
دراسات وبحوث معمقة
الذكاء الاصطناعي أم الغباء البشري ؟ (١ من ٥)
الذكاء الاصطناعي أم الغباء البشري ؟ (١ من ٥)
– نحو وعي علمي معرفي يستفيد من التقنية ولا يخضع لها –
الجزء الأول: من حضارة ما بعد الإنسان إلى وهم ذكاء الآلة
مقدمة:
لم يأتِ اهتمامي بالذكاء الاصطناعي من موجته الإعلامية الأخيرة، ولا من الانبهار الذي رافق ظهوره المفاجئ في حياة الناس اليومية. هذا الاهتمام أقدم بكثير، ويعود إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حين قرأت كتاب «حضارة ما بعد الإنسان» لصديقي الأستاذ Medhat Mahfouz، وهو واحد من الكتب الرائدة والمثيرة التي كُتبت في زمن لم تكن فيه الخوارزميات تحاور البشر، ولا الآلات تكتب المقالات، ولا البرامج تقترح الأفكار أو تحاكي النقاشات الفكرية.
يومها بدت الأسئلة التي طرحها ذلك الكتاب أقرب إلى الاستشراف الفلسفي أو الخيال العلمي: ماذا لو تجاوزت الآلة الإنسان؟ ماذا لو تحولت التقنية من أداة إلى قوة مستقلة؟ وماذا لو فقد الإنسان مركزه في الحضارة التي
صنعها بنفسه؟
الواقع اليوم:
مرت أكثر من خمسة وثلاثين سنة منذ قرأت ذلك الكتاب، ولم يعد أيٌّ من تلك الأسئلة افتراضيًا. فنحن اليوم لا نعيش نبوءة أدبية أو خيالًا علميًا، بل واقعًا ملموسًا انفجرت فيه ثورة الذكاء الاصطناعي بسرعة أربكت الجميع، ووضعت الناس أمام أدوات قادرة على الكتابة والتحليل والتلخيص والإقناع، بل والمشاركة في تشكيل الرأي العام، دون أن تمتلك وعيًا أو فهمًا أو مسؤولية. هنا بالتحديد يبدأ سوء الفهم الكبير.
إن المشكلة الأساسية في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي ليست في قوته، ولا في سرعته، ولا حتى في تأثيره المتزايد، وإمكانية أن يحل محل البشر، بل في الفكرة التي تسللت بهدوء إلى الوعي العام: الاعتقاد بأن هذه الأنظمة «تفهم»، أو أنها أنظمة ذكية.
هذا الوهم هو أخطر ما في المشهد كله. فالإنسان حين يقول إن شخصًا ما يفهم، فهو يفترض وجود إدراك للمعنى، وربطًا بين الأسباب والنتائج، وقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ومعرفة بالحدود، ووعيًا بالمسؤولية. أما الذكاء الاصطناعي فهو لا يمتلك أيًّا من ذلك.
ذكاء اصطناعي أم نموذج لغوي:
إن الذكاء الاصطناعي لا يفهم ما يقول، ولا يعرف إن كانت إجابته صحيحة أو خاطئة، ولا يدرك التناقض حين يقع فيه، على الأقل في النسخ الحالية منه، حتى المدفوعة منها. كما أن تسميته بالذكاء، وإن كان اصطناعيًا، فيها مبالغة كبيرة.
إن أنظمة مثل شات جي بي تي، وغيميني، وديب سيك، لا تبحث عن الحقيقة، ولا تسعى إليها، بل تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا، هي إنتاج لغة تبدو مناسبة لسياق السؤال. من هنا قد يكون من الأفضل تسمية هذه الأنظمة باسمها العلمي، وهو «النماذج اللغوية». والنموذج اللغوي هو نظام إحصائي متقدم يتوقع الكلمة التالية اعتمادًا على أنماط لغوية تعلّمها من كمٍّ هائل من النصوص.
إن الفرق بين الفهم الحقيقي وهذا السلوك الحسابي فرق جوهري، لكنه يُطمس بسهولة بسبب جودة اللغة. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة، لأن البشر اعتادوا عبر تاريخ طويل أن يربطوا بين الطلاقة اللغوية والمعرفة. فعند معظم الناس، يظهر الإنسان الذي يتكلم بثقة وينظم أفكاره جيدًا كأنه يفهم ما يقول.
هذا الافتراض كان معقولًا حين كانت اللغة تعبيرًا عن عقل بشري واعٍ، لكنه لم يعد صالحًا في عصر تنتج فيه الآلة لغة متقنة دون أي فهم خلفها.
إن الذكاء الاصطناعي، أو النموذج اللغوي، كسر العلاقة القديمة بين جودة الصياغة وعمق المعرفة، ومع ذلك ما زلنا نتعامل مع النصوص التي تنتجها هذه الخوارزميات وكأنها صادرة عن عقل يفهم.
أين يكمن الخطر:
لا يكمن الخطر المعرفي الحقيقي في أن النموذج اللغوي يخطئ — فالإنسان يخطئ أيضًا — بل في أن الخطأ يأتي في ثوب لغة واثقة، متماسكة، ومحايدة النبرة، بلا أي إشارات إلى الشك أو حدود المعرفة. إن الإنسان حين يخطئ، قد يتردد، وقد يعترف بعدم اليقين، وقد يصحح نفسه. أما النموذج اللغوي فلا يعرف أنه لا يعرف. وحين لا يجد معلومة واضحة، لا يتوقف، بل يملأ الفراغ لغويًا، منتجًا ما يبدو إجابة، بينما هو في الواقع مجرد تركيب جُمَل.
إن الخطر إذن ليس تقنيًا بقدر ما هو معرفي، فالمشكلة لا تكمن في النماذج اللغوية ذاتها، على علّاتها التي سنتعرض لها لاحقًا، بل في الطريقة التي يستقبلها بها العقل البشري. ذلك أنه حين يتوقف الإنسان عن السؤال، وحين يستبدل التحقق بالاقتباسات، وحين يخلط بين الإقناع والحقيقة، تتحول الأداة اللغوية من وسيلة مساعدة إلى سلطة غير مرئية. عند هذه النقطة لا نكون أمام ذكاء اصطناعي خطير، بل أمام غباء بشري يتنازل طوعًا عن دوره النقدي.
ما سبب هذه المقالات:
هذه المقالات لا تنطلق من موقف عدائي تجاه التقنية، ولا من خوف رومانسي على المستقبل، كما نراه في بعض أفلام الخيال العلمي، بل على العكس، من حرص حقيقي على العلم والمعرفة وإنتاجهما، ومن مراقبة دقيقة للتجهيل الذي يقوم به استخدام النماذج اللغوية في واقعنا السوداني وفي عالمنا الثالث.
ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة هائلة للتقدم، خصوصًا في مجتمعات تحتاج إلى المعرفة والتنظيم والتخطيط. لكن الاستفادة منه مشروطة بوعي علمي معرفي واضح يضع هذه الأدوات في حجمها الحقيقي، لأنها في الوقت الحالي قوية لكنها عمياء؛ مفيدة لكنها لا تفهم؛ وسريعة لكنها لا تتحمل أي مسؤولية.
من هنا تنطلق هذه السلسلة، لا لتخويف الناس من الذكاء الاصطناعي، بل لتحذيرهم من وهم أنها ذكية، وإن إجاباتها صحيحة، ومن الانبهار باللغة، ومن التخلي السهل عن العقل النقدي. لأن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس هو ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله، بل ماذا سنفعل نحن بعقولنا في عصر أصبحت فيه اللغة سهلة، والإقناع رخيصًا، والحقيقة أكثر هشاشة من أي وقت مضى؟
عادل عبد العاطي
٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥م



