دراسات وبحوث معمقة

النُّهُج الشائعة في الذكاء الاصطناعي

تأمُّلات نظريَّة استنادًا إلى الحكمة المتعالية

النُّهُج الشائعة في الذكاء الاصطناعي
تأمُّلات نظريَّة استنادًا إلى الحكمة المتعالية
__________
مهدي همازاده
باحث في مركز بحوث الدراسات الإسلاميَّة- جامعة باقر العلوم – إيران.
________________________
ملخَّص إجماليّ
تقصد هذه المقالة دراسة النُّهُج الرئيسة في الذكاء الاصطناعيِّ من منظور الدراسات التخصُّصيَّة الأساسيَّة. ولهذا الغرض، وبعد ذكر تاريخٍ موجز عن مسار تشكُّله وأهدافه، تشرح مقاربتين أساسيَّتين في عمليَّات بنائه، واحدة كلاسيكيَّة والأخرى حديثة. هذا مع الإشارة إلى أنّ المقاربة الحديثة تشتمل بدورها على استراتيجيَّتين محوريَّتين هما الترابطيَّة والتجسُّد.
يوضح الباحث ماهيَّة كلِّ واحدة من هاتين المقاربتين، ويبيِّن سبب قصورها من منظور الظهور وبناء الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ، وهو أمر يختلف عن الجوانب الوظيفيَّة والنجاحات التطبيقيَّة. وفي السياق إيَّاه، يشير إلى بعض الإشكالات الفلسفيَّة المهمَّة، ويخلص إلى تقديم مقترح يستند إلى الحكمة المتعالية، ويتوافق مع بعض الرُّؤى المعاصرة في العلوم المعرفيَّة، يحيث يتوقَّع من خلال هذا المقترح إمكان بناء وعي ظاهريٍّ – على الأقلِّ في بعض جوانبه – بشكل معقول.
والسؤال المطروح: مع كلِّ هذه التحدِّيات والإنجازات، هل ثمَّة من أفقٍ واعدٍ لبناء كائنات شبيهة بالإنسان، أو لإيجاد أيِّ وعي اصطناعيٍّ بالمعنى الكامل؟ وإذا وُجد مثل هذا الأفق، فما هو موقع الأسُس الفكريَّة الأصيلة والمفكِّرين الإسلاميين فيه؟
مفردات مفتاحيَّة: الذكاء الاصطناعيُّ القويّ – الوعي الظاهريّ – الترابطيَّة – التجسُّد – المنهج الحسابيّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*العنوان الأصليّ للمقالة بالُّلغة الفارسيَّة: “رویکردهای رایج در هوش مصنوعی از رهگذر تأملات نظری”.
*تعريب ومراجعة: فريق الترجمة والتحرير.
_______________________________________
تمهيد
أخذ الذكاء الاصطناعيُّ سبيله بصورة جدِّية مع الحرب العالميَّة الثانية، وتداعياتها الَّلاحقة. وهو يشمل في أيامنا هذه مجالات فرعيَّة شديدة التنوُّع؛ بدءًا من الموضوعات العامَّة (مثل التعلّم والإدراك الحسّيّ)، وصولًا إلى الموضوعات الأكثر تخصُّصًا (مثل قيادة المركبات في الشوارع المزدحمة، وتشخيص الأمراض، وغيرها). غير أنَّ مصطلح «الذكاء» في عنوان هذا الحقل البحثيِّ قد يكون مضلّلًا؛ إذ عندما نستعمله في وصف البشر فإنَّما نعني إنجازاتهم العقليَّة المبدعة وطاقاتهم الفذّة، لكنَّ أكثر مسائل الذكاء الاصطناعيِّ إثارة هي تلك التي تدور حول محاولة محاكاة القدرات الذهنيَّة لدى الناس العاديين (مثل الرؤية والُّلغة الطبيعيَّة). فالأشخاص العاديون يرون أنَّ أعمالًا مثل النظر والكلام سهلة ولا يولونها أهميَّة كبيرة؛ لكن في المقابل، يجدون أنَّ مهامَّ كضرب الأعداد ذات العشر مراتب صعبة. غير أنَّ استخدام الحواسيب في دراسة القدرات العقليَّة أو إعادة بناء الأعمال الإنسانية البسيطة، مثل الرؤية والتخاطب، على خلاف العمليَّات الرياضيَّة المعقدة، تمثِّل تحدّيًا كبيرًا داخل الحواسيب.
وُلد مصطلح «الذكاء الاصطناعيُّ» تحديدًا عام 1956 في خلال أعمال المؤتمر الصيفيِّ بكليَّة “دارتموث” الأميركيَّة. لكنَّ الميدان العلميَّ كان قد تحدّد عمليًّا قبل ذلك. ولعلّ رؤية آلان تورينغ هي الأشدُّ تأثيرًا وشهرةً في هذا المجال؛ فقد أبرز أوجُه الشبه بين العمليَّة الحسابيَّة والتفكير الإنسانيِّ، وجمع بين أسُس نظريَّة كبيرة للحوسبة مع اختراع أول حاسوب عامل، ممَّا مهَّد لأولى المحاولات في استخدام هذه التقنيَّة الجديدة لمحاكاة الذكاء. وفي العام 1947 قدَّم سلسلة محاضرات حول هذا الموضوع، وبلور عام 1950 في مقالته «الحوسبة والآلات والذكاء» تفسيرًا مهمًّا وبرنامج عمل لنصف قرن من بحوث الحواسيب المتقدِّمة: الَّلعب، اتِّخاذ القرار، الُّلغة الطبيعيَّة، الفهم، الترجمة، إثبات النظريَّات، التشفير وفكّه. وطرح في المقالة أيضًا اختبار تورينغ، والتعلُّم الآليّ، والخوارزميَّات الجينيَّة، والتعلّم المعزّز، معتبرًا أنَّ السؤال «هل تستطيع الآلة أن تفكّر؟» يجب أن يُستبدل بالسؤال: «هل يمكن للآلة أن تُظهر تمايزًا لغويًّا لا يمكن تمييزه عن الإنسان؟” .
يقوم اختبار تورينغ، بصورته المعياريَّة، على وجود إنسان وحاسوب في غرفتين منفصلتين مغلقتين، بينما يوجد قاضٍ يطرح أسئلة عبر البريد الإلكترونيِّ (أو الفاكس) من دون أن يعرف من يوجد منهما في أيِّ غرفة. فإذا عجز هذا القاضي عن تحديد أيٍّ من المجيبين بنسبة أفضل من 50 بالمئة الإنسان أو الآلة، اعتُبر أنّ الحاسوب اجتاز الاختبار، أي أنَّه حقَّق الَّلاميزانيَّة اللغويَّة.
لقد ظلَّ اختبار تورينغ في صميم دراسات الذكاء الاصطناعيِّ ونقاشاته الأساسيَّة. ومع أنّه من زاوية فلسفيَّة – لا مقال تورينغ عام 1950 ولا مؤتمر دارتموث عام 1956 – كانا قريبين فعليًّا من «بداية» الذكاء الاصطناعيِّ، فلم يتردَّد الباحثون في هذا المجال منذ البداية في تقديم تنبُّؤات عن إنجازاته المقبلة. على سبيل المثال، يصرِّح هربرت سايمون عام 1957 ويقول: «لا أريد أن أدهشكم، لكن ببساطة يمكنني القول أنّ هناك اليوم في العالم آلات تفكِّر، وتتعلَّم، وتخلق. بل إنَّ قدراتها على القيام بذلك في ازدياد، حتى أنَّه في المستقبل القريب ستصبح المسائل التي تديرها هذه الآلات مساوية في مداها للمسائل التي يديرها العقل البشريّ». والواقع أنَّ ثقة سايمون هذه استندت إلى نجاحات أوَّليَّة في مسائل بسيطة، لكنَّ غالبية هذه النظم كانت مُنيت بالفشل لدى مواجهة قضايا أوسع وأعقد .
مع مرور الوقت، وُجِّهت انتقادات واسعة إلى البرامج الأولى، خصوصًا لعدم قدرتها على التفاعل بذكاء في بيئات متنوِّعة. أبرز المنتقدين الفيلسوف الوجوديُّ هوبرت دريفوس، الذي رأى أنَّ الآلات لن ترقى أبدًا إلى مستوى المهارة الإنسانيَّة. وقد أظهرت الفجوة بين التنبُّؤات المتفائلة الأولى، والواقع أنَّ إيرادات «صناعة الذكاء الاصطناعيّ» التي بلغت مليارات الدولارات بحلول أواخر الثمانينيَّات، سرعان ما دخلت ما سُمّي «شتاء الذكاء الاصطناعيّ»، حيث تهاوت الشركات لعجزها عن تحقيق وعودها المبالغ فيها.
في منتصف الثمانينيَّات، ظهر «الاتِّجاه الترابطيُّ» مع خوارزميَّة التعلُّم عبر «الانتشار العكسيّ»، واعتُبر منافسًا مباشرًا للنموذج الرقميِّ الكلاسيكيّ. وقد تساءل أنصار الترابطيَّة عمَّا لو كان لمعالجة الرموز دورٌ تفسيريٌّ حقيقيٌّ في نماذج المعرفة الجزئيَّة؟ بالطبع، لم يكن شكُّ هؤلاء في أنَّ البشر يستخدمون العلامات والرموز أحيانًا في وظائف معرفيَّة، بل في كون هذه الرموز ضروريَّة لتفسير وظائف مثل الاعتقاد والرَّغبة والذاكرة. ومن هنا رأوا أنَّ من الممكن ربَّما إعادة بناء تلك الوظائف من دون رموز. هذه الأسئلة طُرحت حينها بجدّيَّة وظلَّت بلا جواب، إلى أن استقرَّ الرأي المعاصر على أنَّ المنهجين الرمزيَّ والترابطيَّ متكاملان لا متنافسين. غير أنَّ الإشكال الجوهريَّ الذي تواجهه أبحاث الذكاء الاصطناعيِّ – والذي يركّز عليه هذا المقال – هو البُعد الظاهريُّ والنفسيُّ، لا الوظيفيَّ والحسابيّ. ومع تزايد أدوار الآلات الذكيَّة في شتَّى جوانب الحياة (العسكريَّة، الطبيَّة، الاقتصاديَّة، الماليَّة، السياسيَّة)، لا يبدو مستغربًا أن لا نشكَّ في حجم تأثير الذكاء الاصطناعيِّ على حاضر ومستقبل البشريَّة. ومع ذلك، تستمر التأمُّلات والشكوك حول ادِّعاءات الذكاء الاصطناعيِّ «القويّ»، أي ذاك الذي لا يَعِد فقط بالكفاءة الوظيفيَّة والعمليَّة، بل ببناء وعيٍ اصطناعيٍّ وتجارب واعية ذاتيَّة.
هوّيَّة الذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيّ
المقاربة الكلاسيكيَّة للذكاء الاصطناعيِّ هي تلك المعروفة بالاختصار ) GOFAI) والتي كانت تستخدم مبادئ أو قوانين منطقيَّة على القضايا. وقد أطلق الفيلسوف جون هاوجلاند سنة 1985 على هذا الأسلوب اسم «الذكاء الاصطناعيّ العتيق الطراز» (Old-Fashioned) ليدلّ على أنّه متقادم وتمَّت الاستعاضة عنه. من أسباب ذلك أنَّ الاتِّجاه الترابطيَّ المعتمد على المعالجات الموزَّعة المتوازية (PDP Connectionism) كان في صعود سريع، وجذب بعض الفلاسفة أيضًا (مثل كلارك 1989). وقد تأسَّست انتقادات هاوجلاند للذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيِّ بوصف كونه مشروعًا متقادمًا، على الأسُس الفينومينولوجيَّة نفسها التي كان هيوبرت دريفوس قد طرحها قبل عشرين عامًاً
يقوم الذكاء الاصطناعيُّ الكلاسيكيُّ على تعليمات مبرمجة تعمل مع تمثيلات رمزيَّة وصوريَّة، وهو منهج يلائم تمامًا الطبيعة التسلسليَّة والثنائيَّة للحاسوب الرقميِّ من طراز فون نيومان. وبدءًا من منتصف الخمسينيَّات حتى منتصف الثمانينيَّات كان هذا المنهج هو السائد (وإن لم يكن الحصريّ) في الذكاء الاصطناعيِّ، كما تطوَّر معه التيَّار الوظيفيّ في فلسفة العقل. آنذاك كانت رؤية «معالجة المعلومات» قد أوجدت منظورًا جديدًا عن الدماغ: إذ عُدّت الخلايا العصبيَّة أو الشبكات العصبيَّة بمثابة أجهزة قادرة على تخزين المعلومات ونقلها. ومن الَّلافت أنَّ التحوُّل إلى هذه الرؤية المعلوماتيَّة قد ترافق مع تحوُّلات في ميادين أخرى من علم الأحياء، خصوصًا علم الوراثة والجزيئات، حيث صار التركيز على المعلومات، إلى درجة النظر إلى الجينوم كبرنامج تفسِّره «آلة خلويَّة». وهي رؤية ظلّت مسيطرة لعقود طويلة. مع ذلك، حتى قبل عصر الذكاء الاصطناعيِّ، كان بإمكان الحواسيب تخزين بيانات منظَّمة ومعالجتها بشكل منهجيٍّ عبر تنفيذ التعليمات، لحلِّ مسائل محدَّدة. لكن ذلك لم يكن كافيًا لتفسير التأثير السببيِّ للتمثيلات الذهنيَّة وهو ما يختصره السؤال التالي: كيف تصبح هذه التمثيلات سببًا في التفكير والسلوك العاقل؟
لقد جاءت “النظريَّة الحسابيَّة للعقل” (CTM) لمعالجة هذا الاحتياج النظريِّ المهمِّ، حيث تتعامل مع التمثيل عبر الرموز و”لغة الفكر”( (LOT أو Mentalese) ) . وتقوم الفكرة على أنّ التلاعب الصوريَّ والنحويَّ بالرموز يمكن أن يولّد رموزًا أخرى تُستولَد منطقيًّا منها، وبذلك يمكن للبنية النحويَّة أن تعكس المعنى والمحتوى. في هذا الصدد يقول هاوجلاند: «إذا حافظتَ على البنية النحويَّة، فإنَّ المعنى سيحافظ على نفسه». ذلك على غرار الطريقة التي تُحدَّد فيها هندسة المفتاح القفل الذي يمكن فتحه. وهكذا يُنظر إلى العقل كمحرِّك نحويٍّ يُطلق محرّكًا دلاليًّا. لعلَّ من أقرب النظريَّات إلى CTM كانت “فرضيَّة النظام الرمزي الفيزيائيِّ” (PSSH) التي طرحها نيويل وسيمون سنة 1976، وتنصُّ على أنّ «النظام الرمزيَّ الفيزيائيَّ يمتلك الأدوات الكافية والَّلازمة لأداء الذكاء العام». فالنظام الرمزيُّ الفيزيائيُّ هو آلة تنتج تراكيب رمزيَّة على فترات زمنيَّة، وتستهلكها لتوليد سلوك ذكيّ. وقد كانت CTM وPSSH الركيزتين الأساسيَّتين للذكاء الاصطناعيِّ الرمزيِّ الكلاسيكيِّ ،أو ما سمّاه هاوجلاند GOFAI) ) حيث إنَّ هاتين الرؤيتين قدَّمتا معايير وأهدافًا لغالبية الباحثين في الذكاء الاصطناعيِّ خلال العقود الثلاثة الأولى.
السؤال المحوريُّ الذي واجه النظريَّة الحسابيَّة للعقل جاء على النحو التالي: كيف يمكن للرموز الأوّليَّة للغة الفكر – سواء داخل دماغنا أم داخل وحدة معالجة الروبوت – أن تشير إلى الأشياء خارج الدماغ، وربما إلى أشياء لا وجود خارجيَّ لها أصلًا؟ لقد عُرف هذا الإشكال باسم “معضلة تأصيل الرموز” (Symbol Grounding Problem). ، وهو ليس مجرَّد لغز فلسفيٍّ حول العقل البشريِّ أو أنَّه سؤال علميّ في علم النفس، بل إنَّه ينطوي على تبعات هندسيَّة مباشرة على الذكاء الاصطناعيِّ، لأنَّ إيجاد إجابة مقبولة قد يقود إلى بناء روبوت يتجاوز بعض أشدّ الاعتراضات على CTM، فيكون قادرًا على «التفكير» فعلًا عبر حسابات على تراكيب رمزيَّة.
وقد طُرحت بالفعل في الواقع بعض السبل لتأصيل الرموز، إذ يرى أنصار هذه الفكرة أنَّ الروبوت يمكن أن يبلغ إدراكًا «ما وراء رمزي» يشبه إدراكنا. لكن الفلاسفة قدّموا اعتراضات مختلفة، من أبرزها حجَّة «غرفة الصينيّ» التي طرحها جون سيرل. فقد تخيَّل نفسه محبوسًا في غرفة ومعه دليل لتعليمات بالُّلغة الصينيَّة ونافذة صغيرة. ورغم أنَّه لا يعرف الصينيَّة، لكنّه يقدر عبر الدليل على مطابقة الرموز الواردة إلى ردود صحيحة وإرسالها للخارج. فإذا طرح شخص صيني من الخارج سؤالاً مثل: «كيف حالك؟» كتبها على ورقة وأدخلها، فإن سيرل عبر التعليمات يرد: «أنا بخير، شكرًا». فيظن المراقب أنّه يفهم الصينيَّة، بينما هو في الواقع لا يعرف شيئًا عن معناها. وبذلك يرى سيرل أنَّ تفسير الرموز يعتمد على المفسِّر الخارجيِّ، ولا ينتج فهمًا أو دلالة ذاتيَّة من داخل النظام.
بعد الانتقادات الموجَّهة إلى الذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيِّ برزت مقاربة جديدة في الثمانينيَّات عُرفت بالاتِّجاه الترابطيِّ أو الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة (Connectionism) ، وقدَّمت بديلًا يقوم على الحسابات الموزَّعة المتوازية بدلًا من الرموز المنفصلة والتمثيلات الصوريَّة، إذ يعتمد هذا المنهج على فكرة أنَّ الذكاء لا ينشأ من قواعد منطقيَّة مجرَّدة بل من أنماط الاتِّصال بين وحدات بسيطة شبيهة بالعصبونات، وهذه الوحدات عند تدريبها على كميَّات كبيرة من الأمثلة تستطيع أن تُنتج استجابات صحيحة أو قريبة من الصحيح حتى في مواقف جديدة، ومن هنا جاءت وعود الترابطيَّة بمعالجة بعض أوجه القصور في الذكاء الاصطناعيِّ الرمزيِّ، غير أنّ هذا الاتِّجاه أيضًا لم يخلُ من إشكالات فلسفيَّة وعمليَّة، فمثلًا لا يزال الجدل قائمًا حول مدى قدرة الشبكات العصبيَّة على تمثيل المعاني أو الوعي الظاهريِّ بدلًا من الاكتفاء بالتشابه الإحصائيِّ أو الارتباطات النمطيَّة، كما أنَّ بعض الفلاسفة أشاروا إلى أنَّ الترابطيَّة قد تكون أقلَّ شفافيَّة من الرمزيَّة، إذ يصعب تفسير كيفيَّة إنتاج الشبكة لنتائجها مقارنة بالأنظمة القائمة على القواعد الصريحة، ولهذا اعتُبر أنَّها لا تحلُّ بالكامل معضلة تأصيل الرموز، ولا تقدِّم فهمًا واعيًا.
ومن رحم النقاش بين الرمزيَّة والترابطيَّة وُلدت مقاربة ثالثة عُرفت باسم التجسُّد (Embodiment) وتفترض أنَّ العقل لا يمكن فصله عن الجسد وعن البيئة التي يتفاعل معها، فالفهم والمعرفة لا ينشآن من معالجة مجرَّدة للمعلومات وحدها بل من التفاعل الحسّيِّ – الحركيِّ المباشر مع العالم، وقد استند هذا الاتجاه إلى بعض أطروحات علم النفس الإدراكيِّ وعلم الأحياء التطوُّريِّ، ورأى أنَّ بناء ذكاء اصطناعيٍّ قويٍّ يقتضي أن يكون للآلة جسدٌ فعليٌّ يمكنه أن يتحرَّك ويختبر ويستشعر، بحيث تُكتسب الدلالات من خلال التجربة الجسديَّة الملموسة لا من خلال رموز منفصلة أو أوزان عدديَّة مجرَّدة. غير أنَّ هذا الاتجاه أيضًا لم يسلم من الانتقادات، إذ يرى معارضوه أنّ امتلاك جسد ماديٍّ لا يكفي بذاته لتفسير نشوء الوعي أو الخبرة الذاتيَّة، وأنّ إدخال الروبوت في بيئة حسيَّة غنيَّة قد يزيد من قدراته التكيفيَّة لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسيِّ المتعلِّق بكيفيَّة ظهور الظواهر الداخليَّة أو “الكواليا”.
تفسير تلك الرموز الجديدة سيكون محتاجًا إلى رموز أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، وبهذا الشكل لا يوجد عند الحواسيب أي بعد «التفاتيّ»؛ أي أنَّ الرموز بالنسبة إليها ليست سوى أشكال، وليست لها أيُّ دلالة أو معنى.
الترابطيَّة في الذكاء الاصطناعيِّ الجديد
وفَّرت المعضلات التقنيَّة والمفهوميَّة في مواجهة الذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيِّ أرضيَّة للتخلّي عن المقاربات التقليديَّة في كلٍّ من الذكاء الاصطناعيِّ وعلوم الإدراك. هذا التحوُّل ظهر بشكل واضح مع تقدُّم الترابطيَّة في ثمانينيَّات القرن الماضي. النماذج الترابطيَّة – أي النماذج التي تتكوَّن من شبكات من وحدات معالجة بسيطة متَّصلة عبر أنماط متنوِّعة من الوصلات – أعيد إحياؤها في الثمانينيَّات باعتبارها النموذج الرئيس للذكاء
الاصطناعيِّ وعلوم الإدراك، ومنذ تلك الَّلحظة التاريخيَّة أصبحت الترابطيَّة والشبكات العصبيَّة ركيزتهما الأساس ، وما زالت مستمرة حتى اليوم. وتُعقد حاليًّا مؤتمرات بانتظام حول الشبكات العصبيَّة من منظور الذكاء الاصطناعيِّ، وغالبًا ما تثير مشاركة كبيرة.
الترابطيَّة عمومًا هي أسلوب لتصوير وفهم الآليَّات والعمليَّات الإدراكيَّة من خلال بناء نماذج تستعمل شبكات من وحدات بسيطة شبيهة بالعصبونات، كلُّ واحدة منها تقوم بحسابات بسيطة متعدِّدة. استُخدمت النماذج الترابطيَّة لمهامَّ مختلفة مثل إدراك الأشياء والأحداث، نطق النصوص الإنكليزيَّة، تخزين المعلومات واسترجاعها من الذاكرة، إنتاج الُّلغة وفهمها، تعلُّم المهارات، الاستدلال، وغيرها. الأداة التقنيَّة والمفهوميَّة الجوهريَّة فيها هي الشبكة العصبيَّة التي تتكوَّن من عدد من العقد (أو الوحدات) تشبه العصبونات في الدماغ. كلُّ عقدة تستقبل إشارات داخليَّة وتنتج إشارة خارجيَّة. العقد متَّصلة معًا بحيث يصبح مخرج عقدة ما هو مدخل لعقدة أخرى. الأجهزة الترابطيَّة – سواء العمليَّات الموزَّعة بشكل متوازٍ أم الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة – عادةً تتألَّف من وحدات يكون مخرجها دالة من مجموع المدخلات التي تتلقَّاها من وحدات أخرى. قيم المدخلات والمخرجات تمثّل عادةً بأعداد حقيقيَّة. والروابط لها أوزان تمثِّل بالأعداد الحقيقيَّة أيضًا. ووزن الرابط يمثِّل مقدار تأثير عقدة ما على مخرج عقدة أخرى. ومخرج كلِّ عقدة هو دالة بسيطة خطيَّة من المدخلات: عادةً يُحسب مجموع المدخلات ثمَّ يُنتج مخرج بقيمة 1 أو 0 بحسب ما إذا كان المجموع قد تجاوز عتبة معيَّنة أم لا. إذا كانت النتيجة 1 فإنَّ العقدة تكون نشطة (تطلق إشارة)، وإلَّا تبقى خاملة.
يدّعي أنصار الأجهزة الترابطيَّة أنَّها قادرة على التعميم، أي أنَّه عند مواجهة نمط إدخال جديد يشبه النمط الذي تمَّ تدريبه سابقًا، فإنَّها ستنتج مخرجًا مشابهًا للمخرج السابق. كذلك فإنّ تلف جزء من وحدات الشبكة في النماذج الترابطيَّة لا يفسد فورًا العلاقة بين المدخل والمخرج، إذ يمكن لوحدات أخرى في الشبكة أن تعوّض الخلل بدرجة معيَّنة. بينما في الحواسيب الرقميَّة التقليديَّة فإنَّ تلف وحدة واحدة قد يوقف العمليَّة بالكامل ويتسبَّب بفشل كارثيّ. هذه الخصائص الَّلافتة في الشبكات العصبيَّة، إلى جانب ما يبدو أنّه مقبوليَّة بيولوجيَّة أكبر مقارنة بالحواسيب الرقميَّة، جعلت العديد من علماء الإدراك ومهندسيِّ الذكاء الاصطناعي يستخدمونها باستمرار.
لكن رغم هذه التطوُّرات، فإنَّ الأسئلة الفلسفيَّة الكبرى ما زالت قائمة أمام الشبكات الترابطيَّة أيضًا. الرؤية التقليدَّية التي تبنَّاها الذكاء الاصطناعيُّ الكلاسيكيُّ (GOFAI) كانت تقول إنّ الذكاء البشريَّ يقوم على تخزين أعداد كبيرة من الوقائع ثمَّ برمجة كيفيَّة استعمالها. بينما التجارب الإنسانيَّة تظهر أنّ من يملك خبرة كافية في مجال معيَّن يدرك بسهولة ما الذي يجب أن يقوم به في موقف معيَّن، أي أنَّ خبراته تتشكَّل بطريقة منظَّمة تمكِّنه من إدراك مباشر للأحداث والأشياء وعلاقتها بالسياق الحاليّ. على سبيل المثال، أكَّد هيدغر ومرلو – بونتي أنّ الأشياء لا تظهر لشخص منغمس في سياق ما كخصائص منفصلة، بل تظهر كأشياء ذات معنى يحدِّد الاستجابات الممكنة. البشر أصحاب الخبرة في العالم الطبيعيِّ والاجتماعيِّ يمتلكون فهمًا مباشرًا لما يجب فعله وما ينبغي توقُّعه، وهذا الفهم يمكّنهم من التفاعل المناسب وتجنُّب الأفعال غير الملائمة من دون الحاجة إلى تمثيلات مجرَّدة ومنفصلة. ولهذا يتعامل الإنسان بمهارة وسلاسة مع العالم، بينما بالنسبة إلى قواعد البيانات التي تحتوي على وقائع وقوانين، فإن استرجاع ما يرتبط فعلًا بالموقف يكون صعبًا.
ويبدو أنَّ هذه المشكلة نفسها – مشكلة «المعرفة بالحسِّ العام» – قد عادت لتواجه الترابطيَّة، وأصبحت تهدِّدها كما هدَّدت من قبل الذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيّ. كلُّ مصمّمي الشبكات العصبيَّة متعدِّدة الطبقات متَّفقون على أنّ الشبكة الذكيَّة يجب أن تكون قادرة على التعميم، أي أنَّه بناءً على أمثلة كافية في مرحلة التدريب، تستطيع أن تربط المدخلات الجديدة بالمخرجات الصحيحة. لكن السؤال: ما الذي يحدِّد كون المدخلات الجديدة «من نفس النوع»؟ الجهاز الذي لا يستطيع تعلُّم تعميماتنا ومتابعة تدريباتنا في مواقف جديدة لا يمكن وصفه بـ«الذكي». دريفوس أشار إلى أنَّ محاولة المصمِّمين تحديد التشابهات والتعميمات عبر معماريَّات الشبكات العصبيَّة لم تؤدِّ إلى تعميم حقيقيّ. بينما في العالم الخارجيِّ يعتمد جزء كبير من الذكاء البشريِّ على تعميمات مرتبطة بالسياق. فإذا تمَّ تقييد الشبكة بمستوى محدَّد مسبقًا من الاستجابات فإنَّها ستُظهر ذكاءً في ذلك السياق فقط، لكنَّها ستفتقر إلى الحسِّ العام الذي يمكّن الإنسان من التكيُّف مع سياقات جديدة ومتنوِّعة.
لأداء التعميم بالطريقة التي يقوم بها البشر، يجب أن تُصمّم بنية الشبكة بحيث تستجيب للمواقف المختلفة بوصفها «مرتبطة وملائمة». الارتباط والملاءمة عند البشر يرتكزان على التجارب الماضية والحاضرة. أمَّا الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة فلا تُظهر هذه القدرة، ولا أحد يستطيع حتى الآن أن يقدِّم تخمينًا كيف ينتج الدماغ هذه التعميمات. وهذه مشكلة ما زالت قائمة حتى اليوم.
حتى في منهج «تعلُّم التعزيز» – الذي يعتمد أقلَّ ما يمكن على البرمجة والتدخُّل البشريّ – تظهر المشكلة نفسها. قد تكون خاصيَّة معيَّنة غير ملائمة بحدِّ ذاتها، لكنَّها تصبح ملائمة عند اجتماعها مع خصائص أخرى. معالجة هذا تتطلَّب فحص الارتباط في مجموعات الخصائص، وهذا يقود إلى انفجار هائل في عدد الفحوصات المطلوبة. كما أنَّ ملاءمة خاصيَّة ما تتعلَّق بمجال أدائيٍّ محدَّد، فقد تكون ملائمة في بعض المواقف وغير ملائمة في مواقف أخرى، ما يفرض الحاجة إلى جمع بيانات الارتباط بشكل منفصل لكلِّ موقف، وهذا يؤدّي إلى زيادة هائلة في حجم الفحوصات. مع عدم وجود حدٍّ لعدد الخصائص التي يمكن أن تكون ذات صلة محتملة في بعض المواقف، يصبح من المستحيل البدء بكلِّ الخصائص الممكنة وإجراء الفحوص الإحصائيَّة عليها جميعًا.
باختصار، أساليب تعلم التعزيز تنتج سلوكًا على طريقة «المثير – الاستجابة»، أي أنَّ المدخل (وصف الموقف) يقود مباشرة إلى المخرج (قيمة فعل أو موقف). لكن الدماغ يمتلك حالات داخليَّة نختبرها كأمزجة وتوقُّعات وألفة مرتبطة بالنشاط الحاليّ. هذه الخبرات تحدِّدها المدخلات الحاليَّة وقوَّة الاتِّصالات العصبيَّة التي تشكَّلت عبر خبرات طويلة. ويتطلَّب تعلُّم التعزيز قانونًا لتحديد الاستجابة المناسبة لكلِّ فعل محتمل في كلِّ موقف، بينما البشر ليس لديهم مثل هذه القوانين ولا يحتاجون إليها. حاجاتنا ورغباتنا وانفعالاتنا تزوِّدنا بشعور بملاءمة أفعالنا. وإذا كانت هذه الحاجات والرغبات والانفعالات بدورها مرتبطة بقدرات وقيود جسد بيولوجيٍّ متجسِّد اجتماعيًّا داخل ثقافة معيَّنة، فإنَّ أجهزة تعلُّم التعزيز ما زال أمامها طريق طويل لتصل إلى ذلك.
التجسيد في الذكاء الاصطناعيِّ الجديد
في خمسينيَّات القرن الماضي وُصف الدماغ بأنَّه حاسوب قويّ، ورُؤي الذكاء على أنَّه نتيجة برامج حاسوبيَّة رمزيَّة. هذا المنظور عُرف باسم «المعالجة المعلوماتيَّة» أو «الدماغ كاستعارة حاسوبيَّة». لكن اليوم صار مقبولًا على نطاق واسع أنّه «لا يوجد دماغ بلا جسد». بل إنَّ الذكاء يحتاج إلى كائن فيزيائيٍّ كامل – أي إلى جسد – ليتفاعل مع العالم الخارجيّ. جرى الاستدلال بأنّه بدلًا من القيام بحسابات معقَّدة جدًّا للتحكُّم في السلوك، قد يكون من الممكن توليد السلوك والتكيُّف من خلال الخصائص الفيزيائيَّة للبنية (مثل الجسد) والتفاعل المتبادل بين الكائن وبيئته. وبدلًا من محاولة بناء نماذج معقَّدة عن العالم الرمزيِّ – والتي من الصعب استخلاصها بشكل موثوق من الإشارات القادمة من العالم الحقيقيِّ – يمكن إعادة إنتاج سلوكيَّات استجابيَّة بسيطة عبر مكوِّنات الجسد مثل النظام الحركيِّ، النظام الإدراكيِّ الحسّيِّ، والتفاعل المكانيِّ المباشر مع البيئة، وبذلك تنشأ سلوكيَّات ملائمة.
يرى أنصار التجسيد/المكاننة أنَّ ديناميَّات الدماغ والجسد والبيئة مترابطة. فالأنظمة العصبيَّة متجسِّدة في أجساد، وهذه الأجساد واقعة في بيئة، وهناك تفاعل وثيق بين هذه العناصر. ويُسمَّى تدفُّق المعلومات من البيئة إلى الكائن «حسّيّ»، فيما يُسمَّى تدفُّقها من الكائن إلى البيئة «حركيّ». أمَّا تفعيل المهارات والقدرات الحسّيَّة – الحركيَّة فيخضع لقيود بيولوجيَّة إذا انتُهكت فلن يستطيع الكائن الاستمرار ككيان مستقلٍّ يتفاعل مع بيئته. في الحقيقة، تبيَّن أنَّ النشاط الحسّيَّ – الحركيَّ وشكل الجسد يخلقان أنماطًا في المدخلات الحسّيَّة وفي البنية التحكُّميَّة، ما يسهِّل معالجة المعلومات. مثل هذه الأفكار كانت أساس الاتِّجاه السلوكيِّ في الذكاء الاصطناعيِّ، والذي ظهر في مختبراته الكبرى أوائل التسعينيَّات. فجأة بدأ الباحثون في بناء روبوتات شبيهة بالحيوانات، ونشأت تفاعلات واسعة مع علم الأحياء، خصوصًا علم السلوك الحيوانيِّ وعلم الأحياء التطوُّريّ. وظهرت تطبيقات مثيرة مثل مسابقات «روبوكاب»، كما شهدنا في أواخر التسعينيَّات أول الروبوتات الشبيهة بالبشر.
هذه الحركة أكَّدت أنَّ الذكاء نادرًا ما ينشأ في عزلة. فالحيوانات والبشر يعيشون في جماعات تُنتج فيها المعرفة المشتركة وأنظمة الاتِّصال عبر الأنشطة الجماعيَّة. ولذلك شهدت التسعينيَّات ولادة مقاربة «متعدِّدة الوكلاء» في الذكاء الاصطناعيِّ، ركَّزت على كيفيَّة توليد وتوزيع الذكاء من خلال التفاعلات مع الآخرين. وبهذا قاد التجسيد إلى تحوُّل نموذجيٍّ يؤكِّد على الأبعاد الفيزيائيَّة للسلوك القابل للتكيُّف والمتجسِّد، في مقابل الرُّؤى غير المتجسِّدة التي تنظر إلى العقل كعمليَّات حسابيَّة محضة. اليوم يُفهم الإدراك والعمل على أنَّهما نتيجة ظهور متنامٍ وليسا شيئًا يمكن بناؤه أو برمجته مباشرة في روبوت. وهذا المنهج يعتمد بقوَّة على دراسة نموِّ الطفل. في الواقع، أساليب التصميم الآلي تستعير أفكارها من التطوُّر في علم الأحياء، كما أنَّ علم النموِّ يقدِّم رؤى مهمَّة لفهم الطبيعة العامَّة للذكاء.
في الذكاء الاصطناعيِّ الكلاسيكيِّ كانت علوم الحاسوب وعلم النفس والُّلغويَّات تلعب دورًا محوريًّا، أمَّا اليوم فإنَّ التجسيد يستكمل علوم الحاسوب والفلسفة بالروبوتيك والميكانيكا الحيويَّة وعلوم المواد وعلم الأحياء. وكانت القوى الحسّيَّة والحركية مجرَّد محوِّلات كان دورها الوظيفيُّ البيئيُّ يقتصر على إيصال التمثيلات الرمزيَّة للعالم إلى عمليَّات التفكير المركزيَّة، أو تهيئة الوحدات المستجيبة المثارة لترجمة مخرجات هذه العمليَّات إلى حركات بدنيَّة. لكنَّ الرواد الذين أثبتوا محدوديَّة الذكاء الاصطناعيِّ الرمزيِّ العامِّ جادلوا بأنَّ قدراتنا البدنيَّة أبعد من ذلك، وأنَّ الأنظمة ذات القدرات المذكورة عاجزة. إضافة إلى ذلك، كانوا يقولون إنَّ دراسة هذه القدرات يمكن أن تمنحنا بصيرة حول كيفيَّة نشوء الإدراك الأعلى من مثل هذه الأنشطة، فإذا فهمنا الأعمال الظاهريَّة البسيطة والروتينيَّة للأنظمة الحسّيَّة – الحركيَّة يمكن أن يبدأ لغز الذكاء بالانحلال، وعندما نعرف كيف نصنع روبوتًا يستطيع بنجاح توجيه نفسه في العالم الفيزيائيِّ فإنَّ الاستدلال سيصبح سهلًا لا من خلال المنطق بل لأنَّ المكوِّن الأساسيَّ لذكاء الروبوت يُكتسب في تفاعلاته الديناميكيَّة مع محيطه. مع ذلك، ورغم أهميَّة الأفكار التي قُدِّمت حول التجسُّد في مقالات الذكاء الاصطناعيِّ لم يقبل كلُّ الكتّاب بأنَّ التجسُّد هو المحور في وعي الآلة، فهناك فكرة أخرى تقول إنَّ الآلة الواعية، بالإضافة إلى التجسُّد أو ربما بدلًا منه، تحتاج إلى عالم داخليٍّ أو ذاتيَّة تُعدُّ غالبًا مرادفة للقدرة على التخيُّل في أبحاث الذكاء الاصطناعيّ. غير أنَّ التخيُّل في الدراسات الفلسفيَّة حول الوعي له أبعاد أوسع وأهمُّ بكثير، إذ يتضمَّن خاصّيَّة أساسيَّة من الوعي وهي الإحساس الداخليُّ بــ «كون التجربة لي» الذي لا يمكن فهمه أو تفسيره من منظور الشخص الثالث، وهذا يمثِّل تحدّيًا أساسيًّا لأيِّ نوع من الدراسات العلميَّة للوعي.
ومن المفيد القول أنَّ ثمَّة اتفاقًا نسبيًّا بين مهندسي الذكاء الاصطناعيِّ على محوريَّة التصوُّر والتخيُّل في مشروع وعي الآلة، ومن ثمَّ فإنَّ الأسئلة التي ما زالت قائمة هي: ما مكوِّنات التخيُّل والتصوُّر وكيف يمكن قياسه وإعادة بنائه؟ إنَّ مسألة الذاتيَّة والوعي الاصطناعيِّ والاعتراضات الفلسفيَّة المبنيَّة على جانب المنظور الأول الشخص والتجربة الداخليَّة، إضافة إلى آفاق الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ الذي لا يقتصر على محاكاة السلوك والمخرجات الشبيهة بالإنسان بل يأخذ في الحسبان العالم الداخليَّ والذاتيَّ شبه الإنسانيِّ، طرحت مصطلح الوعي الاصطناعيِّ إلى جانب الذكاء الاصطناعيِّ ليُعنى بتصميم وبناء هذا الجانب الداخليِّ الظاهريّ. ومن أبرز الجهود المبذولة للاستدلال على الكيفيَّة التي ينبغي أن يمتلك بها الروبوت الواعي عالمًا داخليًّا ما نجده في عمل هسلو وجيرنهد إذ إنَّ مقاربتهما تعتمد على فرضيَّة المحاكاة لدى هسلو التي تقول إنَّ معنى القول بأنَّ عاملًا ما يملك عالمًا داخليًّا هو أن يكون قادرًا على محاكاة تفاعلاته مع العالم الخارجيِّ بدرجة كافية. ويعتقد هذان الباحثان أيضًا أنَّه يمكن الاستدلال على أنَّ الروبوت المثاليَّ الذي يستطيع استخدام قدرات المحاكاة لتصوُّر تفاعلاته مع العالم الخارجيِّ يمتلك حياة داخليَّة وبالتالي وعيًا أوليًّا. أمَّا كريسلي وبارثمور فيقدّمان منظورًا آخر حول الدور المحوريِّ للتصوُّر في وعي الآلة، إذ إنَّ برنامجهما المسمَّى “الظاهراتيَّة التركيبيَّة” يمكن أن يُعتبر محاولة لتوحيد التجسُّد والتصوُّر، حيث يستفيدان من التجسُّد والمكاننة الروبوتيَّة لتحديد الحالات التجريبيَّة، ويعتبران الوعي متضمَّنًا في القدرة على التنبّؤ أو تصوُّر المدخلات الحسّيَّة التي يجب تلقّيها للتحرُّك في أيِّ اتجاه. وأمَّا كيفرستين، في نظريَّته المعروفة بالرؤية الحسّيَّة – الحركيَّة الديناميكيَّة، فيرى أنَّ الحدَّ الأدنى من الذاتيَّة يتطلَّب تمرين المهارات الحسّيَّة – الحركيَّة للآلة، ويعتقد أنَّ وعيها ينشأ من المران على أنماط حسّيَّة – حركيَّة، ويتوخَّى عبر استدلالات معقَّدة أن يبيّن كيف أنَّ عاملًا ما من خلال التمرُّن على المعرفة الحسّيَّة – الحركيَّة المناسبة يمتلك منظورًا من الدرجة الأولى، وبالتالي وعيًا بنفسه كحامل للتجربة. في حين أنَّ روبوت هسلو، إضافة إلى ذلك، يحاكي التفاعلات الحسّيَّة – الحركيَّة مع العالم الخارجيِّ. أمَّا هولند فيرى أنَّ المحاكاة الذاتيَّة الشاملة ضروريَّة. وبدوره، يقترح هيكانن أنَّ الحاجة قائمة إلى تطوير عقول شبه إنسانيَّة دقيقة خصوصًا العقليَّة التي تمتلك تصوُّرات انعكاسيَّة، وحديثًا داخليًّا، وأشكالًا معقَّدة من الوعي الذاتيّ. ومع كلِّ هذه الجهود الرامية إلى تقديم معيارٍ فنيٍّ وصوريٍّ لإعادة بناء وتقييم الوعي في الآلة، ثمَّة شكوك جدّيَّة حول نتائج هذا المشروع؛ فمثلًا برينجزجورد يرى أنَّه لا يوجد حتى الآن أيُّ معيارٍ صوريٍّ واضحٍ للوعي، وهو يشكُّ أصلًا في إمكانيَّة توفير مثل هذا المعيار. من جهته، يتَّهم تورنس معظم الباحثين في الوعي الاصطناعيِّ بالتقصير في الاعتراف بمحوريَّة الظاهراتيَّة ومنظور الشخص الأول للحسِّ والتجربة الداخليَّة.
إخفاقات النَّهج التقليديِّ لبناء الوعي
لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ راسل ونورويج في كتابهما – “AI: A Modern Approach” الذي يُعدُّ أحد أهمِّ وأشمل المصادر الأكاديميَّة في هذا المجال – لخصَّا أغلب النُّهُج في تعريف الذكاء الاصطناعيِّ في أربعة تعريفات تستند إلى جدول ثنائيِّ البُعد؛ حيث تعكس الصفوف الأولى عمليَّات التفكير والاستدلال، بينما تركِّز الصفوف الثانية على المعايير السلوكيَّة، أمَّا الأعمدة فتعكس التميُ!ز بين السعي إلى مطابقة القدرات البشريَّة مقابل الكفاءة المثاليَّة. ولكلٍّ من هذه النُّهج الأربعة أنصار بأساليب مختلفة. ويرى مؤلِّفو الكتاب أنَّ النَّهج المتمحور حول الإنسان يجب أن يكون علميًّا تجريبيًّا، ويعتمد على ملاحظات وافتراضات حول السلوك البشريِّ، في حين أنَّ النَّهج العقلانيَّ – أي المثاليَّ – يركِّز على الهندسة والرياضيَّات.
ملخَّص النُّهُج الأربعة
1-النَّهج الشبيه بالإنسان :(Acting Humanly) يقوم على اختبار تورينج، حيث صمَّمه عام 1950 ليقدِّم تعريفًا عمليًّا للذكاء. فلتمرير الاختبار يحتاج الحاسوب إلى: معالجة الُّلغة الطبيعيَّة، تمثيل المعرفة، الاستدلال الذاتيّ، والتعلُّم الآليّ. ومع النسخة الكاملة للاختبار يشمل ذلك أيضًا الرؤية الحاسوبيَّة والروبوتيك للقدرة على إدراك الأشياء والتحرُّك نحوها. هذه القدرات الستُّ تشكِّل معظم مكوِّنات الذكاء الاصطناعيِّ، إلَّا أنَّ الباحثين يبذلون جهدًا أقلَّ في اجتياز اختبار تورينج، معتقدين أنَّ دراسة الأسُس المكوِّنة للذكاء أهمُّ من محاكاة نموذج محدَّد.
2-نهج النمْذَجة المعرفيَّة :(Cognitive Modeling) الدخول إلى عمل العقل البشريِّ عبر الملاحظة، التجارب النفسيَّة، وتصوير الدماغ أثناء النشاط. ويهدف هذا النهج إلى بناء برامج تحاكي خطوات الاستدلال البشريِّ لحلِّ المشكلات، مدمجًا علومًا معرفيَّة، ذكاءً اصطناعيًّا، وتقنيات نفسيَّة تجريبيَّة لتقديم نظريَّات قابلة للاختبار حول العقل البشريّ.
3-نهج التفكير المثاليّ :(Ideal Thinking) استند إلى فكرة أرسطو في صياغة قوانين التفكير السليم، حيث تصف برامج الذكاء الاصطناعيُّ المسائل بشكل منطقيٍّ. لكنِّ هذه البرامج تواجه صعوبات في تمثيل المعرفة غير المنطقيَّة أو المعرفة غير القطعيَّة، فضلًا عن الفرق بين الحلِّ النظريِّ والحلِّ العمليِّ للمسائل.
4-نهج الوكيل المثاليّ :(Rational Agent) يركِّز على الفعل والقيام بالمهامِّ عبر برامج الحاسوب، بحيث يتطلَّب الأداء الذاتيّ، إدراك البيئة، الالتزام بالأهداف، التكيُّف مع التغيُّرات، وخلق الأهداف، وهي مزايا تتجاوز مجرَّد الاستدلال الصحيح. هذا النهج يُعدُّ أكثر شموليَّة من نهج التفكير المثاليِّ، لأنَّه يراعي مسألة أنَّ الاستدلال الصحيح ليس الآليَّة الوحيدة للوصول إلى العقلانيَّة، وله إمكانيَّات أفضل للتطوير العلميِّ مقارنة بالنهج المبنيِّ على سلوك الإنسان أو التفكير البشريّ.
الذكاء الاصطناعيُّ والوعي
الأساس في بناء الذكاء الاصطناعيِّ – سواء الإنسانيّ أم المثاليّ – هو العمليَّات الحسابيَّة، والتي تختلف في الحواسيب الرقميَّة مقابل الروبوتات والشبكات العصبيَّة. الحواسيب أسرع بكثير في الدورات الزمنيَّة، بينما الدماغ يملك قدرة تخزين واتِّصالات أكبر، لكن حتى مع حاسوب فائق القدرة، لا نعرف بعد كيفيَّة الوصول إلى مستوى الذكاء البشريِّ أو المثاليِّ الكامل. الأمر نفسه ينطبق على الروبوتات المجسَّدة والشبكات العصبيَّة.
النتيجة المهمة من تحليل هذه النُّهُج الأربعة هي أنَّ السلوك أو العمليَّات الحسابيَّة أصبحت المعيار الأساسيَّ لبناء وتقييم الذكاء الاصطناعيِّ، بينما “السُبجكتيفيَّة” أو الوعي الظاهريُّ ومنظور الشخص الأول، بقي خارج أولويَّات هذا المجال. حتى الجهود البديلة لتوليد سلوكيَّات شبيهة بالبشر أو مثاليَّة عادت إلى النهج التقليديِّ السلوكيِّ، وهو نهجٌ تقليليٌّ لا يعالج الحالات الداخليَّة والذاتيّة، وبالتالي تمَّ تهميش بناء الوعي الظاهريِّ والعالم الذاتيّ.
في الأدبيَّات، ثمَّة تمييز بين الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ والضعيف: فالقويُّ يسعى لخلق كائنات ذكيَّة تمتلك كلَّ القدرات العقليَّة البشريَّة بما فيها الوعي الظاهريّ. أمَّا الضعيف فيرمي إلى إنشاء آلات معالجة معلومات تحاكي كفاءة العقل البشريِّ فقط من دون وعيٍ حقيقيّ. وإذا كان القويُّ يدَّعي أنَّ الحواسيب المبرمجة بشكل صحيح يمكن أن تفهم وتشعر وتختبر الحالات الظاهريَّة، فإنَّ الضعيف يكتفي بأن تكون الحواسيب أدوات مفيدة لصياغة واختبار الفرضيَّات.
ويؤكِّد مؤيَّدو الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ على كفاية الحسابات، أي أنَّ نوعًا محدَّدًا من الآلات الذاتيَّة يمكن أن يمتلك عقلًا ووعيًا عند تنفيذ برامج محدَّدة. فقد طرح نول وسيمون شكلًا من الذكاء الاصطناعيِّ الرمزيِّ، حيث يقدِّم البرنامج نوعًا من الوعي من خلال تنفيذ عمليَّات حسابيَّة محدَّدة، فاعتبرا أنَّ هذه الأدوات كافية للأداء الذكيِّ العامِّ. بينما يرى تورينج أنَّ الحاسوب الذي ينجح في اختباره يمكن اعتباره آلة مفكِّرة، رغم أنَّ هذا الافتراض قائم على منظور سلوكيٍّ صارم تمَّ انتقاده فلسفيًّا، بوساطة اختبار “العمَّة بيرتا” الذي يوضح أنَّ السلوك وحده لا يحدِّد الذكاء.
غير أنَّ ثمَّة من انتقد اختبار تورينج التقليديَّ باعتباره غير واقعيٍّ وربما معرقلًا لتقدُّم الذكاء الاصطناعيِّ غير المجسّد. ومن هذا المنطلق، يؤكِّد هارناد على أهميَّة القدرات الحسّيَّة – الحركيَّة للآلات، ويقترح اختبار تورينج التامّ (TTT)، الذي يتطلَّب روبوتات قادرة على الأداء في العالم الفيزيائيِّ بحيث تكون سلوكيَّاتها غير قابلة للتمييز عن سلوك البشر. وطالما أنَّ الذكاء الاصطناعيَّ يُعرَّف كمجال مخصَّص لهندسة آلات قادرة على الأداء، فهو في الواقع ذكاءٌ اصطناعيٌّ ضعيف.
النقطة الفلسفيَّة المهمَّة هنا هي أنَّ العمليَّة الحسابيَّة تُعرف بالكامل كتعامل مع الرموز من منظور شكليٍّ أو نحويّ، أي أنَّ خصائص الرموز الشكليَّة هي فقط ما يهمُّ لتنفيذ البرامج، أمَّا كيف تُستخلص المعاني أو تُفهم الدلالات الحقيقيَّة من الرموز فلا يزال غامضًا. وفي هذا السياق، نرى جون سيرل يؤكِّد على هذه الإشكاليَّة، حيث ينتقد الفرضيَّة التي ترى أنَّ المعنى يمكن استخلاصه فقط من التعامل مع الرموز بشكل صوريّ (Syntactical)، ويشير إلى أنَّ فهم المعنى (Semantic) لا يمكن تحقيقه بمجرَّد معالجة البنية الرمزيَّة. أي أنَّ العمليَّات الحسابيَّة على الرموز لا تكفي لتوليد وعيٍ أو إدراكٍ حقيقيٍّ، بل تظلُّ المعرفة والمعنى خارج نطاق قدرة الحاسوب أو الروبوتات، إلَّا إذا تمَّ تضمين القدرة على تجربة العالم بطريقة أول شخص .(First-Person Perspective)
ما سبق يربط بالنقاش حول الوعي الاصطناعيِّ و”السوبجكتيفية”. فحتى مع برامج متقدِّمة، إذا كان التركيز على الاستدلال والمنطق والنماذج الحسابيَّة فقط، فإنَّ الوعي الظاهريَّ، التجربة الذاتيَّة، والتصوُّر الداخليَّ (Imagination) للآلة تظلُّ خارج المتناول. باختصار، الذكاء الاصطناعيُّ التقليديُّ – سواء القويّ أم الضعيف – يعتمد على المحاكاة السلوكيَّة أو الحسابيَّة، بينما يُغفل العالم الداخليّ للوعي.
حواشٍ مفسَّرة
29 :Transducers- مبدّلات أو أجهزة تحويل الإشارات الحسّيَّة إلى بيانات قابلة للمعالجة الحاسوبيَّة، أو العكس.
30: For-me-ness- مصطلح فلسفيٌّ يصف الطابع الداخليَّ للتجربة، أي “كون الشيء لي شخصياً”.
31: Imagination- القدرة على التصور الذهني أو التخيل، وهي عنصر أساسي في الوعي والسابجكتيفية.
32: Hesslow- أبحاث حول الآلات القادرة على محاكاة التفاعل الداخلي مع العالم الخارجي.
33: Jirenhed- باحث في نمذجة الأفعال الحركية والوعي الذاتي في الروبوتات.
34: Chrisley- مؤلف حول الظاهراتية التركيبية (Synthetic Phenomenology) في الذكاء الاصطناعي.
35: Parthemore- باحث مشارك في تطوير نماذج الوعي المرتكزة على التجربة الحسية–الحركية.
36: Synthetic Phenomenology- نموذج دمج التجربة الحسّيَّة – الحركية مع التصوُّر الداخليِّ لتقليد الوعي.
37: Kiverstein- طور فكرة “ديناميكيَّة الحسّيَّة – الحركيَّة” كأساس للوعي الاصطناعيّ.
38: Dynamic Sensory Motor (DSM)- نموذج يوضح أنَّ الحدَّ الأدنى من “السابجكتيفيَّة” يحتاج إلى ممارسة المهارات الحسّيَّة – الحركيَّة.
39: Comprehensive Self-Simulation- محاكاة شاملة للذات كأداة لخلق وعي ابتدائيٍّ في الآلة.
40: Bringsjord- ناقد حول غياب معايير صوريَّة واضحة للوعي الاصطناعيّ.
41: Torrance- ناقد يتحدَّث عن تقصير الباحثين في مراعاة المنظور الأول الشخصيِّ والتجربة الداخليَّة.
42: Total Turing Test (TTT)- نسخة موسَّعة من اختبار تورينج تتضمَّن القدرات الحسّيَّة – الحركيَّة والروبوتيَّة، لا يقتصر على السلوك الُّلغويِّ فقط.
43: Informal knowledge- المعرفة غير المنطقيَّة أو غير الصوريَّة.
44: Formal terms- المصطلحات الصوريَّة والمنطقيَّة الَّلازمة لتمثيل المعرفة في الحوسبة.
45: In principle- من حيث المبدأ أو النظريّ.
46: In practice- من حيث التطبيق العمليّ.
47: Rational agent- الوكيل العقلانيُّ، أي كيان يقوم بالتصرُّف لتحقيق أفضل النتائج وفقًا للأهداف والبيئة.
48: Aunt Bertha- تجربة فكريَّة تنتقد الافتراض السلوكيَّ في تحديد الذكاء.
49: Harnad- مؤكّد على أهميَّة القدرات الحسّيَّة – الحركيَّة للذكاء الاصطناعيّ.
50: Totally Turing Test (TTT)- النسخة الموسَّعة من اختبار تورينج التي تتطلَّب روبوتات قادرة على أداء المهامِّ في العالم الفيزيائيّ.
51: Symbol Manipulation- معالجة الرموز كعمليَّات حسابيَّة.
52: Syntactical- النحويُّ أو الصوريُّ للرموز، من دون النظر إلى المعنى.
53: Semantic- المعنويُّ أو الدلاليُّ، أي فهم المعنى الحقيقيِّ وراء الرموز.
في استدلال غرفة الصين، حاول إبراز أنَّ هناك حاجة إلى شيء أكثر من مجرَّد هذه العمليَّات لفهم الانتباه وإدراك المعنى.
بالطبع، العديد من الفلاسفة – بمن فيهم سيرل – الذين عارضوا ويعارضون إمكانيَّة الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ، لا يقاومون مبدأ ظهور التفكير والوعي بطريقة اصطناعيَّة. فما يعارضه سيرل من خلال مجرَّد البرمجة الرمزيَّة، أو ما يتجاوزها عبر النهج الحسابيِّ، هو الوصول إلى التفكير والوعي الآليّ. بينما بحسب قوله، قد يمكن إنشاء أدمغة اصطناعيَّة قادرة على التفكير وربما امتلاك المشاعر. ومع النٌّهُج الشائعة في الذكاء الاصطناعي، يبدو الوصول إلى مثل هذا الأفق بعيدًا. على سبيل المثال، لا يمكن إنكار إمكانيَّة إنتاج الوعي (والتجربة الظاهريَّة) كخاصيَّة ناشئة 54 من خلال رفض النهج الحسابيّ. فإذا كان الدماغ قادرًا على امتلاك الوعي كخاصيَّة ناشئة 55، فلماذا لا تستطيع ذلك المنتجات الأخرى التي تمَّت إعادة إنشائها بناءً على الشبكة العصبية الطبيعيَّة ؟
في الواقع، كان مؤيّدو النهج الحسابيِّ يريدون من خلال هذا التشابه – أنَّ الخلايا العصبيَّة تعمل أيضًا في حالة ثنائيَّة (إطلاق أو عدم إطلاق) – الوصول إلى نتيجة مفادها أنَّ الدماغ يجب أن يُنظر إليه بطريقة تشبه التعامل مع الأصفار والآحاد. فإذا كان يعمل في شكل رموز ثنائيَّة، فهو إذن كمبيوتر رقميّ. ولكنَّ الاختلاف الرئيسيَّ بين الخلايا العصبيَّة ورموز الكمبيوتر هو أنَّها تولد الوعي بطريقة سببيَّة وضمن آليَّات بيولوجيَّة محدَّدة، بينما الأصفار والآحاد مجرَّدة بالكامل، وقوَّتها السببيَّة الوحيدة هي القدرة على التنفيذ والتطبيق في العتاد لإنتاج المرحلة التالية من البرنامج. وفي الحقيقة، أنَّ تقليد إطلاق الخلايا العصبيَّة لا يضمن قدرتها على توليد الوعي .
يبقى القول أنَّ الخاصيَّة الناشئة في نظام ما هي خاصيَّة يمكن شرحها سببيًّا من خلال سلوك عناصر النظام، لكنَّها ليست أيَّ عنصر بمفرده، ولا يمكن تفسيرها كنتيجة لمجموع خصائص عناصر النظام. على سبيل المثال، سيولة الماء؛ سلوك الجزيئات يفسِّر السيولة، لكن كلّ جزيء على حدة ليس سائلًا . H2O
نحو محاكاة المنشأ الفسيولوجيّ
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الوعي في الذكاء الطبيعيِّ يتمُّ تمهيده عبر الخلايا العصبيَّة البيولوجيَّة. رغم أنَّ تحديد كيفيَّة هذا التمهيد أو التزامن 56 بين الوعي والمستوى العصبيِّ الفيزيولوجيِّ يبدو صعبًا جدًّا، ولا يزال – رغم الجهود والمشاريع العديدة – من الألغاز غير المحلولة في العلم، إلَّا أنَّ هذا الاختلاف بين الذكاء الطبيعيِّ والذكاء الاصطناعيِّ الحسابيِّ واضح ومؤكَّد، ففي نظام بيولوجيٍّ مشابه لعقلنا، يتمُّ تمهيد الوعي ضمن إطار من التشريح، الكيمياء والطاقة الكهربائيَّة. بينما تقوم الأنظمة الحسابيَّة بمعالجة البيانات المدخلة والمخرجات ضمن عمليَّة تجريديَّة لمعالجة المعلومات وتنظيمها لإعادة إنتاج العمليَّة المعرفيَّة.
لذلك، في التقدُّمات الحديثة في أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ – رغم استمرار استخدام المعادلات الرياضيَّة والإلكترونيَّة، وبرمجة وفق المنطق البشريّ – فإنَّ استبدال المكوِّنات البيولوجيَّة للوعي لدى الإنسان، مثل الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة بدلًا من الخلايا العصبيَّة البشريَّة، الطاقة الكهربائيَّة بدل العصبيَّة/الكيميائيَّة، DNA والمنطق الغامض المرن بدلًا من التعليمات الوظيفيَّة المستندة إلى البروتين، لا يزال يتمُّ استخدامه .
هذا الأمر يمثِّل نقطة تحوُّل مهمَّة بعد مفهومَيْ التجسيم والترابط؛ فالشبكة الاصطناعيَّة للروابط في هذا النهج أصبحت أكثر تقاربًا مع الفسيولوجيا البشريَّة، مع التركيز على محاكاة منشأ ظهور الوعي – أي الشبكة العصبيَّة الخلويَّة. من الواضح أنَّ هذه التحوُّلات تعني الاقتراب خطوة خطوة من النظام المنتج للوعي الطبيعيِّ، وتطرح احتمال ظهور بعض الخصائص الواعية بشكل اصطناعيّ، خصوصًا إذا اعتمدنا نظريَّة الحكمة المتعالية حول حدوث النفس الماديِّ والصفات النفسيَّة، التي تصف منشأً فسيولوجيًا لظهور الوعي، فلا يوجد سبب يمنع أن تظهر هذه الخصائص من شبكة عصبيَّة اصطناعيَّة مشابهة للشبكة الطبيعيَّة – مع معايير ومكوِّنات محدَّدة.
سبق أن أشرنا إلى أنَّ أحد أهمِّ الانتقادات لتعريفات واستراتيجيَّات بناء الذكاء الاصطناعيِّ هو تجاهل البعد الظاهريِّ للتجارب والمشاعر. بينما السلوك الذكيّ هو سلوك هدفه، ويصعب تخيُّل أيِّ فعل هدفه من دون أن يكون مرتبطًا ببعض المشاعر الممتعة أو المزعجة، الانفعالات، النشاط أو الاكتئاب، وما إلى ذلك. هذه الانفعالات تسمَّى – بحسب فلسفة ذهن معاصر ند بلاك – حالات واعية ظاهريَّة. بناءً عليه، يمكن القول أنَّ الذكاء الاصطناعيَّ يستلزم وعيًا ظاهرًا اصطناعيًّا. ولكن بما أنَّ النُّهُج السائدة للذكاء الاصطناعيِّ ليست موجَّهة لإنتاج هذا الوعي الظاهريّ، يمكن أن نشكِّك في نجاح هذه النهج.
معظم الباحثين في الذكاء الاصطناعيِّ إذا تمكَّنوا فقط من توفير ردود متناسبة مع الأهداف الوظيفيَّة سيكونون راضين. بينما الأهداف الوظيفيَّة لا تشمل كلَّ أبعاد الذكاء الاصطناعيِّ ومحاكاة الحيوان أو الإنسان. ما يجعل التجربة الظاهريَّة صعبة ومهمَّة هو المنظور الشخصيِّ والذاتيّ. بشكل أساسيّ، امتلاك التجارب الظاهريَّة في كائن حيٍّ يعني – بحسب توماس نيغل – أنّ هناك أشياء تمثِّل شعور وكون ذلك الكائن الحيّ… يمكننا تسميتها خصائص التجربة الذاتيَّة التي لا يمكن تفسيرها من خلال أيِّ تحليل تقليليٍّ حديث للظواهر العقليَّة، لأنَّها جميعًا منطقيًّا متوافقة مع فقدان هذه التجارب الظاهريَّة أيضًا .
مساران في مشروع وعي الآلة
اتَّبع مشروع وعي الآلة مسارين مختلفين: أحدهما استخدام الحسابات وإنشاء أدوات اصطناعيَّة لنمْذَجة الوعي، والآخر محاولة خلق الوعي عبر “السلوكيَّات والأداء” 57، والذي غالبًا ما يُسمَّى MMC .
هذا النهج الثاني يمكن اعتباره – مستلهمًا من سيرل في التفريق بين الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ والضعيف – آلية للوعي القويّ 58. حتى الآن، لم يكتشف الباحثون – مثل هسلو وجيرنهيد – أيَّ مكوِّن ضروريٍّ لتحقيق وعي كامل وأصيل للآلة، ويعتقدون أنَّه يكفي إضافة بعض التعقيد إلى طرق تصميم الأنظمة الحاليَّة. بينما معظم من ركَّزوا على مشروع الوعي القويِّ للآلة، يدعمون رؤية أكثر نظريَّة. من بينهم، استدلال كيوراستين 59 الذي يشير إلى تفاؤل شديد حول تحقيق وعي قوي للآلة .
على أيِّ حال، رغم كلِّ التقدُّم في الذكاء الاصطناعيِّ، يبدو أنَّنا لم نخطو بعد الخطوات الأولى نحو إنشاء وعي اصطناعيٍّ بمعنى التجربة الظاهريَّة، ولا نعرف أيَّ استراتيجيَّات أو مبادئ ينبغي اتِّباعها. تصميمات مهندسي الذكاء الاصطناعيِّ اليوم لها تطبيقات واسعة، مثل ألعاب الفيديو والرسوم المتحرِّكة الهوليوديَّة، أنظمة الخبراء، الألعاب الثلاثيَّة الأبعاد (الواقع الافتراضي)، ومحرِّكات البحث على الإنترنت مثل Google، ممَّا يوضح أنَّ هناك طيفًا من تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ غير المرئيَّة التي لا يعلم عنها معظم الناس شيئًا.
لكن، ماذا عن البعد النفسيِّ وليس الفنيّ؟ يجب تذكُّر أنَّ الذكاء الاصطناعيَّ القويَّ يطرح ادّعاء نفسيًّا مهمًّا حول البعد الظاهريِّ للوعي وإمكانيَّة إعادة إنتاجه اصطناعيًّا.
نلفت هنا إلى أنَّ أيًّا من النُّهج الأربعة الرئيسيَّة – التي نقلناها من راسل ونورفيج – لا يسعى لبناء وعي اصطناعيٍّ بمعناه الظاهريّ. محاكاة السلوك أو التفكير (العقلانيّ أو البشريّ) لها فجوة كبيرة مقارنة بمحاكاة التجربة الظاهريَّة، بينما أهمّ جانب من الذكاء هو هذا الوعي الظاهريّ، ومن دونه، حتى في أفضل الأحوال، نواجه مجرَّد “زومبي” يتصرَّف بشكل سليم. وإذا تمَّ دمج النهج الظاهريِّ في بناء الذكاء الاصطناعيِّ، ربَّما يمكن للنظريَّات الفلسفيَّة حول طبيعة الوعي وظهوره أن تفتح مسارات تقنيَّة جديدة أمام الباحثين.
الذكاء الاصطناعيُّ في محراب الحكمة المتعالية
بناءً على ما سبق، يتَّضح أنَّ كلَّ مقاربة – الرمزيَّة والترابطيَّة والتجسُّد – وإن كانت قد قدَّمت إنجازات عمليَّة ملموسة، وساهمت في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ، بقيت قاصرة عن معالجة البعد الفينومينولوجيِّ للوعي، أو ما يُسمَّى بالذكاء الاصطناعيِّ القويّ، أي ذاك الذي لا يكتفي بمحاكاة السلوك بل يمتلك وعيًا وتجربة ذاتيَّة حقيقيَّة. ومن هنا يخلص الكاتب إلى أنَّ حلَّ هذه المعضلة يتطلَّب مقاربة تتجاوز الأطر التجريبيَّة البحتة، وتستند إلى رؤية فلسفيَّة أعمق، وهنا يقترح العودة إلى مبادئ الحكمة المتعالية كما صاغها صدر الدين الشيرازيّ ، وربطها ببعض نتائج علوم الإدراك المعاصرة، على أساس أنَّ الوعي ليس مجرَّد نتاج للترابط العصبيِّ أو التمثيل الرمزيِّ، بل هو مرتبة وجوديَّة يمكن مقاربتها ضمن نظامٍ أنطولوجيٍّ أوسع، وهذا الطرح يتيح إمكانيَّة – ولو جزئيَّة – لبناء وعيٍّ اصطناعيٍّ يظهر فيه بعض أبعاد الخبرة الظاهريَّة لا بوصفها محاكاة فارغة بل كتحقُّق معقول ضمن حدود معيَّنة.
النتيجة أنَّ مسار الذكاء الاصطناعيِّ منذ بداياته حتى اليوم قد كشف عن ثلاث مقاربات رئيسيَّة: الأولى هي الكلاسيكيَّة الرمزيَّة التي اعتمدت على التمثيلات الصوريَّة والقواعد المنطقيَّة. والثانية هي الترابطيَّة التي اعتمدت على الشبكات العصبيَّة والأنماط الإحصائيَّة. والثالثة هي التجسيديَّة التي ربطت الإدراك بالجسد والتفاعل مع البيئة. وكلُّ واحدة من هذه المقاربات قدّمت حلولًا عمليَّة وأدوات تطبيقيَّة في مجالات مختلفة، لكنها جميعًا وقفت عاجزة أمام السؤال الجوهريِّ المتعلِّق بكيفيَّة نشوء الوعي الظاهريِّ والتجربة الداخليَّة، وهو ما يشكِّل الحدَّ الفاصل بين الذكاء الاصطناعيِّ الضعيف الذي يحاكي الوظائف، وبين الذكاء الاصطناعيِّ القويِّ الذي يطمح إلى وعي حقيقيّ. ومن هنا، فإنّ التقدُّم التقنيَّ مهما بلغ لن يكون كافيًا ما لم يقترن برؤية فلسفيَّة ومعرفيَّة قادرة على تفسير البعد الوجوديِّ للوعي. وفي هذا السياق يقدّم الكاتب اقتراحًا بدمج مبادئ الحكمة المتعالية مع مكتسبات علوم الإدراك الحديثة، بحيث تُفهم الظواهر العقليَّة ضمن سياق أنطولوجيٍّ شامل يفسِّر العلاقة بين الوجود والوعي والتمثُّل، وهذا المنظور يتيح تصوُّرًا لإمكانيَّة بناء وعي اصطناعيٍّ في بعض جوانبه على الأقلّ، ليس باعتباره نتيجة عرَضيَّة للعمليَّات الحسابيَّة بل كتحقُّق واقعيٍّ في مراتب معيَّنة من الوجود. وهكذا يُختتم البحث بالتأكيد على أنَّ الذكاء الاصطناعيَّ إذا أراد أن يخطو نحو مستوى الوعي الحقيقيِّ فلا بدَّ له من أن يستفيد من التكامل بين الفلسفة والحكمة والعلوم التجريبيَّة، لأنَّ أيَّ مقاربة أحاديَّة – سواء رمزيَّة أم ترابطيَّة أو تجسيديَّة – ستظلُّ ناقصة، بينما الفهم المتكامل وحده هو الذي قد يفتح الطريق أمام إمكان قيام وعي اصطناعيٍّ يحمل ملامح التجربة الذاتيَّة التي ميّزت الإنسان عبر التاريخ.
النفس عند الفلاسفة المسلمين قبل ملَّا صدرا كانت جوهرًا مجرَّدًا وروحانيًّا، بحسب ابن سينا، ولها حدوث وبقاءٌ روحانيّ. وهي في هذا المنظور، رغم تجرُّدها، حادثة؛ أي عندما تصل عناصر الجسم الطبيعيَّة (الجنين) إلى درجة اعتدال معيَّن، تنشأ النفس وتصبح لها.
إلَّا أنَّ القول بحدوث النفس الروحانيِّ واجه انتقادات، خصوصًا من الخواجة الطوسي وصدر المتألِّهين. فملَّا صدرا يؤكِّد أنَّ النفس، كونها شكل الجسم الطبيعيِّ ونوعًا من الماديَّات، لها حدوث مادّيٌّ في البداية. وبالتالي، اعتبر أنَّ الجسم هو سببها الماديُّ، ممَّا يخلق علاقة جوهريَّة بينهما. النفس لها مقامات ودرجات تبدأ من أدنى وأدنى المراتب الماديَّة وتتطوَّر تدريجيًّا. بعبارة أخرى، حدوث النفس ماديٌّ وجسديٌّ في البداية، ثمَّ مع الحركة الجوهريَّة يقبل الكمالات العليا ويصبح مجرَّدًا.
لذلك، فإنَّ النفوس البشريَّة عند صدرا ضمن صور مادّيَّة، وحدوثها ماديّ. وعلى مرِّ الزمن، وبعد الوصول إلى استعداد معيَّن في المادَّة، تتطوَّر وتصبح مجرَّدة، وهذه التجرُّدات لها درجات يمكن أن تتغيَّر بحسب الحركة الجوهريَّة.
النقطة المهمَّة هي أنَّه إذا كانت النفس وحالاتها الواعية لا تظهر كروح مجرَّدة منفصلة عن الجسم، بل على مستوى جنينيٍّ، وتتصاعد من المستوى العصبيِّ الفيزيولوجيِّ، فلا يوجد سبب مبدئيٌّ يمنع ظهورها من شبكات اصطناعيَّة معقَّدة ومماثلة. سبق أن أشرنا إلى الانتقادات الفلسفيَّة – مثل استدلال دريفوس حول الحسِّ العام واستدلال سيرل وبلوك – والتي تشير إلى أنَّ مجرَّد تشغيل برامج حسابيَّة أو الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة لا يكفي لتحقيق الوعي. لكن، وفقًا لسيرل نفسه، لا يناقض ذلك إمكانيَّة أن تكون الشبكات الاصطناعيَّة مصدرًا متافيزيقيًّا لظهور الوعي 60.
ويجدر القول أنَّ شبكات الأعصاب الاصطناعيَّة تجاوزت مجرَّد محاكاة إطلاق الإشارات الكهربائيَّة في المحاور العصبيَّة والتشابكات، ومع الروابط الحديثة، أصبحت أكثر تقاربًا مع الفسيولوجيا البشريَّة لمحاكاة منشأ ظهور الوعي – أي الشبكة العصبيَّة الخلويَّة .
ورغم محاكاة وبناء بدائل للشبكات العصبيَّة، الـDNA والطاقة الكهربائيَّة والعصبيَّة الكيميائيَّة والتجسيم، يظلُّ دور هذه العناصر البيولوجيَّة للذكاء الطبيعيِّ فريدًا وغير قابل للاستبدال، ولا نعرف كيف تسهم كلُّ واحدة في ظهور الوعي – إذا كانت نظريَّة الحكمة المتعالية صحيحة. وبالتالي، حتى أفضل شبكات الأعصاب الاصطناعيَّة قد لا تنتج الحالات الواعية والصفات النفسيَّة بالكمال والجودة الموجودة لدى الإنسان. ومع ذلك، وفق نظريَّة حدوث النفس الماديِّ، لا يمكن إنكار احتمال ظهور بعض مستويات الوعي الاصطناعيِّ وجوهر النفس. خصوصًا أنَّ النفس وفق صدرا لها درجات حركيَّة تشكيكيَّة واستكماليَّة، وقد تتحقَّق بعض المراتب الأولى اصطناعيًّا من خلال المحاكاة الحديثة.
قد يبدو أنَّ ظهورًا تدريجيًّا ومتدرِّجًا للوعي الطبيعيِّ يخلق غموضًا حول إنتاج الوعي الاصطناعيّ، لأنَّ الوعي، وفق نظريَّة صدرا، يظهر تدريجيًّا عبر حركة جوهريَّة، وليس فجأة مع توفير البنية الفيزيولوجيَّة. لكن هذا لا يمنع إمكانيَّة المحاكاة في المختبر، إذ يمكن إعادة إنتاج مراحل الحياة النباتيَّة، ثمَّ الحيوانيَّة، ثمَّ البشريَّة (مع درجات مختلفة من الشدَّة والضعف) كأساس لتطوير الوعي الاصطناعيّ.
الخلاصة
وفق ما ورد، يمكن للاهتمام بالجوانب الفلسفيَّة الأساسيَّة والتأمُّليَّة أن يحوِّل نهج إنتاج الذكاء الاصطناعيِّ وأهدافه وأفقه، وربَّما يوفِّر رؤى جديدة لتحسين العمليَّات التقنيَّة. وما تمَّ عرضه من انتقادات فلسفيَّة للنُّهُج السائدة، وما استُنبط من مبادئ الفلسفة الإسلاميَّة (خصوصًا الحكمة المتعالية)، قد يتيح تفاعلات ثنائيَّة الاتِّجاه بين الهندسة والفلسفة في الأوساط العلميَّة وصنع السياسات، ويفتح آفاقًا جديدة في المجالين الفنيِّ والنظريّ.
قائمة المصادر و المراجع
1- ابن سینا، حسین، 1383، رساله نفس، همدان، دانشگاه بوعلي.
2- صدرالمتألِّهین، محمد، 1382، الحاشیه علی الهیات شف، تصحیح نجفقلی حبیبی، تهران، بنیاد حکمت اسلامی صدرا.
1420 هـ.ق، الحکمه العرشیه، بیروت، مؤسسه التاریخ العربی.
3- Arkoudas, K., & Bringsjord, S., 2014, Philosophical foundations, In: Franklin, Keith & Ramsy, William (eds.), The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence, Cambridge University Press.
4- Block, N., 2007, Consciousness, Function, and Representation, The MIT Press.
5- Boden, M., 2014, GOFAI, In: Franklin, Keith & Ramsy, William (eds.), The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence, Cambridge University Press.
6- Chalmers, D., 1996, Does A Rock Implement Every Finite-State Automaton?, Synthese, 108, pp.309-333.
7- Clowes, R., & Torrance, S., & Chrisley, R., 2007, “Machine Consciousness, Embodiment and Imagination”, Journal of Consciousness Studies, 14, No. 7, pp. 9–13.
8- Dreyfus, H., 1999, What Computers Still Can’t Do, MIT Press.
9- Fodor, J., 1987, Psychosemantics: The Problem of Meaning in the Philosophy of Mind. Cambridge, MA: MIT Press.
10- Harnad, S. 1990, “The symbol grounding problem”, Physica D 42: 335–46.
11- Haugeland, J. 1985, Artificial Intelligence: The Very Idea, Cambridge, MA: MIT Press.
12- Kurtzweil, R., 1999, The Age of Spiritual Machines; When Computers Exceed Human Intelligence, Viking Adult.
13-Lungarella M. & Iida F. & Bongard J. & Pfeifer R., 2007, 50 Years of Artificial Intelligence, Springer.
14- Maynard-Smith, J., 2000, “The Concept of Information in Biology”, Philosophy of Science, 67, pp.177-194.
15- Nagel, T., 1974, “What is it like to be a bat?”, The Philosophical Review, Vol.83, No. 4., pp. 435-450.
16- Pagel, J. F. & Kirshtein, Philip, 2017, Machine Dreaming and Consciousness, Academic Press.
17- Robinson, W., 2014, Philosophical challenges, In: Franklin, Keith & Ramsy, William (eds.), The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence, Cambridge University Press.
18- Russell, S., & Norvig, P., 2010, Artificial Intelligence, A Modern Approach (3rd ed.), Prentice Hall.
19-Searle, J., 1980, “Minds, Brains, and Programs”, The Behavior and Brain Science, No. 3.
20- ———–, 1984, Minds, Brains, and Science, Cambridge, MA: Harvard University Press.
21- ———–, 1997, The Mystery of Consciousness, New York, NY: New York Review of Books.
22- Steels, L., 2007, “Fifty Years of AI; From Symbols to Embodiment – and Back”, in: Lungarella M. & Iida F. & Bongard J. & Pfeifer R. (eds.), 50 Years of Artificial Intelligence, Springer.
23- Sun, R., 2014, Connectionism and neural networks, In: Franklin, Keith & Ramsy, William (eds.), Cambridge Handbook of Artificial Intelligence, Cambridge University Press.
____________________________
*المصدر: العدد 14 من مجلة “علم المبدأ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى