصوص الإسلامية القوى الاستعماريةَ في إدارة الشعوب المسلمة، ويُعَدّ سنوك هرخرونيه -مهندس الاستعمار الهولندي في إندونيسيا- أبرز مثال على هذا النهج في القرن العشرين.

وبناءً على ما سبق، يظهر أنّ دوافع الاهتمام الاستشراقي بالدراسات الإسلامية والقرآنية كانت متعدّدة: اللاهوتية الجدلية للردّ على الإسلام، والمعرفية لدراسة لغات وثقافات الشرق، والاستعمارية للسيطرة على خيرات الشعوب الأجنبية. وفي النهاية، كانت السُّلطة هي المحرك الأساس للاستشراق، حيث تضافرت الدوافع الدينية والثقافية واللغوية لصالح الدافع السياسي والإستراتيجي، جاعلة المعرفة الاستشراقية خادمة للسلطة الاستعمارية.

س2: كيف وظَّف المستشرقون التقليديون المنهج التاريخي والفيلولوجي في قراءة النصّ القرآني؟ وهل يواصل المستشرقون الجُدد الاعتماد على مثل هذه المناهج أم أنهم استحدثوا أدوات نقدية بديلة؟

د/ التجاني بولعوالي:

قبل الإجابة عن هذا السؤال الوجيه، يقتضي المقام توضيح أحد المصطلحات المفتاحية الواردة فيه، وهو مصطلح الفيلولوجيا، الذي يُقدَّم في الدراسات العربية غالبًا بصورة مبهمة، وأحيانًا غير دقيقة. من الناحية الاشتقاقية (الإيتيمولوجية) ينحدر هذا المصطلح من الكلمة اليونانية القديمة فيلولوجيا philología التي تعني حرفيًّا (حبّ الكلمة). أمّا في الاصطلاح، فيشير إلى ذلك الحقل المعرفي الذي يُعنى بدراسة اللغة في ضوء نصوصها التاريخية المكتوبة أو المنقولة شفويًّا، بهدف الكشف عن تطوّر اللغة ورصد تاريخها عبر تحليل النصوص والوثائق القديمة. وهذا ما يجعل الفيلولوجيا عِلْمًا متداخلًا مع جُملة من التخصّصات مثل النقد الأدبي والتاريخ واللسانيات وعِلْم الاشتقاق، كما أشار إلى ذلك فرديناند دي سوسير في كتابه (محاضرات في اللسانيات العامة). ومن ثمّ، فهي تحمل أبعادًا متعددة: لغوية، تتعلّق بتحليل المفردات والتراكيب والقواعد؛ وتاريخية، عبر تتبّع تطوّر اللغة عبر العصور؛ ونصيّة، ترتبط بتحقيق النصوص القديمة ومقارنة المخطوطات؛ وثقافية، تتحدّد في فهم اللغة ضمن سياقاتها الحضارية والفكرية.

ومِن أبرز الإشكالات الاصطلاحية التي تعترض الباحث في مفهوم الفيلولوجيا، تداخله مع مصطلحات أخرى قريبة منه؛ ما يجعل بعض الباحثين والمترجمين لا يوفّقون في اختيار المعادل العربي المناسب. ويُشار هنا بخاصّة إلى مصطلحَي: علم اللغة وفقه اللغة. ولرفع هذا اللَّبْس، ينبغي القول أنّ عِلم اللغة هو المعادل لمصطلح اللسانيات Linguistics، التي تعني الدراسة العلمية للّغة بوصفها نسقًا قائمًا بذاته، وتركّز على خصائص اللّغة وأبعادها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والتداولية والتطبيقية. وتختلف اللسانيات عن الفيلولوجيا من حيث كون الأولى تدرس اللغة كبنية حيّة مستقلّة عن النصوص أو عن تاريخها، بينما تُعنى الفيلولوجيا أساسًا بالنصوص المكتوبة وتطوّرها التاريخي.

أمّا فقه اللغة، فيعني في التراث العربي معرفة اللغة في عُمقها؛ مفرداتها واشتقاقاتها واستعمالاتها وأساليبها وأسرارها. بينما في الاستعمال الأوروبي القديم كان قريبًا في معناه من الفيلولوجيا، أي: دراسة اللغات والنصوص القديمة مقارنةً وتحليلًا. ويلاحظ أن مصطلح فقه اللغة يُستعمل في الدراسات العربية المعاصرة أحيانًا كمعادل للفيلولوجيا، رغم الاختلافات الاشتقاقية والدلالية والمعرفية بينهما.

وقد نشأ مصطلح الفيلولوجيا تاريخيًّا لدراسة النصوص اليونانية واللاتينية القديمة، ثم توسّع مع الاستشراق ليشمل النصوص الساميّة (العِبرية، الآرامية، العربية). ومنذ القرن التاسع عشر ارتبط بالمنهج التاريخي- النقدي الذي طبّقه المستشرقون، لا سيّما الألمان، على النصوص المقدسة (التوراة، الإنجيل، القرآن).

وفي إطار هذا المنهج تعامَل روّاد الاستشراق، مثل نولدكه وغولدزيهر وبلاشير، مع القرآن بوصفه نصًّا تاريخيًّا نشأ في سياق القرن السابع الميلادي، نافِين صِلته بالوحي الإلهي، ومعتبرين محمدًا هو مؤلِّف النصّ. وسعوا إلى إعادة ترتيب السور والآيات وفق تسلسل زمني مفترض (مكّي/ مدني، مبكّر/ متأخّر)، متجاوزين الترتيب العثماني. ومن أمثلة ذلك التصنيف الزمني للنصوص القرآنية وربطها بمراحل السيرة النبوية، كما فعل نولدكه في كتابه: (تاريخ القرآن). وكان الهدف من هذا التصنيف فهم القرآن بوصفه نتاج تطوّر فكري وديني، شبيه بمسار تكوّن الكتاب المقدّس في الدراسات التوراتية.

وفي المقابل، استُخدمت المقاربة الفيلولوجية للكشف عن جذور الألفاظ القرآنية (عربية، آرامية، عِبرية، حبشية…)، ولإجراء مقارنات بين القرآن والنصوص السابقة؛ كالعهدَيْن القديم والجديد والشِّعْر الجاهلي. وتجدر الإشارة هنا إلى غولدزيهر الذي رأى أنّ بعض المفردات القرآنية مستعارة من المسيحية الشرقية أو اليهودية الحاخامية. ولم يكن الهدف من ذلك مجرّد التفسير اللغوي، بل إثبات أنّ القرآن لم يتكوّن في فراغ، بل كان حصيلة تفاعل ثقافي ولغوي مع محيطه.

أمّا في الدراسات الاستشراقية المعاصرة، فلا يزال المنهجان التاريخي والفيلولوجي حاضرَيْن؛ إِذْ يوظَّفان كآليتَيْن أساسيتَيْن لوضع النصّ القرآني في سياقه الثقافي واللغوي. ومن أبرز الأمثلة غابرييل سعيد رينولدز، الذي اعتمد المقارنة الفيلولوجية بين القرآن والكتاب المقدّس في كتابه: (القرآن وخلفيته الكتابية) (2010). ويمكن الإشارة أيضًا إلى نيكولاي سيناي الذي واصَل البحث في تاريخ النصّ وطبقاته في كتابه: (القرآن: مقدمة نقدية تاريخية) (2017). ومع ذلك، لم يقتصر المستشرقون الجُدد على هذين المنهجين، بل وسّعوا مقارباتهم من خلال أدوات جديدة؛ كالمقاربة الأدبية والهرمنيوطيقية عند أنجليكا نويفرت التي درست القرآن كنصّ أدبي حيّ ضمن أدب الشرق الأدنى المتأخر، والمقاربات السيميائية والبنيوية التي تنظر إلى القرآن كنظام رمزي متكامل، بالإضافة إلى المقاربة الأنثروبولوجية- السوسيولوجية، كما عند فريد دونر في كتابه: (محمد والمؤمنون).

وعلى هذا الأساس، يمكن القول أنّ المستشرقين التقليديين اعتمدوا أساسًا على المنهجين التاريخي والفيلولوجي لإثبات التأثيرات الخارجية على القرآن، سواء من النصوص الكتابية السابقة أو من الأدب الجاهلي، وإعادة بنائه زمنيًّا لفهمه بوصفه نتاج تطور فكري وديني. أمّا المستشرقون الجُدد، فلم يهملوا هذه المناهج، لكنهم أضافوا إليها مقاربات متعددة: نقدية، وأدبية، وهرمنيوطيقية، وسيميائية، وأنثروبولوجية. وهو ما يعني أن المنهج التاريخي والفيلولوجي لا يزال حاضرًا في الدراسات القرآنية الغربية المعاصرة، لكن ضمن منظومة أوسع وأكثر تنوعًا من المناهج.

س3: ما أوجه القصور المنهجي في المقاربات التاريخية والفيلولوجية من وجهة نظركم؟ وهل ثمة منهجية تراعي خصوصية النصّ القرآني دون الوقوع في فخّ التحيّز الثقافي؟

د/ التجاني بولعوالي:

إنّ الدراسات الاستشراقية عمومًا، والمقاربات الاستشراقية على اختلافها، سواء كانت تاريخية أو فيلولوجية أو غيرها، تنطلق في الغالب من خارج النصّ أو الظاهرة التي تدرسها. وأعتقدُ شخصيًّا أنّ هذا هو مكمن قصورها، ليس المنهجي فحسب، بل الإبستيمولوجي والثقافي أيضًا، وهو الأخطر. إِذْ كيف يمكن لمن يقف خارج النصّ أو الظاهرة أن يدرسها دراسة سليمة، وهو لا يدرك خفاياها وأبعادها الداخلية، ولا يحيط بظروفها وعواملها الحقيقية؟!

ولعلّ المثال الأوضح على ذلك اللغة العربية، التي تُعَدّ العتبة الأساس لولوج النصّ القرآني؛ فمن دون إتقانها دلالةً وتركيبًا ونحوًا وإعرابًا، وفهم مستوياتها النفسية والثقافية والاجتماعية، يستحيل على الباحث أن يفهم خطابها على الوجه الصحيح. وهنا يبرز السؤال: كم عدد المستشرقين القدامى والمعاصرين الذين اشتغلوا بالدراسات القرآنية وكانوا متمكّنين حقًّا من العربية؟ وهل كان جميع مَن درس القرآن من المستشرقين الغربيين على مستوى رفيع من إتقان العربية، ليس في النحو والمعجم فحسب، بل أيضًا في بلاغتها وإيحاءاتها الثقافية وخفاياها النفسية والدلالية؟ إنّ النظر إلى النصّ من الخارج أو عن بُعد لا يُمكّن الباحث إلا من رؤية بعض الجوانب الشكلية السطحية، وهذا ما حصل بالفعل مع كثير من المستشرقين الأكاديميين الذين انشغلوا بالدراسات العربية والإسلامية من دون أن يزوروا بلدًا عربيًّا، أو يتواصلوا باللسان العربي، أو يحتكُّوا بالواقع العربي. ومثال ذلك شيخ الاستشراق الألماني وأبو الدراسات القرآنية تيودور نولدكه، الذي لم يَزُر في حياته بلدًا عربيًّا أو إسلاميًّا، رغم أنّ تخصّصه الأكاديمي كان منصبًّا بالأساس على لغات هذه البلدان وتاريخها وكتبها المقدّسة.

من هنا، لا يمكن أن نتوقع من المستشرقين الذين تخصّصوا في القرآن الكريم دراسات موضوعية، وأكثرهم لم يُتقن العربية، وبعضهم لم يَزُر بلدًا عربيًّا قط، وآخرون لم يقضوا سوى فترة وجيزة في بلد عربي. بينما على النقيض من ذلك، يشترط في دراسة الكتاب المقدّس أن يتقن الباحثُ لغاته الأصلية؛ كالعِبرية والآرامية واليونانية.

ويُضاف إلى هذا القصور اللغوي والمعرفي قصور آخر يتمثّل في طريقة التعامل مع النصّ القرآني؛ إِذْ غالبًا ما يُختزل إلى مجرّد وثيقة تاريخية تُجرّد من أبعادها الإلهية والتعبدية والروحية، وتُعتبر حصيلة لسياقات تاريخية فقط. وهو ما يلغي الدور الديني والوظيفي للقرآن في حياة المسلمين، فلا يُنظر إليه بصفته وحيًا مؤسِّسًا، بل مجرد نصّ استشهادي لا أكثر. كما أنّ الاعتماد على المقارنات مع النصوص اليهودية والمسيحية (المدراش، التوراة، الأناجيل…) يؤدي إلى قراءة (من الخارج)، وكأنَّ القرآن مجرّد إعادة إنتاج لِما سبقه، دون اعتبار لقطيعته وتجديده. أمّا المقاربة الفيلولوجية فتنشغل بالكلمات وأصولها على حساب بنية النصّ الداخلية وترابطه البلاغي والدلالي الذي يتجاوز حدود المفردة.

وتجاوزًا لهذه المحدودية في المقاربة الفيلولوجية، برزَت في الغرب مناهج معاصرة متنوّعة في دراسة القرآن، منها المقاربة البنيوية الأدبية كما في أعمال أنجليكا نويفرت وميشيل كويبرس، حيث يُقرأ القرآن بوصفه خطابًا أدبيًّا متماسكًا ذا بنية سردية وشِعْرية خاصّة، لا مجرّد تجميع عشوائي للآيات. ومنها المقاربة التداولية التي تفهم النصّ في سياق التلقّي الأول (العصر النبوي) دون أن تختزله في كونه انعكاسًا لذلك السياق؛ إِذْ تنتبه إلى البُعد الخطابي: كيف يخاطب القرآن متلقّيه ويؤثر في وعيهم. وهناك أيضًا المقاربة التفسيرية المقارنة، التي تركز على التواشج الثقافي والديني (التوراة، الإنجيل، الأدب السامي) دون إنكار خصوصية القرآن، ويظهر ذلك في أعمال غابرييل سعيد رينولدز الذي يرى القرآن في حوار مع النصوص السابقة لا مجرّد نسخة عنها. فضلًا عن ذلك، ظهرت مقاربة عَبْر ثقافية تشجع على إشراك باحثين مسلمين وغربيين في مشاريع مشتركة لتفادي الرؤية الأُحادية.

ومع ذلك، تبقى معظم هذه المقاربات القرآنية الجديدة، رغم تجاوزها للمقاربات التقليدية الجدلية والفيلولوجية والتاريخية، قاصرة ما لم تتخلَّ عن تحيّزها المنهجي والثقافي في دراسة القرآن الكريم وفق ما هو مقرّر في المصادر الإسلامية الأصيلة. وهذا ما يرفضه غالبية المستشرقين المعاصرين، الذين لا يزالون ينظرون إلى القرآن إمّا كنصّ أدبي، أو كنتاج بشري للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو كاستنساخ للكتب السابقة. وهو ما ينزع عنه قداسته ومصدره الإلهي وإعجازه اللغوي والبياني والعلمي، ويحوّله إلى مجرّد وثيقة بشرية. لذا، فإنّ هذه المقاربات -على الرغم من تطورها المنهجي والتحليلي- تظلّ خارجية في جوهرها، تُجرّد القرآن من خصوصياته الإلهية والروحية والتعبدية والإعجازية والاجتماعية- الثقافية.

س4: ما أثر الاستشراق الجديد على الدارِسين للقرآن الكريم وعلومه من العرب والغربيين؟ وما أهمّ التحوّلات التي طرأت في تعاطي الاستشراق الجديد مع القرآن الكريم؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الحقيقة، تتنوّع آثار الاستشراق؛ قديمة وجديدة، على المشتغلين بالدراسات القرآنية من العرب والمسلمين ومن الغربيين. ويمكن التمييز في هذا الصدد بين ثلاثة مواقف رئيسة:

الموقف الأول: وهو الموقف الرافض أو المتحفِّظ إزاء ما يصدر عن المستشرقين من مقاربات ودراسات حول الإسلام والقرآن والحديث وغيرها. وغالبًا ما يتّخذ هذا الموقف طابعًا دفاعيًّا، حيث ينظر إلى الاستشراق الجديد بريبة ويضعه في خانة التشكيك؛ لكونه يطعن في الوحي القرآني ويرفض نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أدّى ذلك إلى التشبّث بالقراءات التقليدية دون الإفادة من منجزات البحث الاستشراقي والأكاديمي الغربي.

الموقف الثاني: وهو موقف وسطي نسبيًّا، ولا يقبل أصحابه الكثير من الرؤى والقراءات التي يقدّمها المستشرقون، غير أنهم ينفتحون على مناهج الاستشراق في مقاربة القرآن (التاريخية، السوسيولوجية، المقارنة بالنصوص الكتابية)، إمّا بتبنِّيها جزئيًّا أو باستثمارها بشكلٍ نقدي. ومن الأمثلة على ذلك محمد عابد الجابري في: (مدخل إلى القرآن الكريم)، ونصر حامد أبو زيد في: (مفهوم النصّ). ولا يمكن إدراج هؤلاء بالضرورة ضمن النّسق التقليدي؛ لأنهم مارسوا نقدًا مزدوجًا شمل التراث الإسلامي ذاته، بما فيه علوم القرآن والتفسير، إمّا من منطلق فلسفي إبستمولوجي أو هيرمينوطيقي أو تاريخي.

الموقف الثالث: ذو طابع توفيقي؛ حيث يوظِّف بعضُ الباحثين العرب والمسلمين مناهج حديثة مستلهمة من الاستشراق الجديد ومن الدراسات العربية والإسلامية في الغرب، لكن مع الحفاظ على خصوصية القرآن النصِّية والإيمانية والإعجازية. ومن الأمثلة على ذلك: عبد الله دراز في: (النبأ العظيم)، وطه عبد الرحمن في: (الفلسفة الائتمانية).

أمّا الباحثون الغربيون، فيمكن التمييز بينهم أيضًا؛ فبعضهم أحدث قطيعة شبه تامة مع الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية، وبعضهم احتفظ بجوانب منهجية منها (خاصة الفيلولوجية والنقد التاريخي)، وأضاف إليها أدوات جديدة، فيما لا يزال آخرون يجترُّون القراءات الاستشراقية التقليدية للقرآن، كما نجد عند بعض الاعتذاريين المسيحيين.

وعلى العموم، لا يمكن للباحث أن يَغفل عن التحوّلات المهمّة التي طرأت في تعاطي الاستشراق الجديد مع القرآن الكريم، والتي أثّرت بوضوح في المشتغلين الغربيين بالدراسات القرآنية، مِن طلبة وباحثين وأساتذة ومتخصّصين.

وأبرز هذه التحولات يتمثّل في الانتقال من الجدل إلى الحوار؛ إِذ تراجع الاستشراق الجديد عن نزعة التشكيك المطلق في الوحي القرآني، واتجه إلى قراءة القرآن باعتباره نصًّا أدبيًّا- ثقافيًّا جديرًا بالدراسة. أنجليكا نويفرت -على سبيل المثال لا الحصر- تصف القرآن بأنه نصّ محوري في ثقافة الشرق الأدنى المتأخّر، لا مجرد وثيقة تاريخية. كما لم نَعُد نجد الاستعمالات اللغوية المسيئة التي كانت حاضرة لدى كثير من المستشرقين القدامى، حيث كان يُقزَّم الإسلام ويُشْتَم القرآن ويُنْعَت النبي -صلى الله عليه وسلم- بأوصاف سلبية.

ثم إنّ الاستشراق الجديد ابتكر مناهج وأدوات بحثية متعدّدة، فأصبحنا اليوم أمام تعدّدية منهجية، إِنْ جاز التعبير؛ وأمام الما-بين التخصّصات والمنهجيات، حيث ظهرَت اتجاهات تستثمر النقد الأدبي، والسيميائيات، ونظريات التلقّي، إلى جانب المقاربات التاريخية والفيلولوجية الكلاسيكية.

ومِن التحوّلات البارزة أيضًا إطلاق مشاريع عالمية للدراسات القرآنية، جعلت القرآن يُدْرَس كجزء من التراث الإنساني المشترك، لا كموضوعِ جدل ديني فقط كما كان في السابق. هذه المشاريع تنفتح على مختلف التجارب البحثية حول العالم، وتستقطب المتخصّصين من شتى الخلفيات. ورغم ما يُوجَّه إليها من نقد، لا يمكن إغفال جوانبها الإيجابية، مثل: الارتقاء بالخطاب القرآني إلى مستوى كوني، والاعتراف بقيمته، وحِفْظ المخطوطات القرآنية، وترجمته إلى لغات العالم.

وفي المحصلة، يمكن القول أنّ الاستشراق الجديد ترك أثرًا مزدوجًا، فقد فتح أمام العرب والمسلمين آفاقًا جديدة للبحث، لكنه دفع بعضهم أيضًا إلى ردود فعل دفاعية، فيما جعل الغربيين أكثر انفتاحًا على القرآن باعتباره تراثًا إنسانيًّا عالميًّا.

س5: هل يمكن الحديث عن تنميط في طرق التناول أو إنتاج خطابات تفسيرية متشابهة رغم اختلاف الخلفيات؟

د/ التجاني بولعوالي:

في السؤال السابق، تبيّن أنّ الاستشراق الجديد أحدث تحوّلًا نوعيًّا في ميدان الدراسات القرآنية مقارنة بالاستشراق التقليدي. فبينما ركّز المستشرقون الكلاسيكيون مثل نولدكه وغولدزيهر على إعادة بناء تاريخ النصّ القرآني اعتمادًا على المنهج الفيلولوجي والنقد التاريخي، اتجهت المقاربات الحديثة نحو توسيع دائرة المناهج، مستعينة بأدوات النقد الأدبي، والدراسات السيميائية، والأنثروبولوجيا. هذا التحوّل انعكس بشكلٍ واضح على كلٍّ من الباحثين العرب والغربيين في مقاربتهم للنصّ القرآني وعلومه، غير أنّ هذه التطوّرات لا تخلو من آفة التنميط، التي تكاد تتجلّى في معظم ما كتبه المستشرقون المعاصرون المتخصّصون في الدراسات القرآنية، كما انعكس ذلك على بعض الدارِسين العرب والمسلمين الذين تبنّوا الخطاب الاستشراقي، ومِن أبرزهم محمد أركون في قراءته الجديدة للقرآن.

ويتجلّى هذا التنميط على مستويين رئيسين؛ أوّلهما: اعتبار القرآن محكومًا بالضرورة بالسياق التاريخي والثقافي للقرنين السادس والسابع الميلاديين، بحيث لا يُنظر إليه كظاهرة مستقلّة أو فريدة. وثانيهما: المقارنة المتكرّرة بين القرآن والنصوص السابقة، سواء كانت يهودية أو مسيحية أو سريانية، باعتباره امتدادًا أو إعادة إنتاج لها.

وعلى الرغم من تفاوت الخلفيات الفكرية للمستشرقين المعاصرين، سواء كانت لاهوتية، علمانية أو إصلاحية، يظلّ الإنتاج العلمي متشابهًا في اعتماده على أدوات محدّدة، تشمل النقد التاريخي، والتحليل الأدبي، والمقارنة النصِّية. وهكذا، فإنّ التحوّل المنهجي في الاستشراق الجديد لم يُنقِذ الدراسات القرآنية من الوقوع في نوع من الانغلاق المنهجي والمعرفي، يكرّس رؤية محدودة للنصّ القرآني ويحدّ من إدراك خصوصياته الفريدة.

س6: إلى أيّ مدى يمكن اعتبار كتاب تيودور نولدكه (تاريخ القرآن) عملًا تأسيسيًّا في حقل الدراسات القرآنية الغربية الحديثة؟ ثم كيف أثّر هذا الإطار المنهجي على الأجيال اللاحقة من المستشرقين والباحثين الغربيين والعرب في حقل الدراسات القرآنية، خاصّة فيما يتصل بمسائل التوثيق، والترتيب الزمني للسور، وتحليل السياقات التاريخية للنصّ؟

د/ التجاني بولعوالي:

عندما أنهيتُ قراءة كتاب (تاريخ القرآن) بأجزائه الثلاثة لتيودور نولدكه وتلامذته، لم أجد أفضل من المثل العربي المشهور: تمخّض الجبلُ فوَلَد فأرًا. أبدأُ أوّلًا بتقديم فقرة تعريفية بهذا المشروع المبكّر في الدراسات الاستشراقية القرآنية، ثم أوضح موقفي النقدي من هذا العمل.

استغرق إنجاز هذا المؤلَّف ثمانية عقود؛ إِذْ قدّمه نولدكه أوّلًا كأطروحة دكتوراه سنة 1865، بعد أن وضع نواته عام 1860، وقد حاز به جائزة مجمع الكتابات والآداب بباريس تحت عنوان: (أصل وتركيب سور القرآن). ثم أعاد صياغته بعنوان آخر هو: (تاريخ النصّ القرآني). وقد تناول فيه قضايا نشأة النصّ القرآني وجَمْعه وروايته، إضافة إلى البحث في التسلسل التاريخي للسور مع اقتراح ترتيب مغاير للترتيب المتعارف عليه. ومع تقدّم العمر شَعر نولدكه بالعجز عن إتمام الكتاب، ففوّض تلميذه فريدريش شفالي بمراجعته. غير أنّ الأخير لم ينجز سوى مقدّمة لِما كتبه أستاذه، وانصرف إلى إعداد الجزء الثاني الخاصّ بجمع القرآن، غير أنّ وفاته في 1919 حالت دون نَشْره. فتابع أوغوست فيشر العمل وأجرى بعض التصحيحات، ثم انتقلت المهمّة إلى غوتهلف برغشترسرن الذي توفي سنة 1934 قبل إتمام الجزء الثالث، ليكمله تلميذه أوتو بريتسل سنة 1937. وهكذا خرج الكتاب إلى النور بعد مسار طويل امتد عبر ثلاثة أجيال من المستشرقين الألمان.

ويتّضح من ذلك أنّ القرآن أرهق نولدكه وتلامذته وتلامذة تلامذته؛ إِذْ تتابعوا على تأليف هذا المشروع طوال ثمانية عقود، ومات الواحد منهم تلو الآخر دون استكماله. ورغم ذلك، اعتُبر الكتاب مرجعًا أساسيًّا ورائدًا لدى المستشرقين، مع أنه لم يأتِ بجديد؛ إِذْ لم يتجاوز تجميع ما دوّنه علماء المسلمين في علوم القرآن، مع بعض الإضافات النقدية، أهمها اقتراح ترتيب جديد للسور. وسأكتفي هنا بثلاث قضايا مثيرة للجدل انتقد فيها نولدكه القرآن، رغم أن المصادر الإسلامية قد حسمتها منذ قرون.

تتمثل المسألة الأولى في تشكيكه بحقيقة القرآن؛ إِذ اعتبره نصًّا غير مكتمل، اختلط فيه الوحي بالحديث العادي والقدسي، وزعم أنّ المسلمين الأوائل لم يكونوا يميزون بدقة بين القرآن والأحاديث القدسية والأقوال العادية. أمّا الثانية فترتبط بالقصص القرآني؛ إذ ذهب إلى أنّ المواضع التي تصف الإسلام بأنه دين إبراهيم تعود للفترة المدنية، وأنّ محمدًا عندما خاب أمله في اعتراف أهل الكتاب به تشبّث بدين إبراهيم ذي المكانة الرفيعة لديهم، وأسقط الأسلوب التوراتي على القصص القرآني. في حين تكمن الثالثة في الحروف المقطعة التي سمّاها (المبهمة)، ورأى أنها ليست سوى علامات ملكية لنُسَخٍ قديمة استُخدمت في أول جمع للقرآن على يد زيد بن ثابت، فتحوّلت لاحقًا إلى جزء من النصّ بسبب الإهمال، بل وزعم أنها قد تشير إلى أسماء أشخاص، مثل: ألر للزبير، والمر للمغيرة، وطه لطلحة، وحم ون لعبد الرحمن.

وأرى أن نولدكه لو كان قد تضلّع في اللغة العربية وتعمّق في علوم القرآن، لَما وقع في مثل هذه التفسيرات التي لا تختلف عن أطروحات الاستشراق القديم ذات الطابع التبشيري. وحتى في تقسيمه التاريخي للقرآن إلى أربع مراحل، لم يقدّم جديدًا؛ فكما يشير الباحث أمجد الجنابي، فإنّ هذا التصنيف يرجع في أصله إلى أبي القاسم محمد بن حبيب النيسابوري في كتابه: (التنبيه إلى فضل علوم القرآن)، حيث صنّف مراحل النزول إلى ثلاثٍ بمكة وواحدة بالمدينة، وجاء فيه: «مِن أشرف علوم القرآن عِلْم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداءً، ووسطًا، وانتهاءً، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك». وقد نقله المستشرق فايل، ثم أخذه عنه نولدكه واشتهر به دون أيّ إشارة إلى مصدره الأصل.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار الأثر الكبير لكتاب نولدكه في الدراسات القرآنية، سواء على الاستشراق الغربي اللاحق أو على الفكر العربي المعاصر؛ فقد أسهم في تكريس النظر إلى القرآن كنصّ تاريخي قابل للدراسة النقدية على غرار النصوص الأدبية القديمة، ورسّخ فكرة نزوله في مراحل متعاقبة، ما جعل الباحثين الغربيين يتعاملون معه تعاملًا تحليليًّا ينزع عنه صفة القداسة. أمّا في الساحة العربية، فقد دفع كثيرًا من الباحثين إلى الانخراط في المناهج التاريخية النقدية، إمّا رفضًا أو استيعابًا، وأسهم بصورة غير مباشرة في تحفيز مشاريع تفسيرية حديثة تراعي البُعد التاريخي والسياقي.

س7: إلى أين وصل اليوم الاشتغال بالقرآن الكريم في الاستشراق المعاصر؟ هل ثمة نماذج معينة من المستشرقين الجدد تواصل الطريق الذي خطّه المستشرقون القدامى في الدراسات القرآنية؟

د/ التجاني بولعوالي:

يظلّ الاستشراق الجديد وفيًّا لمجموعة من المنطلقات الإبستيمولوجية والمنهجية التي أرساها المستشرقون القدامى، رغم الإضافات التي جاء بها المستشرقون المعاصرون الذين اشتغلوا بالقرآن الكريم. ويتجلّى هذا التأثر في أدوات النقد التاريخي والمقاربة الفيلولوجية التي تظلّ حاضرة في أغلب الدراسات الاستشراقية المعاصرة، غير أن هذا التأثّر تتفاوت درجاته من تيار إلى آخر ومن مستشرق إلى آخر. ولا يمكن استيعاب هذا السؤال إلا من خلال استبانة خارطة التوجّهات الغربية المعاصرة في دراسة القرآن.

ويتحدّد أوّل هذه التوجّهات في النقد التاريخي والتطوري، الذي يمثّله باحثون مثل فريد دونر وأندرو ريبين، حيث يواصلان دراسة النصّ القرآني في سياق التاريخ الإسلامي المبكِّر، محاولين فهم تطوّر النصوص الدينية والتقاليد الشفوية في جزيرة العرب. وهذه المقاربة تحافظ على جوهر المنهج التاريخي التقليدي، لكنها أكثر مرونة في تقييم المصادر والاحتمالات.

أمّا التوجّه الثاني فيتمثّل في المنهج الأدبي والهرمنيوطيقي، الذي يمثّله باحثون مثل أنجليكا نويفرت وجبريل سعيد رينولد؛ إِذْ يركّزان على النصّ القرآني باعتباره نصًّا أدبيًّا وتعبديًّا في آنٍ واحد، مع دراسة بنيته الداخلية وسياقاته الثقافية واللسانية في أواخر العصور القديمة. وتجاوزت هذه المقاربة الاكتفاء بالمقارنة الفيلولوجية مع النصوص الساميّة الأخرى.

ثم تأتي المقاربات الرقمية والاعتماد على البيانات الضخمة، كما تمثّلها المشاريع القرآنية في الغرب مثل: كوربوس كورانيكوم، والدراسات القرآنية الرقمية عن بُعد، حيث تُحلَّل نصوص القرآن بوسائل رقمية تسمح برصد أنماط التكرار، والتشابهات بين الآيات، والارتباطات مع مصادر أخرى بطريقة منهجية دقيقة.

وإلى جانب ذلك، تجدر الإشارة إلى استمرار بعض المسارات التقليدية لدى بعض المستشرقين الجدد، مثل: التحليل التاريخي والفيلولوجي عند هارالد موتسكي ومايكل كوك.

وبناء على ما سبق، يمكن القول أنّ الدراسات الاستشراقية القرآنية الجديدة تمزج بين إرث المستشرقين القدامى والمنهجيات الحديثة؛ فمِن جهةٍ هناك استمرار للمنهج التاريخي والفيلولوجي، ومن جهةٍ أخرى هناك تطويرات تقوم على الأدب المقارن، والنقد الأدبي، والتحليل الرقمي، والدراسات الثقافية.

س8: ماذا عن المشاريع الأوروبية والغربية المعاصرة الخاصة بالدراسات القرآنية، مثل الكوربس كورانيكوم والقرآن العالمي، وغير ذلك؟

د/ التجاني بولعوالي:

عادةً ما كان البحث الأكاديمي العربي يركّز على الإسهام الفردي للمستشرقين الذين اشتغلوا بالإسلام عامة وبالقرآن الكريم خاصة؛ لذلك نجد أن بعضهم، ولا سيّما مَن حظي بترجمة أعماله إلى اللغة العربية، أصبحوا مشهورين لدى الباحثين العرب، مثل: كارل بروكلمان، وجوستاف لوبون، ومكسيم رودنسون، وتيودور نولدكه، ورينهارت دوزي، وغيرهم. غير أنّ الاستشراق الجديد لم يَعُد يعتمد فقط على الإسهامات الفردية، بل ظهرت مراكز متخصّصة وأُطلقت مشاريع أوروبية وغربية في الدراسات القرآنية تضم عشرات الباحثين، وتمثّل اتجاهًا بحثيًّا متطورًا يجمع بين النقد التاريخي والتحليل الأدبي والثقافي، وغالبًا ما يوظف أدوات رقمية ومقاربات متعدّدة التخصصات.

ومن أبرز هذه المشاريع Corpus Coranicum، الذي أطلقته أكاديمية برلين-براندنبورغ للعلوم تحت إشراف المستشرقة الألمانية أنجليكا نويفرت. يهدف المشروع إلى دراسة النصّ القرآني في سياقه التاريخي والأدبي ضمن فضاء الشرق الأدنى في أواخر العصور القديمة، وربطه بالمصادر اليهودية والمسيحية والنصوص الساميّة الأخرى. كما يسعى إلى تقديم إصدار نقدي رقمي متكامل للقرآن، مرفق بالهوامش والشروحات التاريخية. وتعتمد منهجيته على التحليل التاريخي واللغوي والنصِّي والرقمي، مع تركيز خاصّ على النقد النصِّي والمقارنة بين المصادر. وقد أثمر المشروع عن قاعدة بيانات علمية شاملة تجمع بين النصّ القرآني والمخطوطات المبكّرة، بما يتيح تتبّع التأثيرات الثقافية والدينية في تشكّل النصّ.

أمّا مشروع IQSA – International Qur’anic Studies Association (القرآن العالمي)، الذي تأسّس سنة 2012، فيمثل إطارًا دوليًّا يجمع باحثين مسلمين وغربيين متخصِّصين في الدراسات القرآنية. يهدف المشروع إلى تعزيز الطابع التعدّدي والمقارن في دراسة القرآن، وتطوير أُطر علمية جديدة لفهمه من منظور تاريخي وأدبي وثقافي. كما ينشر أبحاثًا متخصصة عبر مجلّته العلمية JIQSA، معتمدًا على الدمج بين النقد التاريخي، الأدب المقارن، الدراسات اللغوية والرقمية، فضلًا عن تحليل النصوص في سياقاتها الثقافية المتنوعة.

وإلى جانب هذين المشروعَيْن، هناك مبادرات أخرى بارزة، مثل: Bibliotheca Coranica في فرنسا، التي تسعى إلى تجميع الدراسات القرآنية القديمة والحديثة وربطها في منصة رقمية، وكذلك سلسلة Qur’anic Studies Series الصادرة عن دار أكسفورد للنشر، والتي تغطي مختلف مجالات النقد التاريخي والتحليل الأدبي للقرآن. ومشروع القرآن الأوروبي EuQu، الذي اشتغل بالكتاب المقدّس الإسلامي في الثقافة والدِّين الأوروبيين ما بين 1150 و1850، وهو عبارة عن سلسلة كتب محكمة. ويُحلل القرآن الأوروبي الدور المهمّ الذي أدّاه القرآن في تشكيل التنوّع والهوية الدينية الأوروبية في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، وهو دور متأصّل بعمق في الفكر السياسي والديني لأوروبا، وجزء من التراث الفكري.

ويضاف إلى ذلك مشروع GloQur، المموَّل من قِبَل مجلس البحوث الأوروبي (ERC) وتحتضنه جامعة فرايبورغ في ألمانيا بإشراف المستشرقة جوهانا بينك. ويهتمّ هذا المشروع بترجمات القرآن الكريم باعتبارها وسيلة مركزية لفهم المسلمين لدينهم في العصر الحديث. ويركز على الأبعاد التاريخية والتفسيرية والاجتماعية والسياسية للترجمة، وظروف إنتاجها واستخدامها محليًّا وعالميًّا. كما يدرس دور المؤسّسات الرسمية والحركات العابرة للحدود، وتأثير اللغات الأوروبية والإسلامية الكبرى، ويسعى لرسم خريطة للتفاعل بين التراث التفسيري القرآني والبيئات اللغوية المتنوعة في ظلّ العولمة والوسائط الجديدة. وقد سبق لي أن شاركتُ فيه العام الماضي (2024) بمحاضرة حول الترجمات الهولندية المبكّرة للقرآن الكريم في القرن السابع عشر.

ورغم ما يُوجَّه إلى هذه المشاريع القرآنية العالمية مِن نقد، لا يمكن إغفال جوانبها الإيجابية؛ فهي تنطبع في مجملها بسمات مشتركة، أبرزها التعامل مع القرآن باعتباره نصًّا متعدّد الأبعاد؛ تاريخيًّا، لغويًّا، أدبيًّا، ثقافيًّا ودينيًّا. كما تعتمد على المنهجيات الرقمية وقواعد البيانات الضخمة لفهم النصوص، وتمزج بين البحث الغربي التقليدي القائم على الفيلولوجيا والنقد التاريخي وبين المناهج الحديثة في الدراسات الأدبية والاجتماعية والثقافية. وإلى جانب ذلك، تعزّز هذه المشاريع التعاون العلمي بين الباحثين المسلمين والغربيين، بما يفتح آفاقًا جديدة لتجاوُز التحيّزات الثقافية والمنهجية في مقاربة القرآن وعلومه. بالإضافة إلى حِفْظ المخطوطات القرآنية، وترجمته إلى لغات العالم، والارتقاء بالخطاب القرآني إلى المستوى الكوني.

_____________________

*المصدر: “مركز تفسير الدراسات القرآنية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى