دراسات وبحوث معمقة

ماهو سر إعجاز قوله تعالى:

ماهو سر إعجاز قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

في ضوء العلم الحديث ؟!

 

ماهر بقججي

 

 

 

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

تحمل هذه الآية الكريمة معنى عميقًا يتجاوز التصور البسيط للثبات، ليكشف عن حقيقة كونية شاملة، مفادها أن بقاء الكون واستمراره قائم على إمساكٍ إلهي دقيق، يشمل أدق مكونات الكون وأعظم بنيانه.

عند التأمل في لفظ «أن تزولا»، ندرك أن الزوال لا يقتصر على خراب ودمار السماوات أو سقوط الأجرام، بل يشمل الفناء والانعدام الكامل. فالزوال هنا هو انهيار نظام الوجود نفسه، من أصغر الذرات إلى أعظم المجرات. وهذا المعنى يفتح بابًا للتأمل في القوانين والقوى التي تحكم الكون، والتي لم يكتشفها الإنسان إلا في العصر الحديث.

لقد كشف العلم أن الكون مترابط بقوى دقيقة تحفظ تماسكه، ومن أبرزها القوى الكهرومغناطيسية، وهي القوة المسؤولة عن ترابط الذرات والجزيئات، وعن تشكل المادة كما نعرفها. فالإلكترونات تدور حول النواة بفضل هذه القوة، والذرات تتحد لتكوّن الجزيئات، والجزيئات تصنع المواد، ومن هذه المواد تتكون الأجسام والكائنات الحية وكل ما تراه أعيننا من زهور وطيور وبحار وجبال. ولو زالت القوى الممسكة بجسيمات الكون الدقيقة المكونة للذرات والمواد كالكواركات وزوال بالتالي البروتونات والنيوترونات والإلكترونات وهي التي تشكل المواد التي نراها بأعيننا المجردة فلو زالت أسس بناء المادة تلك البروتونات والنيوترونات والإلكترونات والتي لانراها بأقوى المجاهر الحديث .

وبالتالي زوال القوى الممسكة بتلك الجسيمات الدقيقة والتي صنعت المواد من حولنا يذهب كل شيء ويزول عن الوجود بسبب ذهاب كل جسيم مادة لوحده فلاوجود قوى تمسكه لتصنع المادة وتلصقها لكي تستطيع بالتالي أعيننا المجردة مشاهدتها وبالتالي يزول كل شيء بالكون ويتفتت. وزال الكون يعني لا كون ولاحياة .

إعجاز الآية يكمن في وصفها الدقيق لمعنى الزوال أي يختفي كل شيء. ولو تخيلنا على سبيل الفرض العلمي أن هذه القوة الكهرومغناطيسية اختفت، لما بقي شيء يمكن إدراكه أو رؤيته؛ إذ ستتفكك الذرات، وتنهار الجزيئات، وتختفي المادة ذاتها. عندها لا يعود للكون شكل ولا لون ولا وجود محسوس، ويكون قد زال بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهذا ينسجم بدقة مذهلة مع التعبير القرآني: ﴿أن تزولا﴾.

ولا يقتصر الإمساك الإلهي على القوى الدقيقة داخل الذرة، بل يشمل كذلك القوى الكبرى التي تحكم حركة الكواكب والمجرات، مثل الجاذبية التي تحفظ توازن الأجرام السماوية، وتمنع تصادمها أو تشتتها في الفضاء. وهكذا يتكامل المشهد: قوى دقيقة تمسك الذرة، وقوى عظيمة تمسك المجرة، وكلها تعمل في انسجام تام، لا يختل إلا بإذن الله.

إن الإعجاز في هذه الآية لا يكمن فقط في الإخبار عن حقيقة إمساك السماوات والأرض، بل في شمول هذا الإمساك لكل مستويات الوجود، وفي الإشارة إلى أن زوال الكون قد يحدث دون أن يُرى سقوط أو انهيار ظاهري، بل بمجرد اختفاء القوانين والقوى التي تحفظ تماسكه. وهو معنى لم يكن في مقدور البشر إدراكه زمن نزول القرآن، ولم يتضح إلا بعد تطور العلوم الفيزيائية الحديثة.

وهكذا يظل القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز، يفتح للإنسان أبواب التأمل في الكون، ويربط بين الإيمان والعلم، ليؤكد أن هذا النظام البديع لم ينشأ صدفة، ولم يستمر بذاته، بل هو قائم بإمساك الله وقدرته: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى