دراسات وبحوث معمقة

أبو نصر الفارابي في ديار الغرب

أبو نصر الفارابي في ديار الغرب

 

 الدكتور عفيف عثمان

    

عاش أبو نصر الفارابي على وقع الزمن العباسي المتقلقل؛ إذ سيطر الجند الأتراك على أمور الدولة. ويتفق معظم الباحثين على كونه عاين أكثر عصور الدولة الإسلامية اضطرابًا وفتنة وشقاقًا، إذ كان مولده عام 259 هـ / 870 م أثناء حكم المعتضد (ت 298 هـ/ 902 م)، ووفاته عام 339 هـ / 950 م، أثناء حكم المطيع، وهذه الحقبة كانت أقل الحقب استقرارًا، حيث سادت الفتن والثورات بتأثير عوامل عدة، منها ما هو ديني ومنها ما هو شعوبي، ومنها ما هو ثقافي، وعاصر الخلفاء: المكتفي، والمقتدر، والقاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، وفي عهودهم سارت الدولة العباسية في طريق التحلّل والضعف وفقدان السلطة المركزية.

هذا الواقع المضطرب دفعه إلى هجرة مدينته بغداد نشدانًا للعدالة في مكان آخر، ظن أنه وجده لدى الحمدانيين في حلب، والأخشيديين في مصر، ولسان حاله يُبرّر ذلك بالقول: “حُرّم على الفاضل من الناس المقام في السياسات الفاسدة، ووجب عليه الهجرة إلى المدن الفاضلة إن كان لها وجود في زمانه بالفعل، وإن كانت معدومة، فالفاضل غريب في الدنيا، ورديء العيش، الموت خير له من الحياة”.

فالمجتمع الذي عاينه الفارابي، في رأي الأستاذ العراقي المرموق في جامعة المستنصرية البغدادية، الدكتور حسن مجيد العبيدي، يختلف عن ذاك الذي عرفته اليونان، فلم يجار أفلاطون في تقسيمه طبقات وفئات، فالمجتمع عنده أقرب إلى الأخوّة والتراحم الذي جاء به الإسلام، وقد نظر إليه نظرة متكاملة مثل الكائن الحي، يتعاون أفراده كلّ بحسب استعداده وكفاءته وموهبته، كتعاون أعضاء الجسم طبقًا لوظيفة كل عضو فيه. وفي عرفه أن الفارابي ابتدع في مؤلفه مصطلحات سياسية خاصة بالواقع السياسي الإسلامي (في تقديمه لكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، 2010).

شغل الفارابي مكانة بارزة بين فلاسفة الإسلام، فإلى براعته في علم المنطق، تميّز في الطبيعيات والإلهيات والسياسيات كذلك. وعدّه الدكتور ماجد فخري “واضع الصيغة العربية للأفلاطونية الجديدة، وأول مفكّر كبير في تاريخ هذه الحركة الفلسفية منذ عهد برقليس، آخر أعلامها في الغرب”. (تاريخ الفلسفة الإسلامية، بيروت، 1974. ص 179). وإلى فضله في الفلسفة، يُذكر “درايته وتبحره في علوم اللسان والرياضيات والكيمياء والعلم المدني والهيئة والعلوم العسكرية والموسيقى والإلهيات والفقه والمنطق”. (الدكتور محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، القاهرة، ج 2، ص 48). وقد سمي بالمعلم الثاني لأنه كان خير المفسرين لكتب المنطق الأرسطي، وأول من عني من المسلمين بإحصاء العلوم، وحاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو (الجمع بين رأي الحكيمين)، ثم بين الفلسفة والدين في ضوء آراء فلسفة مدرسة الإسكندرية. ويُقال: إن له نحو 31 مؤلّفًا في اللغة العربية، ترجم منها ست إلى العبرانية، وترجم بعضها إلى اللاتينية، ومن أهم ما ترجم إليها “إحصاء العلوم” وما كتبه عن النفس.

والحال، يتابع الدكتور العبيدي أعمال الفارابي، فيتقصّى آثاره في الفكر الغربي. (أثر الفارابي في الفلسفتين اليهودية والمسيحية اللاتينية، بغداد، دار قناديل، 2025).

فأثر أبو نصر كان كبيرًا في الفكر الغربي الوسيط، مثله مثل أقرانه من الفلاسفة العرب المسلمين. (ابن سينا، الغزالي، ابن رشد، ابن طفيل، ابن الهيثم… إلخ)، إذ جرى التعرّف على نصوصه من خلال الترجمات. وقد اهتم الفلاسفة اليهود بكتبه وانتفعوا منها، وبالأخص “إحصاء العلوم” المعروف بنصه العربي في المدارس اللاهوتية والفلسفية اليهودية قبل أن يُنجز مختصر له في اللغة العبرية، وتعرفوا أيضًا إلى كتاب “الحروف” من خلال أحد التلخيصات، وكان ثمة عناية خاصة بـ “السياسة المدنية” المترجم إلى العبرية، وبعض كتب المعلم الثاني المنطقية.

كانت نصوص أبي نصر موضع ترجمة وشرح وتعليق ونقد أحيانًا من خلال الاعتراض على بعض مقولاته الفلسفية. (للاستزادة يمكن مراجعة: الدكتور علي سامي النشار، الفكر اليهودي وتأثره بالفلسفة الإسلامية، القاهرة،  1972). ويذكر الدكتور العبيدي بعض الفلاسفة المعروفين الذين نهلوا من أفكار الفارابي وأدرجوها في كتبهم، مثل موسى بن ميمون في “دلالة الحائرين”، و”الرد على جالينوس”، وإسحاق بن لطيف، وسعد بن منصور بن كمونة  في “الجديد في الحكمة”، و”شرح الإشارات والتنبيهات” لابن سينا، ولاوي بن جرشون (جرسونيدس) في “ملاحم الرب”، وغيرهم كثير.

كما حضر الفلاسفة العرب المسلمين في الفكر المسيحي من خلال حركة  الترجمة التي تمت أولًا في الأندلس، سواء عبر النص العربي المنقول إلى اللاتينية، أو النص العربي مباشرة، كما شكّلت مدينة طليطلة مركزًا آخر للترجمة، ومثّلت صقلية بدورها مركزًا تمت فيه ترجمة عدة أعمال فلسفية عربية. وبشكل عام، فإن الاهتمام دار حول المؤلفات المنقولة إلى لغتهم والموجودة بين أيديهم، ولا سيّما: “إحصاء العلوم”، وطرحه مسألة تقسيم الفلسفة، و”رسالة في العقل”، و”عيون المسائل”، و”التنبيه على سبيل السعادة”، وبعض النصوص المنطقية مثل “شرح التحليلات الثانية” (البرهان)، و”شرح كتاب الخطاب”” (أصله العربي مفقود)، “ما ينبغي أن يُقدم قبل تعلم الفلسفة”، و”كتاب الموسيقى”،  وكتاب “آراء أهل المدينة الفاضلة” الذي استفاد منه القديس توما الأكويني في تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن. فاستخدمه في البرهان الثالث، وهو واحد من بين براهينه الخمسة، إذ الممكن لا يمكن أن يستمر في حال الإمكان إلى ما لا نهاية، بل لا بدّ من موجود واجب الوجود تنتهي إليه الممكنات، والكائن الواجب الوجود هو الله. ففي رأي الفارابي يحتاج ممكن الوجود في وجوده إلى واجب الوجود، وهذا الأخير في غنى عن احتياجه إلى غيره، وكل ما سواه محتاج إليه للانتقال من حال الإمكان إلى حال الوجود. وقد عرض هذا البرهان أيضًا ابن سينا في “النجاة” و”الشفاء”.

وكان للفارابي أثر عظيم في الفلسفة المسيحية، فعلى أفكاره قامت براهين خلود النفس، وإليه استندت مدرسه شارتر الفرنسية في تدريسها لمنطق أرسطو، ويُدين ألبيرت الكبير للفيلسوف المسلم بفهمه لآراء المعلم الأول، ويعيد تذكيرنا الدكتور العبيدي ببحث جورج قنواتي والمعنون بـ: “الفارابي في الفكر اللاتيني في العصر الوسيط”، وهو مصدر يرصد بدقة حضور المعلم الثاني في الفضاء اللاتيني. وأهمية الدراستين (الأب قنواتي والدكتور العبيدي) أنهما تُبرزان تأثير الفلسفة العربية في الغرب، وتركّزان على ترجمة أعمال الفارابي إلى اللاتينية، والتي باتت جزءًا مكونًا من الفلسفة الوسيطية، ما يوضح جسر التواصل الثقافي والفلسفي بين الشرق والغرب.

___________________

*المصدر: “معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى