دراسات وبحوث معمقة

الفارغ من الكون: في حضرة العارف محمد بن عبد الجبّار النفّري  

الفارغ من الكون:

في حضرة العارف محمد بن عبد الجبّار النفّري

 

 

 

                                                                             جعفر نجم نصر

 

                                                أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة المستنصريَّة / العراق.

 

 

 

 

 

 (أوقفني في البحر، فرأيتُ المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح. فقال لي: لا يسلم من ركب. وقال لي: خاطِرْ بنفسك تسلم. وقال لي: إن من لم يخاطر بنفسه لم يشم رائحة الفلاح. وقال لي: الأخطار جزء من النجاة. وقال لي: من توكل على غيري ضاع، ومن ركن إلى سواي هلك. وقال لي: الدنيا بحرٌ، والآخرة بحرٌ، وأنا البحران، وليس فيهما غيري)…

 

(وقال لي: إذا رأيتَ الخلق فلا ترهم حجابًا عني، وإذا رأيتهم لأنفسهم فهم الحجاب. وإذا رأيتني فيهم رأيتَ النور في النور. وقال لي: لا تطلبني من جهة دون جهة، فإني لستُ في جهة. ولا تطلبني بعلمك، فإن علمك يقف دوني. واطلبني بي، فإنك لا تصل إليّ إلا بي)..

من كتاب (المواقف والمخاطبات)..

 

————-

                                

بحسب النظر الصوفي أو المراجعات التي تمت لاشتغالات النفري (متوفى 354 هجرية ) من قبل المتصوفة أنفسهم، نجد ان الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وصف كتاب المواقف للنفري بقوله: ” كتاب  شريف يحوي على علوم آداب المقامات” معتبراً أن المقامات في الطريق الصوفي كأنواع الاعمال في الشريعة([1]).

وآداب المقامات ليست جديدة في التصوف بل هي من الأمور التي تعارف عليها المتصوفة على مدى قرون خلت، والمقام في التصوف معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل، بما يقوم به من مجاهدات ورياضات وعبادات وشرطه أن لا يرتقي من مقام الى مقام إذا لم يستوف احكام ذلك المقام، ففي مقام القناعة مثلاً مالم يتحقق العبد بها لتكون القناعة له ملكة، لم  يصح له الارتقاء الى مقام التوكل، ومن لم يتحقق بعد بالتوكل لم يصح له مقام التسليم وهكذا في كل المقامات. وقيل ان المقامات مائة واربعة وعشرين مقاماً او فوق ذلك([2]).

وخصوصية النفري انه تكلم وهو في حالة العبور من مقام الى مقام عندما كان في حالة اشبه.   بالحالة البرزخية، وهذا ما اشار له بن عربي بقوله:” واعلم أنه ما من منزل من المنازل، ولا منازلة من المنازلات، ولا مقام من المقامات، ولا حال من الحالات، إلا وبينهما برزخ يوقف العبد فيه  يسمى الموقف، وهو الذي تكلم عنه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري([3]).

على الرغم من وحدة الميراث الصوفي ازاء مسألة ( المقامات) لكن النفري تفرد بطبيعة الحال بأسلوبه المختلف عن سائر نصوص المدونة الصوفية فهي لم  تكن ذات نزعة تعليمية او بيانية توضيحية، ولم يكن يخاطب في الحقيقة سوى (نفسه) ليعبر عن انتقالاته واطواره الروحية في سائر الوقفات بين مقام ومقام، ولهذا قال احد الباحثين في المدونة الصوفية: “هنالك  تمييز كبير لكتابة النفري عن غيرها من الكتابات الصوفية الأخرى، فهي ليست تعليمية، ولم تكتب بهاجس التواصل أصلاً، انها لا تخاطب قارئ خارجياً([4]).

على الرغم من كل ذلك، إلا ان اطروحتنا الجوهرية التي نقول بها بهذا المقال هي أن،: النفري ظل يتحرك بين فضاء متصلين بعضهما بالبعض الآخر الاوهما (فضاء الكينونة) او (الذات)، و (فضاء الكونية) او (العالم)، فهو يتحرك بين كشف ذاته وتعليمها وتسيرها وبين كشف ماهية العالم و الكون والتماهي معه ومن ثم الخروج منه !!، وهذان الامران وان كتبا بلغةٍ جديدة، إلا انهما يمثلان ميراثا روحيا ثابتا في تجارب المتصوفة والعرفاء، أي انه أمر جوهري حرك كل المتصوفة.

ومن ثم نحن نسعى للكشف اولاً عن هذين الفضاءين وتباينهما بنحو مكثف من خلال كتاب المواقف والمخاطبات، ونسعى في الوقت عينه لقراءة ذلك فلسفياً واجتماعياً عبر مماهاة ذلك ومطابقته مع تجارب ونصوص معرفية اخرى.

ربما بدت (موقف الوقفة) هي منطلق الحد بين الفضاءين، فضاء الكينونة وفضاء الكونية، بلحاظ الاتجاه نحو الكينونة وان لاترى (السوى) اي الغير او الغيرية. يقول النفري:

أوقفني في الوقفة وقال لي إن لم تظفر بي أليس يظفر بك سواى.

وقال لي من وقف بي ألبسته الزينة، فلم ير لشئ زينة.

وقال لي تطهر للوقفة و إلا نفضتك.

وقال لي في الوقفة ترى السوى بمبلغ السوى فاذا رأيته خرجت عنه ([5]).

وعليها يتأسس  الانطلاق بين المقامات ولهذا يستمر قائلاً:

وقال لي الوقفة تعتق من رق الدنيا والآخرة.

وقال لي الصلوات تفتخر بالواقف كما يفتخر بها السائر.

وقال لي ماعرفني شيء فإن كاد أن يعرفني فالواقف([6]).

ومن اقترب من العالمين (الناس) وأخذ من علومهم ( الدنيوية) تعطل ولم يسر في المقامات من دون (السوى)، او كما قال:

وقال لي الواقف يبعد بقرب العالمين ويحتجب بعلوم العالمين.

وقال لي إن وقفت بي فالسوى حرمي فلا   تخرج اليه فتنحل مني([7]).

والواقف هو بين حدين ( الكينونة) و ( الكونية ) يتحرك فيهما ذهابا وايابا ، ولكن ما الكينونة؟ وما الكونية ؟ التي ينشدهما النفري في الوقفة وفي المقام ؟.                                                                          

أن مفهوم الكينونة “Being” كتب حوله الكثير في تاريخ الفلسفة([8])، وفي الحقيقة نحن لسنا بصدد التصدي للبحث المعمق فيه إنما الذي يعنينا معانيه المتعددة الماهية، أو الوجود أو الجوهر، والتي نتعرف عليها بوضوحاً أعمق في داخل تجربة المتدين/ الصوفي الذي يحاول إيجاد كينونته تلك ونقلها من مستوى الانصهار في بوتقة الوجود الإنساني إلى مستوى الانصهار في عالم الملكوت العلوي الذي يسعى إليه، أي ديمومة السير نحو المطلق.

ولكننا وعبر تأثرنا بالمفكر آريك فروم أنما نسعى وإياه إلى التعامل مع مفهوم السيرورة أو التصير “Process” والفاعلية والحركة، كعنصر من عناصر الكينونة، ولقد أشار جورج زمل “George Simmel” في هذا السياق إلى أن الكينونة تتضمن التغيير، أي أن الكينونة هي الصيرورة “Becoming”. وهذه النظرة وجدت لدى مفكرين متباعدين زمنياً متقاربين في تصوراتهما الفكرية حول الكينونة وهما هيراقليطس (Heracletus) وهيجل “Hegel”. فهذه النظرة الجذرية لديهما إلى الحياة كعملية تغير مستمرة، لا كجوهر ثابت، توازيها فلسفة بوذا في العالم الشرقي. فلا مكان في فكر بوذا لمفهوم الجوهر الدائم المستمر، لا في الأشياء ولا في الذات البشرية. أذن الصيرورة هي الحقيقة الوحيدة([9]).

وهذه الصيرورة محل تحركها بطبيعة الحال هي الذات والتفكير فيها من أجل فهمها واستيعاب مدياتها الكونية المشتقة من عالم الطبيعة والمنشقة عنها في الوقت ذاته، وبالتأكيد أن تبيان المسافات أو الحدود القائمة بين تلك الذات الإنسانية المالكة لكينونتها بعد الانفصال ثم الاتصال بعالمها أو محيطها، تحتاج الاستعانة ببعض رؤى الإنثروبولوجيا الفلسفية لاسيما أطروحات ماكس شيلر (1892-1985).

ففي عمله المميز (منزلة الإنسان في الكون) كان منطلقه الرئيس هو معرفة أن “الإنسان لم يكن في أي زمن من تاريخه أكثر إشكالية مما هو عليه في الحاضر”. وتأسيساً على هذه البداهة شرع شلر في علاج منزلة الإنسان في إطار ما لبنية الكون من درجات منزلته التي تتمثل في تأصيله الميتافيزيقي. فمن العالم الجامد أنفصل النبات والحيوان والإنسان بغريزة الإحساس المتسامية وفيها تجلت غريزة الحياة التي لم تتمركز على ذاتها بل توجهت إلى خارجها. وبالتالي فقد حصل ذلك بصورة غير شعورية وغير واعية. وحسب شلر فإن كل الكائنات الحية متنفسة. وإلى جانب ما لها من نزوع مرئي دافع بها إلى خارج ذاتها فأنها تحتوي على نزوح باطني من نفس الجنس دون أن يكون في متناول إدراكها([10]).

وبفضل الغريزة التي هي الدرجة الثانية من الحي ظهر دور العلاقة بين الإنسان الحيوان. فبالمقابل مع الإنسان الذي هو ضعيف الغريزة يتوفر للحيوان بفضل تجهيزه الغريزي ثقة سلوكية قوية. لكن الإنسان بسبب ضعف غرائزه يتزايد نقص الثقة لديه. وبالتالي فإن ما ينقص الإنسان من دفع في التحريك الغريزي هو الذي يمثل العلة الأصلية لما عنده من فائض في النوازع يميزه عن غيره من الحيوانات. ولكي يستطيع الإنسان العيش في إطار علاقات الجماعة وبحسب البنى الاجتماعية فلابد له من أن يعدل بالكبت والتصعيد ما تتميز به نوازعه من فائض الطاقة([11]).

أما التأصيل الآخر لدى شيلر فهو أن الإنسان يقاسم الحيوانات ما لها من قدرة في ملكة الذاكرة التواردية التي تربط بين النوازع والحاجات بفضل السلوك الغريزي فتؤدي دوراً مهماً بفضل الانعكاس الشرطي وإعادة إنتاج السلوك. والدرجة الرابعة التي يتقاسمها الإنسان مع الرئيسات في جميع الحالات تتمثل في الذكاء العملي والاختيار. فهما يعدان الشكل الأسمى من الموجود الحيوي الطبيعي([12]).

ومن مجموع هذه الدرجات يصل شلر إلى النتيجة المهمة والرئيسة التي نبني عليها معطى الكينونة وحقيقتها الجوهرية إلا وهي تمايز الإنسان وخصوصيته بوصفه كائناً روحياً قياساً إلى الموجودات الطبيعية/ الحية التي تشاركه المحيط البيئي. فيستنتج ومن هذه الدرجات الأربع للموجود الحيوي الطبيعي الدرجات التي للإنسان فيها سهم كبير تتميز الدرجة الأخيرة عند الإنسان بوصفها مجال الروح (العقل والفكر)، وهو المجال الذي لا يلجه إلا الإنسان. ذلك أنه يتجاوز به تبعيته للطبيعة. فليس الإنسان مثل الحيوانات رهين النوازع والمحيط بل هو متحرر من المحيط ومنفتح على العالم. وهذا النوع من الكائن الروحي (الإنسان) كائن ذو عالم. وبخلاف الحيوان الذي يدرك المحيط بخصوص نوازعه وغرائزه فإن ضعف غرائز الإنسان والفجوة الموجودة بين نوازعه وسده لها تجعله يصبح كائناً روحياً([13]).

فهو كائن لم يرتهن إلى محددات الطبيعة وتقلباتها لكونه يمتلك الأدوات التي حررته من ذلك كله، وتلك الأدوات هي العقل والروح فبينما الأول يجعله يقيم تنظيماته الحياتية مسيطراً على الطبيعة وعلى علاقاته الإنسانية في عالمه المنتج اجتماعياً؛ تجعله الأداة الثانية يتجاوز الطبيعة باحثاً عن التوازن التي تطلبه أسئلة تلح عليه من قبيل الوجود وماهيته وماهيته هو وما المصير وما المآل أيثوي بفكره وعقله كما تثوي الكائنات الحية التي تجاوزها بمجاله الحيوي (الفكري والروحي). وبالفاعلية التي تحركه وبالصيرورة التي تغيره وتعيد موائمة ذاته مع العالم. وبعبارة أخرى وبحسبما قال شيلر: فالانفتاح على العالم يتحقق في سلسلة الأجوبة التي يعلم الإنسان كيف يقدمها لتحديات العالم خلال تحويل وجوده. ويمكن بنحو من النظرة الصورية أن نعتبر الأمر في ذلك وكأنه مقصور على تقسيم العمل بحيث يكون الإنسان تارة مرجحاً لنفسه بمعنى كونه يعلم كيف يسود على العالم وطوراً يعترف الإنسان برجحان العالم عليه فيتكيف معه، وفي الحقيقة فأن الأمر يتعلق هنا بعلاقة حوار بين الإنسان والعالم([14]).

ومن أهم نتاجات حوار الإنسان مع العالم هي مسألة الإيمان بعد مسائل ومتعلقات حياته الوجودية من مأكل ومأوى. فالإنسان، ككل كائن حي، يهتم بأشياء كثيرة، يهتم في المحل الأول بالأشياء التي تشرط وجوده نفسه، كالغذاء والمأوى. لكن لدى الإنسان- في مقابل الكائنات الحية الأخرى- هموماً روحية، معرفية وجمالية واجتماعية وسياسية([15]) ولكن: الإيمان هو أكثر الأفعال المتركزة في العقل الإنساني. وهو ليس حركة جزء خاص أو وظيفة معينة في وجود الإنسان الشامل. بل تتحد هذه جميعاً في فعل الإيمان. غير أن الإيمان ليس المجموع الرياضي لأوجهها المتعددة. فهو يتعالى على كل أثر خاص كما يتعالى على شموليتها، ويمارس هو نفسه أثره الحاسم على كل منها([16]).

وبالتالي هو بنظر صاحب النصوص المقتبسة أنفة الذكر اللاهوتي والفيلسوف الوجودي بول تيليش يمكن أن يمثل هماً أقصى، قياساً بكل همومه وشؤونه الحياتية الأخرى ولكن أليس فعل الإيمان هذا هو المحرك الرئيس للكينونة أي انه بعبارة أخرى هو السؤال والجواب في حد ذاته، وهو موجه التجربة ونتاجها، وبالتالي فهو تجربة شخصية بالدرجة الأولى، لأنها لو كانت وفق مقاربات أريك فروم حول (إيمان التملك وإيمان الكينونة)، فأنها في الإيمان الأول ستكون إجابات توصل إليها آخرون والذين يشكلون قاعدة مرجعية لا يمكن الخروج عنها([17]).

أما في إيمان الكينونة فهي عبارة عن توجه داخلي، موقف. ولعله بنظر فروم من الأنسب أن يقال أن شخصاً ما في حالة الإيمان، على أن يقال إنه يملك إيماناً. وبالتالي أن اليقين الناتج عنها أنه يقين الحقيقة التي قد يستحيل إثباتها بأدلة عقلانية ملزمة، ومع ذلك فهي الحقيقة التي أنا على يقين منها لأن ثمة أدلة عليها من تجربتي الذاتية([18]).

وفي هذا السياق يقول النفري :

وقال لي اكتب من أنت لتعرف من أنت، فأن لم تعرف من أنت فما أنت من أهل معرفتي.

وقال لي أليس  ارسالي  اليك العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك من العموم الى الخصوص، أو ليس تخصيصي لك بما تعرفت به اليك من طرح قلبك وطرح ما بدا لك من العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك الى الكشف أوليس الكشف أن تنفي عنك  كل شيء وعلم كل شيء وتشهدني بما اشهدتك….([19])

وبالتأكيد أن إيمان التملك هو إيمان الفقهاء الذين يأخذون إيمانهم من بعضهم البعض، والذين شكلوا عبره مرجعية فكرية- تنظيمية يستوجب على كل أفراد المجتمع أن يمروا من خلالها لكي يتزودوا بالإيمان لكونهم هم المحطة الدينية الوحيدة التي تمتلك القدرة على تسويق الإيمان بعد إنتاجه في تجاربهم النصية التي تهرع دائماً إلى النص المقدس لبناء الحقائق والبناء عليها في سلسلة من التفسيرات والحواشي التي تتوارث جيلاً بعد جيل حتى تأخذ القداسة أكثر من النص المقدس (القرآن الكريم والسنة وتعاليم أهل البيت (ع))التي تدعي أنها استوعبته وبالتالي حولته إلى معطى جاهز يتسنى لأي باحث عن الإيمان أن يتشبث به بوصفه الحقيقة اليقينية/ المطلقة.

أما إيمان الكينونة فهو في حقيقة الأمر إيمان الأنبياء والمتصوفة والعرفاء، أنه إيمان التجريب الذاتي الذي يمارسه الفرد بنفسه كيما يتوصل إلى الحقائق ويتذوقها بطريقته الخاصة دون وصاية من أحد، أنه العالم الباطني/ الروحي الذي يتجاوز إيمان العالم/ الجماعي/ الظاهري (إيمان الفقهاء). أنه إيمان الفاعلية والسيرورة في آن واحد لكونه يحاول جاهداً تلمس الحقائق ومعرفة (المطلق) عبر التحقق من الإجابات بعد أن ألقى الأسئلة الجسام على كينونته.

ولكن لماذا هذه الأسئلة الجسام والعظام؟ لماذا إيمان الكينونة أصلاً؟ ما الداعي له؟ هل للبحث عن التجربة الدينية فحسب أم أن المسألة بها تعقيدات كثيرة؟ نعتقد أن المسألة فيها تعقيدات كثيرة ومتنوعة لا يمكن الوقوف عليها برؤية شمولية ولكن يمكن تلمس بعض جنباتها. ولهذا فأننا نعتقد أن الأمر يمكن أن نوجزه من خلال الوقوف على بعدين رئيسين وهما:

البعد الخارجي لإيمان الكينونة: وهذا البعد يقوم على محيط الإنسان الاجتماعي/ الديني، ذلك المحيط وبشتى تنظيماته وصيغه الدينية الذي لا يستطيع أن يلبي حاجات هذا الإنسان المتطلع إلى الكشف عن أسرار الإيمان وتذوقه على أيدي رجال الدين (علماء الشريعة). ولهذا فهو يتجه إلى الصيغ الدينية المتجنب التعامل معها وبها اجتماعياً ألا وهو (التصوف/ العرفان)، وذلك كيما يلبي حاجاته الروحية التي لا تستجيب لها ظاهر الشريعة. ولكن على الرغم من ذلك فأن المتصوفة والعارفين يؤكدون على التعامل مع المجتمع من خلال الالتزام بالشريعة لأجل الدخول في العالم الروحي الآخر ألا وهو (الحقيقة). إذ أن الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية [أي رؤيته إياها بقلبه ويعبر عن ذلك بأن الشريعة معرفة السلوك إلى الله تعالى والحقيقة دوام النظر إليه، والطريقة سلوك طريقة الشريعة أي العمل بمقتضاها، وبعضهم لم يفرق بينها وبين الشريعة ظاهر الحقيقة والحقيقة باطن الشريعة وهما متلازمان لا يتم أحدهما إلا بآخر]([20]). وفي الحقيقة هذا النوع من الإيمان تتطلب الإخلاص لله تعالى كيما يتجاوز مرتبتي الإسلام والإيمان، لأنها بنظرهم تعد مرتبة لا ينالها إلا الموحد الحقيقي([21]).

ولهذا يقسم الطريق المؤدي إلى الله تعالى لديهم إلى ثلاث مراحل طبقاً لما ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “الشريعة أقوالي والطريقة أعمالي والحقيقة أحوالي”. وكل من الشريعة والطريقة والحقيقة ترتبط إحداهما بالأخرى: شريعة بلا حقيقة رياء، وحقيقة بلا شريعة نفاق، وهما مثل شخص حي بالروح، عندما تنفصل عنه الروح يصير جيفة، وتصير الروح ريحاً، والشهادة تتضمن كلاهما؛ فكلمة “لا إله إلا الله” هي الحقيقة، وكلمة “محمد رسول الله” هي الشريعة، فمن ينكر الحقيقة كافر ومن يهمل الشريعة زنديق)([22]).

البعد الداخلي لإيمان الكينونة: أن الحديث عن هذا البعد مسألة شائكة لأنها تعتمد على القوى والقابليات والاستعدادات النفسية والعقلية للإنسان الذي أختار طريق التصوف، فضلاً عن كونه بعد يتداخل مع العالم الغيبي من جهة والعالم أو المحيط الاجتماعي من جهة أخرى، وذلك لكونه ناجم عنهما بنحواً أو بآخر لأنهما يدخلان بين تأثيرات الله المباشرة على الإنسان وبشتى النواحي والأساليب وبين تأثيرات التجارب الاجتماعية السلبية أو الإيجابية المؤدية إلى طريق التصوف والعرفان.

ففي تأثيرات العالم الغيبي، نقرأ على سبيل المثال (لا الحصر) ما قاله سيد العرفاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “إلهي أن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي إليك في واضح الطريق وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمنى فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوى وأن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان،…”([23]). فالمؤدي أو قائد السالك إلى الله تعالى هو رحمة الله بالإنسان ذو الإيمان الكينوني، وهذا ما تؤكده الكثير من قصص دخول بعض المؤمنين إلى طريق التصوف عبر الإشارات والإلهامات الإلهية الخاصة، ومن ذلك على سبيل المثال: أن أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كورة بلخ، كان من أبناء الملوك فخرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو أرنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف يا إبراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه([24]) حتى أصبح صوفياً بعد أن تتلمذ لبعض الوقت على يدي سفيان الثوري والفضيل بن عياض.

وقد يأتي الإيمان التجريبي (إيمان الكينونة) عن طريق إرشاد وتوجيه خاص ومباشر من بعض المتصوفة أو العرفاء وكما جرى على سبيل المثال للمتصوف الكبير أبو نصر بشر الحافي بن الحارث (م 226هـ)، والذي كان في بداية حياته يعاقر الخمر ويرتكب المحرمات، وإذا بكلمات وتنبيهات رمزية سريعة من الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) يتحول إلى ولي من أولياء الله الصالحين([25]). ولعل الاستعداد والقابليات لديه هي التي أهلته لاستلام الإشارة إلى الطريق).

ومثلما يقول النفري:

وقال لي حدث عني وعن حقوقي وعن نعمتي فمن فهم عني فاتخذه عالماً ومن فهم عن حقي فاتخذه نصيحاً، ومن فهم عن نعمتي فأتخذه أخاً.

وقال لي من لم يفهم عني ولا عن حقي ولا عن نعمتي فاتخذه عدواً فأن جاءك بحكمتي فخذها منه كما تأخذ ضالتك من الأرض المسبقة.

وقال لي الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي والذي يفهم عن حقي يعبدني من أجل خوفي، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي.

وقال لي من عبدني وهو يريد وجهي دام ، ومن عبدني  من أجل خوفي فتر، ومن عبدني من أجل رغبته أنقطع.([26])

وقد يأتي هذا الإيمان من تداخل البعد الاجتماعي (الخارجي) مع البعد الغيبي (الداخلي) كما في حالة رابعة العدوية، “التي أحبت مولاها، والحبيب هو المولى، ولا يهمها أن كان يحبها أم لا”([27]). والتي لم تتحول إلى الحب الإلهي (الصوفي) إلا بعد أن ذاقت مرارة الحب الأرضي لسيدها ومالكها ولما فقدت وصالها به، وجدت أن خير الوصال لخير حبيب هو الله تعالى، فسلكت طريق التصوف.

ولكن على الرغم من اختلاف بداياتهم في التوجه نحو التصوف، إلا أنهم يشتركون وبشكلاً عام في الخطوات السلوكية في الطريق الصوفي، أي أنهم ينطلقون من قاعدة سلوكية متشابهة بنحواً أو بآخر غايتها التفاعل والتواصل مع الله تعالى لأجل الوصول إليه، وسنتحدث عن هذه القاعدة بشكل مكثف لأنها ذات تشعبات هائلة لا يمكن لهذا البحث الاستغراق فيها، لكونها مقدمات أساسية لمقاصد البحث وأهدافه.

وأن أول قواعد الطريق الصوفي هو التسليم للشخص الذي يعلم العبد طريق التصوف، ويقال له (المرشد) (الشيخ) و(الدليل) وغيرها، ويقال للراغب في السلوك (السالك) (المريد) (الصوفي) (درويش). ولكن كيف نصل إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق المرشد؟، علينا وكما يرى (أحدهم) أولاً أن نتحرى عن صفات المرشد فعليه:

1- أن يتطابق سلوكه مع ميزان الشرع، 2- أن يكون عالماً بالشريعة الإسلامية، ذلك أن الطريقة جوهرها فمن لم يفهم الشريعة فكيف يفهم جوهرها (الحقيقة)؟، 3- أن يكون عارفاً بمسالك الطريق، 4- أن يكون قد تخرج على يد مرشد كامل في حلقة متصلة بسيد الكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). 5- أن يكون قد بلغ درجة البقاء بعد الفناء وتنور قلبه بحق اليقين، 6- أن يكون طبيب القلب خبراً بمداواة الأمراض المعنوية ويحس به مريدوه([28]).

ولهذا يرد لديهم كذلك من “لا شيخ له فشيخه الشيطان”، ولكن الشيخ محي الدين أبن عربي أحد أكابر المتصوفة يرى ان السالك إلى الله نوعين سالك بنفسه (تجربته الخاصة) وسالك بغيره (الشيخ). ويجب على الشيخ الذي يعلم المناهج والرياضات الروحية أن يختبر المريد أولاً ليرى إذا ما كان عازماً وقادراً على تحمل الصعوبات التي تنتظره على الطريق، فأحياناً يتركه لعدة أيام منتظراً ببابه، وغالباً ما يعامله في البداية بقسوة، وفي العادة كان يطلب من المريد أن يعمل لمدة ثلاث سنوات قبل أن يقبل رسمياً في صحبة الشيخ، في السنة الأولى يعمل في خدمة الخلق، وفي الثانية يجتهد في عبادة الحق، وفي الثالثة يراقب قلبه ويرعاه([29]).

وهذه العلاقة التي تجمع بين الشيخ والمريد تخضع لضوابط تنظيمية كثيرة وتشتمل على عدة جوانب، منها الجانب المكاني (المربوطية أو الخانقاه أو التكية أو الزاوية) التي تكون بمثابة جغرافياً المقدس (المرتكز الأول الذي يتلاشى فيما بعد كلياً ليغدو الكون جغرافيته) التي يعد فيها المريد إعداداً روحياً دقيقاً لكي ينطلق إلى جغرافيا العالم عبر السياحة الروحية أو ما يسميوه بالهجرة الخارجية بعد أن بدأ الهجرة الداخلية إلى الله تعالى، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الضوابط التنظيمية الجديدة التي دخل فيها السالك تتمثل في السيطرة على الزمان وتنظيمه (العبادي/ الارتياضي)؛ فعبر التنظيم الديني الدقيق للمكان والزمان يمكن بعدئذ تحقيق مرامي وغايات الشيخ التي تتجاوز (الزمكان) الحسي/ الشعوري إلى (الزمكان) اللاحسي/ اللاشعوري الذي ينشأ في أواخر السحر ليغدو النهار والليل كله.

ولا ينتظم ذلك كله دون الدخول في رمزية العبودية لأربعين يوم كما أتفق على ذلك الكثير من المتصوفة والعرفاء، ولهذا الأمر ترابطية كبرى مع خلق آدم عندما خمر طينه أربعين عاماً ورحلة موسى (ع) أربعين يوماً،….، حتى نصل إلى حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): “ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه”([30]). وعلى أية حال، فإن خاصية الأربعين في ظهور الفعلية وبروز القابلية والقوة وحصول الملكة أمر مصرح به في الآيات والأخبار، ومجرب لدى أهل الباطن والأسرار، وهو ما أخبر عنه في الحديث الشريف بأنه حصول آثار الخلوص، أي بنوع عين المعرفة والحكمة في هذه المرحلة([31]).

 

أسرار العبودية/ من عالم الجسد إلى عالم الروح (رحلة الخلاص):

أن غاية المتصوف هو الخروج من تأثيرات المحيطيين الطبيعي والاجتماعي أي الخروج من كينونته العضوية بوصفه كائن عضوي ومن كينونته الاجتماعية بوصفه إنساناً له أبعاده الوجودية. وذلك لاعتقاده أن المعادلة الكونية التي بدأت بنزول آدم (أبو البشر) يجب أن تصبح بصعود آدم الصوفي- الجديد (أبو الحقائق)، وهذا الأمر لا يتم إلا عبر ركنين رئيسين هما: جعل التماهي مع المطلق هو الهم الأعلى، وجعل تلبية الحاجات العضوية الهم الأدنى، وبهذا يصبح تحرك الكينونة من عالم الجسد وتلبية متطلباته بأبسط الأشياء لأجل الوصول إلى عالم الروح عبر أبهض الأثمان أي عبر إخضاع جدلية النفس/ الجسد إلى جدلية الروح/ المطلق (الله تعالى).

هذه التحولات الكبرى في حياة الصوفي لا تتم إلا من خلال تصفية وتزكية للنفس وتريض يستهدف نسف الحواجز العلائقية التي تمنع الروح أو النفس من الالتحاق بعنصرها الإنشائي الأول، لذا تأتي التجربة الصوفية كنوع من أنواع الإشراق الروحي الهادف لاحتواء الحقيقة الكلية الجامعة([32]).

وهذا الأمر لا يتم عبر اعتقادهم إلا من خلال ما أسموه كيمياء السعادة (التصوف)، على اعتبار أن الكيمياء تسعى إلى الوصول إلى التحولات العظيمة في المادة للوصول إلى العنصر الكلي الشمولي أو روح المواد الساري في الوجود (الإكسير) الذي بدوره يحول كل معدن إلى ذهب ويحول المرض إلى صحة ويوقف سريان السم ويطيل أمد الحياة…الخ، فأن كيمياء التصوف بنظرهم ستحول الإنسان من كائن أرضي إلى كائن سماوي أي من عالم النقص إلى عالم الكمال([33]).

وبحسب أبيات أبن العربي:

من انتقاصي إلى كمالي
ومن سناي إلى جمالي
ومن شتاتي إلى اجتماعي
ومن خسيسي إلى نفيسي

  من انحرافي إلى اعتدالي
ومن سنائي إلى جلالي
فمن صدودي إلى وصالي
فمن حجار إلى اللآلي

ولكن هذا الأمر لا يعني القطيعة الكاملة بين الإنسان وعالمه الأرضي، وذلك لأن العالم هو مدار التحرك والفاعلية والصيرورة لتلك الكينونة الصوفية، بعبارة أخرى أن الموازاة بين الإنسان والعالم تظل قائمة وأن كانت مرتبة الإنسان هي آخر مراتب الوجود، فالإنسان هو أرقى الموجودات وأعلاها من حيث أنه مجلى كل حقائق الوجود ومراتبه من جهة، وهو مجلى الحقيقة الإلهية من جهة أخرى. ولكن هذه الموازاة بينهما لا تنفي كون الإنسان جزءاً من العالم، فهو جزأ أصيل يمثل الروح بالنسبة للجسد، ذلك لأن وجود العالم قبل إيجاد الإنسان، مع الحذر دائماً من تصور وجود (قبلية)، أو بعدية، زمانية- لأنه وبحسب أبن العربي، كان: “وجود شبح لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة… فاقتضى الأمر جلاء تلك المرآة، فكان آدم جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة”([34]).

فالمشروع الصوفي في الوجود هو التحقق باطنياً بالإنسان الكبير (العالم) وكما في بيت الشعر المشهور:

وتحسب نفسك جرمٌ صغير

  وفيك انطوى العالم الأكبر

أو هو عملية ارتفاع عن سلطة عالم المادة المعينة المحسوسة إلى عوالم المادة المجردة من حيث هي جملة أسرار (مكثفة) يلقاها الصوفي في الطريق، عروجاً إلى عالم السماء العلوية فعالم الروح المجردة من ملبوسات المادة والجسد والعلائق ككل، ففي تجربتهم تلك أسسوا لفلسفة الانفصال والاتصال بين عالم الخلق، وعالم الحق هذه الفلسفة التي أدركها متصوفة الإسلام، تنطلق من قانون طوي في باطنه حقيقة التجربة هذا القانون هو (أن هذه الثنائية تعبر عن حقيقة لا تدرك بشكل أحادي) فالاتصال هو اتصال بعد انفصال، كما أن الانفصال كان عن اتصال مسبق!([35]).

فإنني عشقت غيري

  فعين فصلي هو اتصالي

عن هذا الوصل والاتصال يقول النفري :

أوقفني في التقرير وقال لي تريدني او تريد الوقفة او تريد هيئة لوقفة، فأن اردتني كنت في الوقفة لا في ارادة الوقفة وان أردت لوقفة كنت في ارادتك لا في الوقفة وان أردت هيئة الوقفة عبدت نفسك وفاتتك الوقفة.

وقال لي الوقفة وصف من أوصاف الوقار، والوقار وصف من أوصاف البهاء، والبهاء وصف من أوصاف الغنى، والغنى، وصف من أوصاف الكبرياء والكبرياء وصف من اوصاف الصمود والصمود وصف من أوصاف العزة، والعزة وصف من أوصاف الوحدانية والوحدانية وصف من اوصاف الذاتية.

وقال لي الوقفة خروج الهم عن الحرف وعما ائتلف منه وانفرق.

وقال لي اذا خرجت عن الحرف خرجت عن الاسماء، واذا خرجت عن الاسماء خرجت عن المسميات، واذا خرجت عن كل المسميات خرجت عن كل مابدا، واذا خرجت عن كل مابدا قلت فسمعت ودعوت فأجبت .([36])

فرحلة الخلاص “salvation” تتبدى بوصفها العملية الرئيسة التي يقوم بها المتصوف لتخلص من ثقل مطاليبه العضوية (الجسدية) عبر تحجيمها، والتخلص من تبديات أو تموجاته النفسية عبر تهذيبها، وذلك لأجل إجراء عملية المعراج الروحي الذي لا يتم دون التخلص من المطاليب والأثقال العضوية والنفسية والاجتماعية، التي تحول دون الهم الأعلى- التماهي مع المطلق.

 

نحو آفاق الكونية أو الفراغ من الكون:

وكان الشيخ الاكبر اول من اعتمد هذا المفهوم في الحديث عن النفري لما وسمه (بالفارغ من الكون)، وسم دال، لأنه يهب الفراغ في هذه التجربة شسوعاً يطول الكون كله بهذا الشسوع ذاته، يتبدى الفراغ رهاناً على المستحيل، لأنه يروم الانفصال عن المحدود و الانتساب الى المطلق.الفراغ من الكون، عند النفري تجربة تعال، فيها تختبر الذات أقصى ممكنها. تجربة وعرة، تقيم، بمسعاها الى توقيف التعلق بالخلق والى الاستغناء إلا عن المطلق، على تخوم المستحيل. في هذه التجربة، تتحدد الوقفة عن انها نار الكون كما يصرح هذا الصوفي الذي رأى الكون كله سوى، رأه ضيقا، لا يتسع بالاحكام الحاجبة ، للرحابة التي ينشدها الفراغ .([37])

أن معراج الروح يحتاج دعائم أو قوائم يستند إليها الصوفي في رحلته تلك، ومن أهم تلك الدعائم هو عملية التواجد، أي بداية الحب الإلهي الذي بنظرهم بعدئذ سيؤدي إلى الوجد الحقيقي ثم يقود إلى الوجود. فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية. ولهذا يقول أحدهم: التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد، فهو كمن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق في البحر. وترتيب هذا الأمر قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود بمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود له صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق([38]).

وهنا أشاروا إلى الفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به. وبعبارة أخرى وعلى حد قولهم: فمن فنى عن جهله بقي بعلمه ومن فنى عن شهوته بقى بإنابته ومن فنى عن رغبته بقى بزهادته، ومن فنى عن منيته بقى بإرادته، وكذلك القول في جميع صفاته فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره يرتقى عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم:

فقوم تاه في أرض بقفر
فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا

  وقوم تاه في ميدان حبه
وأبقوا بالبقا من قرب ربه([39])

ولكن أن الحب مقدمته المعرفة مثلما الفناء مقدمته الحب، والمعرفة هي نتاج البعدين (الداخلي والخارجي) للإيمان الكينونة اللذين أشرنا إليهما سابقاً، فالمرء لا يحب حتى يعرف ماذا يحب ومن يحب ولماذا يحب؛ وهذا الأمر بالنسبة لصوفية لا يأتي إلا بعد عملية الجذب الإلهي المؤدي للقرب الإلهي والتي لا تتم إلا بعد سير الطريق أي المجاهدات الروحية وعمليات تهذيب النفس التي تستغرق ردحاً من الزمن.

وأحياناً ينظر للحب والمعرفة على إنهما مكملين لبعضهما، ومرة يكون الحب أعلى من المعرفة، وأخرى تكون المعرفة أعلى. ويرى الإمام أبو حامد الغزالي: “الحب بدون المعرفة مستحيل، فالمرء لا يحب إلا من يعرف”([40]). لكن الشيخ شهاب الدين السهروردي يرى أن “المحبة من لوازم المعرفة، وأن كانت المعرفة قليلة. وكل معرفة توجب محبة وأن كانت المحبة قليلة. فإذا كملت النفس بها فذلك نور على نور. والمحبوب من يكون لنفسه فطنة وحدس قوي ينال دون تعب عظيم ما لا ينال غيره، والرجل لا يصير أهلاً إلا بالمعارف والمكاشفات العظيمة([41]).

عن هذه المكاشفات العظيمة يقول النفري في مواقفه:

واوقفني في بيته المعمور فرأيته وملائكته ومن فيه يصلون ورأيته وحده ولا بيت مواصلاً في صلواته على الدوام ورأيتهم لا يواصلون…. يحيط بصلواتهم علماً ولا  يحيطون….

وقال لي اخل بيتك  من السوى واذكرني بما ايسر لك ترني في كل جزئية منه.

وقال لي أما تراه اذا ما عمرته بسواي ترى في  كل جزئية منه خاطفاً كاد ان يخطفك.([42])

في هذا السير المضطرب/ المطمئن في رحلة العاشق إلى المعشوق تتجمع المقدمات والنتائج أي (البقاء/ الفناء والحب/ المعرفة) لكي تؤسس بناء روحياً متكاملاً يعرج بالمتصوف من عالم نقصه وخسيسه إلى عالم كماله ونفيسه، أنه عالم المطلق/ الواحد الذي ولد الكثرة والتعددية الكونية، التي تتلاشى في ظلالها كل المتناقضات والمفارقات الأرضية التي كابدها الإنسان لكي تتحول إلى مأتلفات ومتقاربات، وذلك عبر طهارة القلب (لا تسعني السماوات والأرض، ويسعني قلب عبدي المؤمن).

 

المصادر و الهوامش

([1]) خالد بلقاسم، الصوفية والفراغ/ الكتابة عند النفري، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2018، ص27.

([2]) عبد المنعم الحنفي ،الموسوعة الصوفية ، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط5، 2006، ص1278.

([3]) خالد بلقاسم،المصدر نفسه، ص28.

([4]) عبد الحق منصف، أبعاد التجربة الصوفية، أفريقيا الشرق، المغرب، ط1، 2007، ص221.

([5]) محمد بن عبد الجبار النفري، المواقف والمخاطبات، تحقيق ارثر يوحنا اربري، مكتبة المتنبي، القاهرة، دون تاريخ، ص10.

([6]) المصدر نفسه، ص11.

([7]) المصدر نفسه، ص11.

([8]) ونلاحظ على سبيل المثال أن اللغة اليونانية القديمة لم يكن فيها كلمة تقابل كلمة وجود العربية أو existence بالإنجليزية، فاليونانيون كانوا يستخدمون كلمة Toov بمعنى “being” أو كائن أو على الأصح كينونة، ولهذا أخطأ العرب بترجمة هذه الكلمة إلى الوجود والأصح أن تبقى كينونة. ينظر مقال: تطور مفهوم الوجود/ الكينونة في الفلسفة من اليونانيين وإلى العصر الحديث على الرابط:

www.tabee3i.com

([9]) ينظر: أريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ت: سعد زهران، مراجعة وتقديم: لطفي فطيم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع (140)، 1980، ص44-45.

([10]) ينظر: كريستوف فولف، علم الأناسة/ التاريخ والثقافة والفلسفة، ت: د. أبو يعرب المرزوقي، دار كلمة، أبو ظبي، الإمارات، ط1، 2009، ص65-66.

([11]) المصدر السابق نفسه، ص66.

([12]) المصدر السابق نفسه، ص66-67.

([13]) المصدر السابق نفسه، ص67.

([14]) المصدر السابق نفسه، ص68-69.

([15]) بول تيلتيش، بواعث الإيمان، ت: سعيد الغانمي، منشورات الجمل، بغداد، ط1، 2007، ص7.

([16]) المصدر السابق نفسه، ص10.

([17]) ينظر: أريك فروم، المصدر السابق نفسه، ص63.

([18]) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص63-64.

([19]) النفري، المصدر نفسه، ص 30.

([20]) أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية في علم التصوف، دار التربية، بغداد، د.ت، ص72.

([21]) ينظر كتاب: رسالة في السير والسلوك، للسيد مهدي بحر العلوم، تقديم وشرح:السيد محمد حسين الطهراني الحسيني، مطبعة ثامن الحجج، قم، 1424هـ.ق، ص49.

([22]) آنا ماري شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام ، ت: محمد اسماعيل ، منشورات الجمل ، بغداد ، 2006، ص113-114.

([23]) ينظر: دعاء الصباح للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، طبع المكتبة الحيدرية، د.ت، ص113.

([24]) أبو القاسم القيشري، المصدر السابق نفسه، ص13.

([25]) ينظر تفاصيل قصته تلك كتاب (مراقد المعارف) للشيخ محمد حرز الدين، المجلد الأول، مصدر سابق، ص191-194.

([26]) النفري، المصدر السابق نفسه. ص 34

([27]) ينظر ذلك في كتاب: الحب والفناء : لعلي حرب، منشورات الاختلاف (الجزائر)، والدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت)، ط2، 2009، ص82-83.

([28]) الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف/ ما هي الطريقة النقشبندية، طبع الدار العربية، بغداد، د.ت، ص74-75.

([29]) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص116.

([30]) الشيخ مهدي بحر العلوم، رسالة في السير والسلوك، مصدر سابق، ص21-26.

([31]) المصدر السابق نفسه، ص37.

([32]) شريف هزاع شريف، نقد/ تصوف، مصدر سابق، ص96-97.

([33]) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص94-95.

([34]) ينظر: د. نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم أبن عربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2004، ص232.

([35]) ينظر: شريف هزاع شريف، المصدر السابق نفسه، ص109-110.

([36]) النفري ، المصدر السابق نفسه، ص 37.

([37]) خالد بلقاسم ، المصدر السابق  نفسه ، ص 11.

([38]) أبو القاسم القشيري، المصدر السابق نفسه، ص61-62.

([39]) المصدر السابق نفسه، ص62.

([40]) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص149.

([41]) شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي، نصوص إشراقية، تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس، ديوان المساء للترجمة والنشر، بغداد، ط1، 2006، ص92.

([42]) النفري ، المصدر السابق نفسه ،ص 40.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى