
إلتباسات المثنى بصدد استئناف القول في الغزالي وابن رشد
إلتباسات المثنى
بصدد استئناف القول في الغزالي وابن رشد*
د. محمود حيدر
مفكر وأستاذ في الفلسفة والإلهيات- لبنان
وجدتني بإزاء كتاب “ابن رشد وغزَّاليته الميكروفيزيائية”، عائداً للوهلة البَدئية إلى ما هو مشهود في مساجلات الفلسفة قديمها ومستحدثها. سوى أن ما يفتتحه الدكتور مفتاح حلاَّب من قول على الغزَّالي وابن رشد، هو أدنى إلى “المخاطرة المستأنفة” لفضاء مكتظّ بالإلتباس. والجائز القول ان يكون الخير في ما يقع مما تقترفه تلك المخاطرة. حتى إني تساءلت عن الذي يحول دون أن تتفتّح أبوابٌ يسري فيها الجدل على نشأة الحُسنِ الخلاَّق، ويستحق له الوئام بين عقلٍ لم تستكشف أطواره وامتداداته، ووحيٍ لم يصطبر العقل العَجول على تلقِّيه.
* * *
مواءمة العقل للوحي، والوحي للعقل، هو ذاك المقترفُ الحسنُ الذي تستحثنا هذه المخاطرة المعرفية على إمكانه والانعطاف نحو تسييل مبانيه. فلو كان من قولٍ يُرفع إلى منزلة التأسيس للمابعد في المقالة الفلسفية الإسلامية، لنظرناه في لقاء “أبو حامد الغزَّالي” و”أبو الوليد ابن رشد” كنقيضين يستويان في مجلس واحد. لكن الجدل الذي افتتحه صاحب “تهافت التهافت” بعد أَزَيد من سبعين سنة من رحيل الغزالي، سيُرسِّمُ في الأذهان صورة فيلسوفين يتساجلان حول خطبٍ جلل لم ينتهيا معه إلى أمرٍ، ولا هما ببالغيه. فلو قُدِّر لهما أن يلتقيا عيناً بعين ولساناً بلسان، ربما لاختُزِلت أزمنة مديدة من الاحتدام حول الخطب الجلل عينه. لكنهما مع ذلك سيُمسيان بعد برهة عنوانين كبيرين لوجهتين ستحكمان سيرورة وعيِنا مذّاك الحين حتى لحظتنا المعاصرة: وجهة “غزَّالية” مضت إلى الحكم بقصور العقل عن بلوغ حقيقة الوجود بمنأى من الوحي، ووجهة “رشدانية” ابتنت على العقل البرهاني قدرتُه على درك الحقيقة من دون ان تتعارض براهينه مع الوحي.
لم ينتهِ الجدل بعد، بين الغزَّالي وابن رشد. بل هو لمَّا يزل سارياً في فضاء الاحتدام المرير بين العقل الفلسفي والوحي الديني. وكما سنرى في المكتوب الذي نقدم له، أن الغزالي وابن رشد يؤلفان نموذجين متباينين في النظر إلى ديالكتيك الصلة بين العقل القيَّاس والشهود العقلي للحقيقة الوحيانية. وللبيان الزائد نشير إلى أن العقل القيَّاس ضروري لدى الغزَّالي لكنه ليس المرجع الأخير، وأن ثمة مستويات من الحقيقة تجاوز قدرته على متاخمة الحقائق المستترة التي تستدعي الامتداد نحو المعرفة المابعدية، مقرونة بالخبرة الروحية. من هذا النحو سيُرتِّب الغزَّالي أفعال العقل على خمسة:
أولاً: العقل ضروري في معرفة العالم وفي الاستدلال على وجود الله.
ثانياً: العقل قادر على إدراك الأوسع من الحقائق، لكنه ليس مطلق القدرة.
ثالثاً: في القضايا الميتافيزيقية العليا (كحقيقة المعاد أو صفات الله أو أسرار الوجود)، العقل وحده غير كافٍ لإحراز المعرفة اليقينية الآمنة.
رابعاً: الوحي يتقدم على العقل عندما يعجز العقل عن الإحاطة بالحقيقة.
خامساً: العرفان الصوفي بجناحيه، العملي والنظري يشكل أساساً لترقي العقل وامتداده نحو معرفة فائقة بالوجود يقترن فيها البرهان العقلي مع الكشف العرفاني مع الوحي القرآني.
لم يختلف الرجلان على الحقيقة، بل الراجح على العبارة التي اعتمدها كلٌ من طرفه على تظهير الحقيقة كأنها الرابط الخفيِّ بين ضدَّين يحتدمان في حضرة المثنى. وقد اتخذ كلٌ منهما لسانه المخصوص.
على نصاب المثنى الجامع بين الاثنين سنرى كيف اتفقا على ماهية الحقيقة، وكيف اعتركا على الوعاء الذي ينبغي أن تقيم فيه. سوف يتولى ابن رشد دربة المشَّائين الإغريق، وسعى ليخرجها مخرجاً وحيانياً. ثم راح يؤكد أن العقل البرهاني قادر على بلوغ الحقيقة، وأن الوحي الحق لا يمكن أن يناقض البرهان الصحيح.
اللَّافت الأعمق غوراً في ما شهده المثنى من جدال منذ “تهافت الفلاسفة” إلى “تهافت التهافت”، لا يكمن في ماهية الحقيقة ذاتها، إنما في تصور كل منهما لطبيعتها. فالغزَّالي يميل إلى اعتبار الحقيقة النهائية مجاوزة لقدرة العقل البرهاني، بينما يرى ابن رشد أنها واحدة، ولأنها كذلك، فلا مناص من أن تكون قابلة للبرهنة العقلية لو استُعمل العقل استعمالًا صحيحًا.
ولعل هذا ما ولَّد وعياً نقائضياً لدى الجمهور الَّلاحق، فجعل من الغزَّالي ذروة النقد الإسلامي للفلسفة المشائية، في حين مثّل ابن رشد ذروة الدفاع عن العقل البرهاني ينسخته الأرسطية. ومن هذا التوتر الخلّاق سينشأ واحد من أهم النقاشات في تاريخ الفكر الإسلامي حول حدود العقل وإمكاناته وعلاقته بالوحي والميتافيزيقا.
* * *
ونحن نستطلع مذهب الدكتور مفتاح حلاَّب في نقديته المقارنة سيكون لنا أن نمضي في التحقيق لكي نعثر على المنطقة المعرفية التي جمعت ابن رشد والغزَّالي لاستجلاء ماهية التوحيد كأطروحة “أنطو-وحيانية”. وإذا كان من تعيين لمحل النزاع بين الرجلين، فإنا نميل إلى موضعته على حد الوصل والفصل بين العقل والوحي. على أن محل المنازعة هذا هو عين ما حطَّ عليه نظرُ الفلسفة رحاله الأول. لكن الواقعة الفلسفية بين الغزَّالي وابن رشد ستتخذ سيريَّة انعطافية في تار يخ الميتافيزيقا الإسلامية. وإذا كان لنا أن نستقرئ الماهية الأنطولوجية والمعرفية لتلك الواقعة، ربما لألفينا معالمها في وجوب التمييز والوصل بين العقل البرهاني على الله لدى ابن رشد، والعقل الوحياني – البرهاني لدى الغزالي.
الملامح الإجمالية لمقاصد الدكتور حلاَّب في ما ذهب إليه: تتعدى المألوف من المقاربات الانتقادية لثنائية الغزَّالي /ابن رشد. والبيِّن انها تروم تظهير سياق ميتافيزيقي مفارق عنوانه الأظهر ضبط الفارق الجوهري بين إله الفلسفة كما وَفَد إلينا من الإغريق، والله الموحي كما يُعبّرُ عنه في الإسلام. من ذلك، ستفتح كتابته على شأن جلل مكث طويلاً على هامش القول الفلسفي في الثقافة العربية والإسلامية. أعني بها ما يشي بضرورة التمييز بين وثنيَّة “الُّلوغوس” اليوناني والتوحيد الوحيانيّ القرآني. وما ذاك في تقديري إلا لاستظهار مكانة العقل عبر إقامتها على نصاب مفارق للذي تعوَّدت عليه الحكاية الفلسفية العربية المعاصرة. وهكذا كان القصد على غالب الظن، حين عقد تلك المخاطرة بين نديَّن تاريخيين في عالم الفلسفة الإسلامية. من هذه المنزلة بالذات، تبتدئ إرهاصات هجرة عقليَّة مشرَّعة الآفاق الدربة الغزالية على الإنتقال من ضيق الفلسفة كعقلٍ أدنى إلى سِعة الوحي. كعقلٍ أعلى. بعبارة أبيَن: يصبح المنتقل قادرًا على التمييز بين توحيد الله وتنزيهه وبين توحيد الوجود المخلوق كنتيجة لتوحيد الخالق. وذلك من أخصِّ المسائل التي تواجه الميتافيزيقا الوحيانية في مساعيها لحلِّ أعقد المعضلات الوجوديَّة وأكثرها دقَّة في المعارف الإلهيَّة. نعني بذلك التمييز بين الله الخالق المدبِّر، والمخلوق المعتنىَ به من خالِقِه والخاضع لقوانينه وسُنَنِهِ. فما دام اشتغال الفكر يدور مدار فضاءٍ ميتافيزيقيٍّ مسكونٍ بطغيان المفاهيم، سيتعذَّر الوصول إلى حقيقة التوحيد. لهذا، كان الغزالي متنبِّهاً – بما هو فيلسوف ديني – إلى هذه الفاصلة الدقيقة من المعرفة، ليوضح أنَّ الله ليس مقولة من مقولات الفلسفة، ولا مفهومًا كسائر المفاهيم. ثمَّ إنَّ إحاطته بحكاية الفلسفة بيَّنت له حقيقة أنَّ الإغريق استغرقوا بلعبة المفاهيم حتى صار كلُّ قول في الإله مجرَّد تصوُّر محض من تصوُّرات الذِّهن البشريّ. ومع أنه يقطع مسافات موصوفة في مباحث الاستدلال، ويأخذ بما تمليه مقتضيات العقل النظريِّ ومبادئ المنطق من أجل التعرُّف على الكون، فقد شاء ذلك كوساطة ضروريَّة لفهم الإخبار الإلهيِّ عن سببيَّة وجود الموجودات. لأجل هذا تنأى الميتافيزيقا الوحيانية، بما هي فلسفة إلهية، من التعقيد لتتَّخذ من البساطة دربة لها ومنهجًا. وأميل إلى الاعتقاد أن الدكتور حلاَّب – وبحسب ما استبطنه في مكتوبه – لن يكتفي بمجرد التفريق بين مقاصد الغزالي ومرامي ابن رشد، وإنما سيمضي إلى ما بعد ذلك، ليفتح باب الاجتهاد وليقترح بناء شبكة معرفيَّة تربط العقل الفلسفيِّ المعاصر بمُسلَّمة الوحي كما سبق لأبي حامد أن فعل. وأخاله في هذا المورد سيكون حريصاً على تنظير ما تنطوي عليه المنظومة الغزالية من تأصيلات لمراتب التعقُّل، ولا سيما لجهة أن مساحة الإدراكات العقليَّة لا تحدُّ بحدٍّ، وإنما تشمل المعارف الدينيَّة كلها. وعلى هذا الأساس، فإنَّ أسُس الدين تكون وفقاً لتأصيلاته، قابلة للإدراك بوساطة العقل الفلسفيّ الساري في امتداداته باتجاه العقل القدسي. ذلك بأن العقل بنسخته الامتدادية نحو القدسي قادر على معرفة الوجود في اعتلائه واستثاره بقدر سعته مما يتلقى من معارف الوحي. والنتيجة هي أنَّ العقل في ضوء بعض المقدِّمات حاكمٌ على المعرفة الدينيَّة، ومتقدِّمٌ عليها. بل مضى إلى أبعد من ذلك ليقول بنظريَّة بـ “كفاية العقل” باعتبارها الأصل الذي ينبغي أن يعتمدها الرَّاسخون في العلم.
أجدني هنا تلقاء قضية حظيت باعتناءات الغزالي وابن رشد وكلٌ على سجيَّته وبحسّبٍه ومقداره. مفاد هذه القضية أننا من خلال مواصلة عمليَّة الاستعانة بالقضايا اليقينيَّة في القياس نستطيع الوصول إلى نتائج يقينيَّة أخرى. ومع ان هذا الطريق شائع ومعروف في النشاط الفلسفيِّ العامّ، إلا أن الغزالي شق سبيلاً مفارقاً يمكن الاستفادة من “الشهود” أيضًا في تجديد وتطوير القول الفلسفيّ. من أجل ذلك يذهب علماء الإلهيَّات المعاصرون إلى أنَّ الشهود لا ينحصر بالشهود الحسّيِّ، سواء الحسّ الظاهر أم الحسّ الباطن، بل ثمَّة “الشهود العقليُّ” وفوقه الشهود القلبيُّ أيضًا. والجدير بالالتفات أنَّ “الشهود القلبيّ”، يُطلق على كلِّ شهودٍ يرتفع فوق حدود العقل. هنا، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنواع من الشهود هي: الحسّيّ، والعقليّ، والقلبيّ. وبقبول هذه النقطة ينفتح الباب أمام دخول الشهود إلى عالم الفلسفة وبيان حجِّيَّته وقيمته المعرفيَّة.
* * *
يحضرني في هذا المقام التنظير الذي أنشأه صاحب الفتوحات حول ماهية العقل ووظيفته، وكذلك لجهة تمييزه بين العقل المستغرق في دنيا المقولات العشر، وذاك العقل الممتد الى ما بعد ذاته. كان الشيخ ابن عربي يرى – بما يقترب كثيراً من الغزالي وابن رشد وإن على تفاوت بينهما – أن للعقل صورتين يتخذهما وهما يمارس بنشاطه المعرفي: صورة فاعلة، يكون فيها العقل مرادفًا للـ “فكر”، أي للقياس والممارسات الاستدلالية والحدِّية بصفة عامة، وصورة منفعلة، يتخذ فيها العقل معنى المكان، أي مكان قبول المعارف الآتية إليه إما من الله، أو من الفكر، أو من القلب. يوجِّه ابن عربي نقده العنيف فقط لصورة العقل بمعناه الفكري، ويرصد اقترافه لثلاثة عيوب أساسية هي: عيب التقليد، وعيب التقييد، ثم عيب الموضوعية والحياد.
العيب الأول: عيب التقليد: إذا نظرنا إلى الكيفية التي يحصل بها العقل في منزلته الظواهرية على معطياته المعرفية، نجده لا يستطيع أن يدرك بنفسه لا الظواهر الخارجية ولا المعاني الغيبية، وإنما هو يقوم بذلك بالواسطة، عن طريق الاستدلال والحد، سواء على صعيد الطبيعة أو على صعيد ما بعد الطبيعة. فبالنسبة لظواهر الطبيعة، كالألوان مثلاً، أو أسرار الذات والأسماء الإلهية، يبدو العقل عاجزًا أن يقف عليها بنفسه ومباشرة[1]. وعن افتقار العقل إزاء غيره يقول ابن عربي: “إن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وإن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول”. فـالعقل مقلِّد،-حسب ابن عربي- ولهذا اتصف بالخطأ”. أما الصفات والأسماء والذات الإلهية فلا يمكن أن يدركها الإنسان إلا بالقلب والبصيرة. هكذا يبدو العقل غير مستقل بنفسه بالنسبة لموارده المعرفية، سواء إزاء الحواس والخيال أو إزاء القلب. من هنا جاء افتقارُه وتبعيَّته لغيره: ثم ينتهي ابن عربي إلى القول، بأنه إذا كان لا مناص من التقليد، فلنقلِّد الخبر؛ فهو أولى من تقليد العقل، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمعرفة الذات الإلهية، التي يتكفل الله نفسه بالإخبار عنها. والمعني بالخبر هنا هو ما يحاكي النبأ الإلهي وفصل الخطاب في تفهيم حقيقة الوجود والموجود في مبدإه ومنتهاه. فإذا كان الخبر بهذه المثابة، فقبوله من ربِّه لما يخبر به عن نفسه تعالى أوْلى من قبوله من فكره – وقد عرف أن فكره مقلِّد لخياله، وأن خياله مقلِّد لحواسه؛ ومع تقليده، فهو غير قوي على إمساك ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوة الحافظة والمدركة… فتقليد الحق أوْلىَ”. ويضيف: “… فيعرف الأمور كلَّها بالله، ويعرف الله بالله؛ إذ لا بدَّ من التقليد. وإذا عرفتَ الله بالله، والأمور كلَّها بالله، لم يدخل عليك في ذلك جهل ولا شبهة ولا شك ولا ريب”. “فقلِّد ربك؛ إذ لا بدَّ من التقليد، ولا تقلِّد عقلك في تأويله، واصرف علمه إلى قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم كما هو. فحينئذٍ تكون عارفًا، وتلك المعرفة المطلوبة والعلم الصحيح”.[الفتوحات:290].
– العيب الثاني: هو عيب الحصر والتقييد، ويتجلَّى في أرقى وسائله عبر البحث عن الحقيقة والتعبير عنها، وهما الحد والبرهان. ذلك أنه لمَّا كانت نظرية الحدِّ تنطلق من اعتبار أنه لا يوجد للشيء الواحد إلا حد واحد، بحكم حيازته لماهية واحدة فقط، وأن هذه الماهية محصورة في مقوِّمَين اثنين فقط، هما جنسها القريب وفصلها الذي يميزها داخل هذا الجنس عن بقية الماهيات، فإن حدَّ ذات الشيء معناه، في نظر ابن عربي، إعطاء صورة فقيرة عنها، لأنه يستبعد كلَّ الصفات الأخرى التي تتحلَّى بها الذات، ما خلا الصفتين اللتين يُعتَقَد أنهما أساسيتان. ويظهر عيب التقييد بكيفية سافرة وغير مقبولة عندما يتطاول العقل على الذات الإلهية التي هي، بالتعريف، غير قابلة للحدِّ والتقييد، ولو كان تقييد إطلاق. لكن ليس معنى هذا أن ابن عربي يتخذ موقفًا لاأدريًّا من الذات الإلهية؛ بل إنه يقترح بديلاً للوقوف على غناها وقابليتها للتحلِّي بصور لامتناهية، هو طريق القلب، لأنه مكان يَسَعُ كلَّ شيء، ولأنه لا يقيِّد ولا يحصر، بل يحيط بكلِّ الصور في تقلُّبها وتواردها المستمر على الذات. [الفتوحات 2 – ص 661].
–أما العيب الثالث للعقل البرهاني، فيتمثَّل بنظر ابن عربي، في ادِّعائه القدرة على الوصول إلى معرفة موضوعية ومحايدة تصمد أمام تحولات التاريخ، وتتعالى عن صراع الآراء وتَطاحُن المعتقدات. بل يذهب الشيخ الأكبر إلى القول بأن كلَّ معرفة مشروطة بذات ما، وبوضع معرفي وتاريخي معين؛ ولا يمكن القول أبدًا بحقيقة خارجة عن مُدرِكها وفاعلها الذاتي والموضوعي. ومما يدل على ذلك أن المبادئ الأولى التي يستند إليها العقل في عملياته المعرفية، كمبدأ الذاتية وعدم التناقض والثالث المرفوع والسببية إلخ، ليست في مأمن من الخطأ والضلال. ولعل اختلاف أهل الفكر والنظر فيما بينهم خير دليل على أن عدم صحة دعوى موضوعية وثبات المعرفة العقلية، في مقابل أهل الكشف والوجود من الأنبياء والأولياء، الذين لا نجد أيَّ أثر للخلاف والصراع فيما بينهم؛ بل كلُّ واحد منهم يؤيِّد كلام السابقين عليه. وبهذه الجهة يكون شيخ مرسية أقرب إلى الإيمان بأن طريق الاتفاق والتسليم والتقليد أوْلَى وأسلَم للوصول إلى العرفان الحقِّ من الخلاف والصراع والابتداع[محمد المصباحي- ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة].
* * *
يميل المشتغلون في العرفان النظري إلى أن البحث في النص المقدس ومجمل الموضوع الخارجي – المسلّم به – يمثل حاجة عقلية. وهذه الحاجة تبيِّن أن العقل لا يقبل وجود مفارقة وتناقض في الموضوع المبحوث، وكل مفارقة يجدها ستعبّر لديه عن خطأ محتم، فإما ان يكون الخطأ راجعًا إلى الموضوع، أو هو عائدٌ إلى اكتشاف العقل ذاته؛ وبالتالي كان لا بد من البحث عن الاتساق الذاتي وإبعاد المفارقة. وهنا يطالعنا السؤال كالتالي: لماذا لا يقنع العقل بالمفارقات والتناقضات، ومنها تلك المتعلقة بالموضوع الخارجي إذا ما كان من المسلمات المفترض صحتها، كالواقع الموضوعي والنص المقدس؟ الجواب يقدمه البعض على ذلك يرى أن العقل لا يحتمل اطلاقًا أن تكون هناك مفارقة في الموضوع الثابت التصديق، لا سيما تلك المتعلقة بالتناقض. فهو يرى أن نفي التناقض من الحقائق يعد من الضرورات (العقلية)، وأي سياق معرفي يحمل المفارقة يعد سياقًا كاذبًا، أو أنه يتضمن المضمون الكاذب. وهنا لا بد من إبراز الفارق – في الموضوع الخارجي – بين النص من جهة، والواقع والوجود من جهة ثانية. فلكون النص يتضمن تكوينًا معرفيًا فإن حمله للمفارقة تفضي إلى تكذيبه؛ ما لم يحتمل التأويل لإبعادها. في حين إن حمل الواقع أو الوجود للمفارقة لا تفضي إلى تكذيبه؛ ذلك بأنه ليس من الأمور المعرفية التي يجري عليها التصديق والتكذيب. أما لو ثبت أن هناك مفارقة في الواقع أو الوجود فعلًا؛ فسيضطر العقل إلى التسليم بها، وإن كان العقل من الناحية العملية سوف يستعين في مثل هذه الحالة بسلاح التأويل لإبعادها. وإذن فهو لا يتوقف عن الإعتقاد بنفي التناقض والمفارقة عن الواقع والوجود طبقًا للضرورة الوجدانية. أي أن الكشف الذي يمارسه العقل في هذه الحالة ليس من نوع الكشف المنطقي، بل هو كشف وجداني[محمد، يحيي – علم منهج الفهم الديني – ص 365].
لا يراودني شك أن قامتين مؤسستين للفلسفة كالغزَّالي وابن رشد قد غاب عن أحدهما إدراك البديهيات التي يستند العقل إليها لفهم قضايا الوجود. إلا أن الفجوة المعرفية التي اقترفاها وأطلقت هذه الثنائية النقائضية بين العقل والوحي، هي تلك التي أهمٍل فيها البحث في ماهية العقل نفسه. أي العقل بما هو فعل تعقّل للوجود أنّى تنوَّعت أو تعدَّدت أطواره ومنازله. ربما علينا ان نحيل هنا – وعلى قبيل التأصيل المنهجي – إلى جملة مسلَّمات يتخذها العقل دربة له في فهم الوجود ومفارقاته.
أولًا: المسلمات المنطقية: وفيها إن العقل يكشف بذاته عن إبعاد المفارقات في قضاياه المنطقية والعقلية، لأن كل إعتقاد بمصداقية المفارقة بمعنى التناقض؛ سوف يجر إلى سائر القضايا العقلية، فتكون المعرفة بذلك مستحيلة.
ثانياً: المسلمات الميتافيزيقية: وفيها إن العقل يبعدها عن المفارقة وإن لم يمتلك دليلًا على ذلك. فمثلًا بامكان العقل أن يستبعد الإعتقاد القائل بأن وراء هذا العالم آخرة تنتظر البشر، وانه في الوقت ذاته لا توجد آخرة وراء هذا العالم. فالعقل في هذه الحالة يرى من البداهة إما أن تكون هناك آخرة وراء هذا العالم أو لا تكون، ولا يمكن الجمع بين الإعتقادين. لكن هذه البداهة غير خاضعة للدليل والبرهان.
ثالثاً: المسلمات التجريبية والحسيِّة: وفيها إن العقل بإمكانه أن يكشف عن صدق ما يعتقده من نفي التناقضات. فمثلًا لو أن شخصًا أخبرنا بأن زيدًا الذي نعرفه قد مات بالأمس، وأنه في الوقت نفسه لم يزل حيًا، ففي هذه الحالة يكون بالإمكان تكذيب هذا الإعتقاد من خلال الكشف عن أن زيدًا إما أن يكون قد مات فعلًا فهو ليس بحيِّ، أو العكس.
رابعاً: المسلمات الواقعية: وفيها إن العقل يستبعد مفارقات الواقع، وهو وإن لم يمتلك الدليل على تعميم هذا الاستبعاد، لكنه يجعل منه مجالًا للتحدي. وتعد هذه المسلمات الوحيدة التي تنطوي على التحدي. ولو ظهر للعقل أن الواقع يتصف بالتناقض والمفارقات، فسيكون من الصعب على العقل ان يذعن لهذا الظهور، لذلك نقدّر بأن أول فعل يتخذه هو تأويل الواقع بما يبعد المفارقة عنه. أما لو تبين أن الواقع يحمل – فعلًا وحقيقة – التناقضات وأصبح العقل عاجزًا عن تقديم التأويلات – وهو ما لا يمكن توقعه – فعندئذ سوف يذعن لهذا الأمر مضطرًا، وتصبح التصورات العقلية الأولى عن الواقع تصورات خاطئة.
لكن لو سلمنا بمنطق مفارقة الواقع، لكان ذلك يتيح تقديم إحتمال مبرر لامكانية اتصاف العالم الميتافيزيقي المجرد بالمفارقات. أما المسلمات المنطقية فستبقى بحسب النظر العقلي نائية ومصونة عنها، باعتبار أن ذلك يفضي – كما قلنا – إلى استحالة المعرفة أو انهيارها كليًا. في حين سيكون النص المتصف بالمفارقات نصًا كاذبًا لدى العقل إن تعذّر إنقاذه عبر التأويلات التي تعيد له اتساقه وتنأى به عن هذه التناقضات.
* * *
في مسعى الدكتور حلاَّب إشارات قاصدة استنتجها من دربة اللقاء الضدِّي ولكن على مبدأ المثنى بين الغزالي وابن رشد، وهي أنَّ الفلسفة – بما هي بالأصل سؤال وجود وموجود وما وراء الكون الظاهر- يمكن أن تنال حظَّها من علم الوحي لو هي توفَّرت على شروط الارتقاء إلى ميتافيزيقا ناظرة بالخلق الأول ومتبصِّرة فيه. فالمعرفة التي سدَّدها الإيمان، واستتبَّ شأنُها به، لا تقطع الصِّلة بعالم المفاهيم، بل هي تتوسَّط هذا العالم (من واسطة) بغية الوصول إلى المعرفة العالية بالمبدأ. ما كان للمفاهيم لها أن تولد إلَّا لأنَّ العقل المدرِك استخرجها من عوالم الإمكان والواقع التي هي محل عناية التدبير الإلهيّ. في مقام إدراك كهذا، قد يُفتح للمعرفة المسددة بالإيمان أن ترى بوعي المتدبِّر تاريخيَّة الدين ووحيانيَّته سواءً بسواء. لذا جاء تسييل هذا الطور من الميتافيزيقا قصد تصويب خللٍ تكوينيٍّ غَشِيَ الفلسفةَ الأولى، ثمَّ سرى من بعدها إلى سائر الفلسفات الَّلاحقة. ولأنَّ التصويب الذي نحسبه ليس مجرَّد إصلاح لخللٍ أنطولوجيٍّ عارضٍ، فإنَّه في مهمَّته الجوهريَّة فعلٌ معرفيٌّ عزيزٌ له صلة وطيدة بالغاية الأصليَّة للفلسفة. الأمر الذي يفترض فحصًا استرجاعيًّا لمجمل الاختلالات التي عصفت بالهيكل الأنطولوجيِّ للوعي الفلسفي على امتداد عشرات القرون. نرانا هنا، بإزاء فهم مخصوصٍ لفكرة “المابعد” جَاَزَ أن نقدِّمها بـ “المعرفة البَعديَّة الفائقة”. من سمات هذه المعرفة – ذات الصفة المتفوِّقة- تساميها على مفاهيم الَّلحظة العابرة، وتراحمها في الوقت نفسه مع هذه المفاهيم تبعًا لشروط ظهورها وظروف إقامتها في ساحة المعرفة. ولكونها “بَعديَّة” ساعية إلى إنبات زرعٍ جديد في أرض الميتافيزيقا، فإنَّها لا تكتفي بالسؤال حين تسأل، وإذا أجابت أتى جوابها على غير عَجَلة، ولو طلبت المعرفة كانت على دراية من أنَّ الأشياء والأفكار تُعرف بأضدادها. وفوق ذلك، انها “بَعديَّة” مدرِكة أنَّ السير باتِّجاه مستحدثٍ معرفيٍّ مجاوزٍ لفلسفة الدين بصيغتها الحداثية هو سيرٌ غير موقوف على النقد وبيان العيوب وحسب، بل هو أيضًا حفرٌ معرفيٌّ يقوِّضُ ما تراكم من أعطال كانت سببًا في تشيُّوء الفكر الفلسفيِّ. من أجل ذلك، تأبى البعديَّة الفائقة مفارقة مفاهيم العقل الأدنى ومقولاته، بل تحتويها لتغدو مرتبة فهم دنيا ضمن هرمها المتعدِّد المراتب. مع السياق الانتقاديُّ التقويضيُّ ذاك، وبالتلازم معه، تشقُ العمليَّة المعرفيَّة سبيلها نحو رؤية توحيديَّة جامعة بين الغيب والواقع. ما يومئ إلى ولادة دربة مستحدثة للتفكير لا تُدركُ آليَّات عملها إلَّا بمنهج جاوز المألوف وقام على لقاء الأضداد وتناغمها. لكن هو كيف للفاعل الفلسفيِّ والناظر الدينيِّ أن يستويا على أرض واحدة ونصاب مشترك؟
* * *
نحن إذًا، في محضرٍ من الضدِّيَّة الخلَّاقة التي حكمت بنية السجال بين ابن رشد والغزالي، والتي سيكون بإمكانها المؤالفة بين الفاعل والناظر بوصف كونهما ضدِّيَّة تكامل وانسجام لا ضدِّيَّة نزاع وتناقض. فقد يطلق على الشيء أنَّه ضدُّ شيءٍ إذا كان مباينًا له، أمَّا التناقض فيدلُّ على أنَّ الشيء لا يمكن أن يكون حقًّا وباطلًا في الحال نفسه. وقد تتعدَّد أضداد الشيء إلَّا أنَّ نقيضه يبقى واحدًا. أما الضدَّانيَّة بصيغتها الخلَّاقة فهي أقرب حالًا إلى زوجيَّة المثنَّى التي لا تقبل الانفصال. تلك الزوجيَّة التي يعمل كلُّ شيء فيها وفقًا لقانون التكامل والوحدة. وبهذا المعنى تصبح الضدَّانيَّة بما هي “زوجيَّة المثنَّى”، عروة وثقى توصلُ ظواهر تبدو للعيان أنَّها منفصلة، إلَّا أنَّها -على الحقيقة- موصولة بين طرفيها بحبل متين. لذا سنرى لاحقًا كيف يتماهى منطق الميتافيزيقا البَعديَّة في التعامل مع المتناقضات والضدِّيَّات، مع ما نجده في إخبارات الوحي، وهذا المنطق إذا أخذ على ظاهره سوف يتبدَّى للناظر على غير انسجام مع القوانين والقوالب المتداولة في التفكير، بل وينقض قواعد المنطق التقليديِّ بشكل صريح.
ولمَّا أن كان همُّ الحكمة الغزالية والفلسفة الرشد معرفة المبدأ، والتعرُّف إلى العلل الأولى ومساءلتها عن موجِبِها الأول، كان السؤال المتأتِّي من حَيْرتها العظمى بحقيقة الوجود هو أوجَبَ واجباتها لمعرفة الوجود الأشرف. وعند هذه البديهية سيقع الاختلاف الذي سيمسي خلافاً بين أبي الوليد وأبي حامد. فلئن كان الأول أوقف مشروعه على إعادة تشكيل الفلسفة الأولى وشرحها، فسيمضي الثاني إلى منهاجيَّة مركّبة تقوم على طيف من المقتضيات:
المقتضى الأوَّل: أنَّ الفلسفة ضرورة، كوساطة إدراك عقليَّة لفهم ظواهر الوجود، وما انبسطت عليه من سُنَنٍ وقوانين. إلَّا أنَّها في الآن عينه علمٌ وسائطيٌّ يترصَّد الوجود بالاستدلال والبرهان.
المقتضى الثَّاني: الوحي – بوصف كونه أساسًا للمعرفة “المابعديَّة”- يأتينا بالخبر اليقين.
المقتضى الثَّالث: الطريق إلى معرفة المبدأ والمآل، هو سيرورة مركَّبة يتضافر فيها العقل والوحي والفطرة، لينتج السير في هذا الطريق علمًا حضوريًّا مسدَّدًا بالكشف والشهود.
المقتضى الرَّابع: الوحي تمامُ العقل ونقيض الجاهليَّة، والدين الخاتم هو ثمرة الحكمة البالغة وبيانها الجَليِّ. وبناءً عليه، يصير التعرُّف على هذه الحقيقة وسيرورتها في تاريخ الإنسان، مبتدأ كمال العقل وصيرورة الإنسان الكامل.
ولتوسيع مساحة النظر في الميتافيزيقا الوحيانية نقول إنَّها فلسفة دينيَّة تتعالى عن الاكتفاء بدنيوة الوجود، وترى إلى الشأن الدينيِّ كحقيقة أصيلة في الواقع التاريخيّ. فإذا كانت فلسفة الدين قد عيَّنت غايتها بالنظر إلى الدين كظاهرة أنثروبولوجيَّة، فإنَّ الفلسفة الدينيَّة تنظر إلى الدين لا مجرَّد حضور في الزمان والمكان وحسب، وإنَّما أيضًا كحضور حيٍّ في المجالين العينيِّ والغيبيِّ، ومثل هذا النظر لا يدلُّ على تناقض واستحالة، بقدر ما يحيل إلى فهم يفارق الفيزيائيَّة الصلبة للفلسفة الباحثة عن الموجود بما هو موجود. بمعنى أنَّ الفلسفة الدينيَّة كميتافيزيقا بَعديَّة لا تجد حرجًا من الأخذ بنظريَّة معرفة تقوم على الإقرار بالصِّلة الذاتيَّة بين البادي للعيان من الموجودات، والحقيقة الكامنة وراء هذا البادي. بذلك يكون العلم بالدين فلسفيًّا لدى الميتافيزيقا البَعديَّة هو دراسة الوجود بتناهيه ولا تناهيه انطلاقًا من مدارك العقل ومباني الوحي بمراتبهما المتعدِّدة.
استنادًا إلى المسائل المذكورة، يصير بإمكان الفيلسوف الدينيِّ حيازة وعيٍ إشرافيٍّ يمكِّنُه من تظهير هندسة معرفيَّة توحيديَّة لعِلمَيْ الواقع والغيب بوصفهما علمًا واحدًا. ولأجل هذا المقصد يروح الفيلسوف التوحيدي يتَّخذ منهجًا يتَّسع لمنازل المعرفة ودروبها ويعمل بحسبها وفق سعتها ومقاديرها. لذا تبدو الفلسفة في مساعيه كما لو أنَّها عقلٌ ناشطٌ اتَّخذ حَبْوتِهِ الأولى إلى الحقيقة. مع ذلك، فهو لا ينظر إلى الميتافيزيقا على أنَّها مجرَّد سؤال واستفهام، وإنَّما في كونها إمكانًا رحبًا لتحصيل اليقين. كذلك لا يرى إلى الفلسفة على نحو ما استألفه النُّظَّار وآنسوا إليه، من حيث أنَّها استعادة شارحة للمنجز اليونانيّ. على أساس هذا سوف يسلك دربًا يخشاه العقل الحسابيُّ، لأنَّه مسلك يوجب الشجاعة للإتيان بما هو غير اعتياديٍّ وهو يخوض لجّة المعرفة. ما يعني أن الوعي الفائق بالفائق من الوجود لزومه شجاعة الفاعل في تبديد الأوثان المهيمنة على عالم الأفكار. فإذا كانت الفلسفة الأولى قد أسَّست للانشطار المعرفيِّ لمّا ألْزَمت نفسها بالتوقُّف عند تخوم الاستفهام القلق عن الوجود بذاته والموجود بغيره، فقد تتَّخذ الميتافيزيقا البَعديَّة مسارها المفارق من أجل تشكيل نظامها المعرفيّ الخاصّ. فلو كان لنا أن نجد نعتًا مناسبًا لهذا النظام الخاصِّ، لأقمناه تحت عنوان مجمل هو “الميتافيزيقا البَعديَّة”. والمُراد من مصطلح كهذا هو تبيين مقصده الأقصى لجهة الانتقال بالعقل إلى الضفَّة الأخرى من نهر الوجود حتى يقف على سرِّه المضمر والانفتاح على آفاقه الَّلامتناهية. فإنَّ ما ستفعله الميتافيزيقا البعدية، انها تفتتحُ سبيلًا انعطافيًّا يحرّر القول الفلسفي من دنيا المقولات وصرامتها، ليعرج به إلى آفاق الميتافيزيقا وعوالمها الرحبة.
وفق هذه السيريَّة الجوهريَّة من الواحديَّة بين العقليِّ والشهوديِّ تنهض المعادلة التالية: “المعرفة الوحيانيَّة” تقع على خطٍّ امتداديٍّ صاعد من “المعرفة العقليَّة”. وإذا اتّفق أنَّ هذه الأخيرة، أي “المعرفة العقليَّة”، تتعامل مع الاستدلال والمفاهيم والتصوُّرات والألفاظ، فإنَّ المعرفة في أفقها “المابعديِّ” مبنيَّة على الكشف والشهود وعلم الفطرة. على هذا الأساس تصبح “الفلسفة”- وهي العلم الذي تتمُّ دراسته بواسطة النظام العقليّ – على أفق مشترك مع الميتافيزيقا البَعديَّة بوصفها فلسفة حاضنة للوحي والعقل معًا. صحيح أنَّ مهمَّة الفلسفة معرفة الحقائق، لكن الأداة التي تستخدمها لهذا الغرض وتثبت بها مسائلها، هي “العقل” و”المفاهيم الذهنيَّة”. ولهذا يُتوقَّع فقط من العقل والفلسفة إثبات وجود الله تعالى، في حين يستحيل أنَّ نتوقَّع منهما إيصالنا إلى معرفة ذات الله. ذلك أنَّنا بالعقل والفلسفة يمكننا معرفة الله، إلَّا أنَّهما بعد ذلك، لا يوفِّران لنا رؤيته والحضور في ساحته المقدَّسة؛ وهذا طورٌ من التصعيد تصل فيه همَّة التفلسف إلى القبول الرضيِّ بما توفِّره الميتافيزيقا البَعديَّة من طرائق تفضي إلى التحرُّر من أسر المفاهيم، وصولًا إلى ما يمكن أن تكتسبه من نعوت غير معهودة في مقام كونها العلم الذي يُتعرَّفُ فيه على الفائق والمتعالي في الوجود. صحيح أنَّ طريق الفلسفة يختلف عن طريق الميتافيزيقا البَعديَّة وماهيَّتها، إلَّا أنَّهما يستطيعان معًا وبالرضى المشترك أن يملآ منطقة فراغ ميتافيزيقيَّة أخفقت الفلسفة الكلاسيكيَّة في ملئها على مدى أحقاب طويلة.
* * *
ربما آن أوان التمهيد لتقويض تلك الثنائية النقائضية التي ألقت بالغزَّالي وابن رشد في لجة اختصام لا قرار له، ثم ليستحيل الجدل الكلامي والفلسفي معه حقلاً فسيحاً لضلال معرفيٍ مقيم. تلك مهمة ميتا-فلسفية بامتياز كبير. بما يعني وجوب الانعطاف بمسارات التفلسف من نحو الجدل المميت إلى نحو الإنشاء الخلاَّق لميتافيزيقا حاضنة للعقل والوحي، ومؤسِّسه لواحدية المثنى.
* هذا النص هو مقدمة لكتاب سيصدر قريباً في تونس للأكاديمي التونسي الدكتور مفتاح حلاَّب بعنوان: “ابن رشد وغزَّاليته الميكروفيزيائية”.




