
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب
الأطروحة الأميركية تطبيقاً
د. محمود حيدر
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية – لبنان.
ملخَّص
يقصد هذا البحث تظهير عقيدة الحرب في المنظومة الَّلاهوتية التي قامت عليها الأطروحة الأميركية منذ تأسيسها وإلى يومنا الحالي. ولأجل هذا المقصد سنعمل على بيان العناصر الأساسية للَّاهوت الحرب انطلاقاً مما أظهرته التجربة التاريخية، ووفقاً للفلسفة السياسية التي انتظمت هذه التجربة.
بحسب الفرضية التي تأسس عليها هذا البحث، فإن الَّلاهوت السياسي الأميركي قد انبنى على إدراك مخصوص لمفهوم السيادة على الأرض التي سكنها المهاجرون الإنكليز قبل أكثر من خمسماية عام. ومثل هذا الإدراك يستحيل بلوغ معناه ودوافعه من دون معاينة دقيقة للكيفيات التي خيضت في ضوئها حروب أميركا على العالم. وعليه، سوف يتبيَّن لنا أن مفهوم الأمن القومي في الفلسفة السياسية الأميركيَّة اتخذ سياقًا مغايرًا لما ألِفَتْه أوروبا وهي تمضي إلى تشييد هياكل الدولة القومية المركزية في فضائها الحضاري. فالسيادة التي اختبرتها السيرة التاريخية الأميركيَّة هي من الطراز الذي لا يُعرف له حدود. أي أنها سيادة تجتاز الجغرافيات الوطنية التقليدية لتمضي في الحروب على الغير باعتبارها جزءاً متصلاً بسيادتها وأمنها القومي.
كلمات مفتاحية: فلسفة الحرب – الأطروحة الأميركية – لاهوت القضاء والقدر – الفوضى الخلَّاقة.
مقدمة
يجزم الباحثون في منطق التجربة الأميركية، بأن ما كان مجرد حلم في أوروبا صار إمكاناً واقعياً سارياً في الزمن بالنسبة إلى أميركا: لقد جُعلت هذه الأخيرة إقليماً فُتح أمام رغبة الإنسانية بالتطور والتحديث على حدِّ زعم «فلاسفتها». بحيث أمكنها، كما يقول هؤلاء، أن تتلافى ما يسمونه بـ«أزمة العلاقة بين القوة والقدر الذي أوقع في فخه الثورة الإنسانوية الديموقراطية في أوروبا وأضلَّها”. وفي نطاق هذا الطور الأول نفسه، أخذ مبدأ جديد للسيادة يعلن عن نفسه بالطريقة التالية: إن الحرية صارت سائدة، والسيادة حُدِّدت بوصفها ديموقراطية على نحــو جذري داخل سيرورة توسع مفتوح ومستمر. غيــر أن عدم الاعتــراف بحـدود نهائية، والحرص على إبقاء الحدود مفتوحة، وفهم الحدود بوصفها حالة لا تعدو أن تكون تخوماً أو عتبات علينا كسرها وتخطيها، إنما هي علامات دلَّت على أن أميركا ظاهرة هي أشبه ببرنامج مبدئي لملاقاة الآخرين، ودحرهم إلى ما لا نهاية. وأكثر من ذلك، فإن هذا «البرنامج المبدئي»، حسب القائلين به، كينونة استثنائية تستمد ماهيتها من إرادة حرب، أو من أفعال حربية أصلية في فهمها لنفسها. من هناـ فإن قصة أميركا في هذا التعريف، هي قصة حرية تصنع بنفسها حدودها، وتصر على الاستقلال بوصفه فتحاً مستمراً للحدود. ولذلك فمعنى أميركا لا ينفصل البتة عمَّا يسميه الباحثان الغربيان مايكل هاردت و انطونيو نيغري بـ« طوباوية الفضاءات المفتوحة»[1].
وعلى السياق التحليلي للمثال الذي يقدِّمه الباحثان المذكوران سوف تتمظهر ثلاث سمات مخصوصة:
السمة الأولى: تطرح فكرة محايثة للسلطة، في مقابل الطابع المفارق للسيادة الأوروبية الحديثة. وفكرة كهذه، تعني أن السلطة مؤسسة على فكرة الإنتاجية. ما يعني أن الجمهور الذي يؤلف المجتمع هو جمهور منتج. ولذلك، فالسيادة بمدلولها الأميركي لا تتمثل في ضبط الجمهور، بل تتبلور بوصفها نتيجة تضافر الطاقات المنتجة للجمهور. وعلى هذا، فإن مبدأ الإنتاج المؤسس، إنما يقود إلى – أو يُفسَّر بواسطة – عملية تفكُّر ذاتي.
السمة الثانية: في خضم تشكيل هذا النوع السيادي على أساس المحايثة للسلطة، تنبثق أيضاً تجربة التناهي الناتج عن الطبيعة النزاعية والمتعددة للجمهور نفسه. وبذلك يبدو أن المبدأ الجديد للسيادة يُنتج حدّه الداخلي الخاص. سوى أنه بعدما أقرّ بحدوده الداخلية، يروح المفهوم الأميركي للسيادة ينفتح بقوة عجيبة نحو الخارج، حتى لكأنه يريد أن يقضي على فكرة المراقبة، وعلى لحظة التفكُّر في دستوره الخاص.
السمة الثالثة: النزوع الأميركي نحو مشروع مفتوح وتوسعي، مشروع يعمل فوق ملعب بلا حدود[2].
إن هذه الرؤية المفارقة للنموذج السيادي الأميركي، سوف تسهم في رسم اللوحة الإجمالية لذلك الطراز الفريد من مفاهيم السيادة الحديثة. بل أكثر من هذا، ستمنح للمكان الذي حلَّت فيه الولايات المتحدة فلسفته الخاصة. وهي فلسفة آيلة وفقاً لسيريّتها التاريخية إلى إنجاز ما سمي بـ«السيادة ذات اللون الأمبراطوري الممتد على مساحة العالم كله. وهذا ما يُلاحظ عندما يشار إلى الأطوار الأربعة التي عَبَرَتْها أميركا منذ تأسيسها وحتى ايامنا. وهي:
الطور الأول: الذي يبدأ من إعلان الاستقلال حتى الحرب الأهلية .
الطور الثاني: الممتد من أمبريالية روزفلت إلى إصلاحية ولسون الأممية.
الطور الثالث: من فترة نيوديل (New Deal) أو الصفقة الجديدة، إلى الحرب الباردة.
الطور الرابع والأخير: وهو الذي دشَّنته الحركات الاجتماعية في الستينيات من القرن العشرين، واستمر حتى تفكك الكتلة الشيوعية.
على أن ما يهمنا هنا في معرض هذا التحقيب هو أن كل الأطوار المذكورة من التاريخ الدستوري للولايات المتحدة، إنما يخصص مرحلة نحو تحقيق السيادة الأمبراطورية (…) لكن الدلالة الأعمق في هذه الرحلة سوف نجدها في النتائج الخطيرة لهذا التصور: حيث تؤدي فكرة أن البوتقة الأميركية هي مصهر تهجين للأعراق المختلفة، إلى «تدمير الفكرة المتعالية للأمة، والعمل على إعادة بناء الفضاء العمومي على أساس الهجرة الحرة للجماهير[3].
- لاهوت الشر أو الفوضى الخلَّاقة
من الحلقات الأكثر مدعاة للسجال في هذه الاستراتيجية، وهي تلك التي شاع الكلام عليها بما سُمِّي بـ” نظرية الفوضى الخلاَّقة”. المعروف عن هذه النظرية أنها وجدت دينامياتها الفعلية بعد زلزال الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. وهي تقوم على فلسفة سياسية تفترض وجود خطر داهم من عدو مجهول يتهدد الأمن القومي الأميركي في كل لحظة. كما تقوم على افتراض ألاَّ يكون التهديد بالضرورة، حاصلاً بالفعل من دولة أو من منظمة إرهابية لكي تخاض ضده الحرب الوقائية، وإنما يكفي أن يتم تصوُّره من جانب مراكز التخطيط الاستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاغون للمبادرة إلى تلك الحرب.
ولكي تأخذ فلسفة الفوضى مسارها التطبيقي، عكف كثيرون من منظِّري ومفكِّري المحافظين الجدد في بداية الألفية الثالثة على وضع منظومة متكاملة لتبرير الحروب. ولعلَّ نظرية “الفوضى الخلاَّقة” التي شكَّلت أحد أهم وأبرز منجزات هؤلاء، إنما تعني في حقيقتها السعي الاستباقي نحو تفكيك كل المواقع والجغرافيات المفترض أنها تشكِّل مصادر تهديد لأمن ومصالح أميركا في العالم.
ولئن كانت نظرية الفوضى الخلاَّقة تتأسس نظرياً على ثنائية التفكيك والتركيب، فذلك يعني أن الفكر الاستراتيجي الأميركي بصيغته المعاصرة لم يعد لديه اليقين إلاَّ بعالم تكون الفوضى فيه سبيلاً لإعادة تشكيله وفق مهمة أميركا في بناء العالم الجديد.
كيف ظهرت هذه النظرية في سياق التحقيق التاريخي لنظريات الهيمنة داخل الفضاء الاجمالي للفلسفة السياسية والأمنية لأميركا؟
- الأصلان الَّلاهوتي والفلسفي للأطروحة
يزخر الأدب السياسي الأميركي بمخزون هائل من المدوّنات التي يجري توظيفها لتفعيل لاهوت القوة والسيطرة وتمجيد الذات. نشير في هذا الصدد إلى ما ذكره الروائي الأميركي هرمان ملفيل حول وجوب تقديس الدم الأميركي وتحويله إلى ميتافيزيقا سياسية تلتهم تاريخ العالم بحروبها المفتوحة.
يقول ملفيل: “لا نستطيع إراقة قطرة واحدة من الدم الأميركي، من دون أن يراق دمُ العالم كله. دمُنا نحن أشبه بطوفان الأمازون. إنه مؤلف من مئات التيارات النبيلة المترافدة في مجرى واحد.. نحن لسنا أمة، بمقدار ما نحن عالم. فما لم نكن قادرين على أن نزعم أن العالم كله هو لأبينا وسيدنا، مثل مُلك إبراهيم، يبقى نَسَبُنا ضائعاً في الأبوة الكونية الشاملة”…
طبقاً لهذه الذهنية الإستعلائية تتكئ الأيديولوجيا الأميركية عبر الزمن. وعليها ستخاض حروب التدخلات في العالم.. من ضم فلوريدا العام 1819، مروراً بحرب الباسيفيكي التي انتهت بكارثة القصف الذري على هيروشيما وناكازاكي العام 1945، وصولاً إلى احتلال العراق، وتعميم فوضى لا قرار لها مع بداية القرن الحادي والعشرين.
نسعى هنا إلى تناول نظرية “الفوضى الخلاقة” على قاعدة ما تستمده من اللّاهوت الديني ذي المصادر الإنجيلية ـ التوراتية المشتركة. وكذلك مما تمنحه لها الفلسفة السياسية للحداثة وما بعدها، من تسديد وتبرير.
ترتبط نظرية ” الفوضى البناءة” من وجه أساسي بفرضية تقوم على استحالة السلام في الوضع العالمي الجديد. فلئن كانت ثنائية القطبية قد حكمت النـزاعات الدولية بنوع من السلام السلبي، المحكوم بدوره بما يسمى بـ ” توازن الخوف أو الرعب”، فسيكون من شأن الأحادية جعل هذا ” السلام السلبي ” أمراً شبه مستحيل. كان واضحاً أن الولايات المتحدة لم تكن تشعر بالرضى وهي تتولى مهمتها العالمية. فالنصر الذي تحقّق لها باضمحلال العدو الشيوعي السوفياتي، سيلقي بها في مواجهة مع ذات قلقة وعدو مجهول.
يبيّن “ريتشارد رورتي”، الفيلسوف الأميركي المعاصر، في زحام السجال حول المهمة الأميركية، أن “فن تكوين الحقائق أهم من امتلاك الحقائق”… لكن سيأتي من يأخذ بمقالة رورتي أخذ اليقين، ليجعل من الفوضى المبثوثة في عوالم ما بعد الحرب الباردة ، فناً لتكوين الحقائق، والسياسات، وأنظمة القيم.
هذه الأطروحة الفلسفية ستمضي بيُسر إلى حقول التوظيف السياسي. إذ على الولايات المتحدة حتى تستأنف الحفر في مسار الزمن الجديد أن تتصرف كما لو أنها تبدأ من نقطة الصفر. فلم تعد المهمة بعد خرافة ” نهاية التاريخ ” مركوزة في امتلاك الحقائق عن العالم. فالتاريخ العالمي كله، بحسب العقيدة الأميركية، صار طيّ الأرشيف الإجمالي لمؤسسة الأمن القومي . وغدا من واجب المكلّفين الجدد، صناعة تاريخ آخر للعالم، بعدما بلغت أميركا ذروة ادعاء امتلاك الحقيقة والقدرة على تشكيل حقائقها.
وما من شك، أن هذا التشريع الفلسفي ما فتئ حتى أخذ سبيله إلى حقول التطبيق، ثم امتدّ بوتائر غير مسبوقة إلى فضاءات جيو ـ استراتيجية بعيدة المدى، غير أن الولايات المتحدة وهي تمارس عملية السيطرة على بؤر الممانعة في العالم، ستأخذ بما رأت إليه على أنه “الصراط السويّ” لإنجاز أهدافها. الأمر الذي أدى بالمبدأ التقليدي المعروف “الحرب من أجل السلام” إلى “الحرب من أجل الحرب”. بدت هذه النتيجة مخالفة لأبسط قواعد وبديهيات الغاية من الحروب. لقد كان الحال في ما مضى يقوم على حقيقة، أنه لبلوغ السلام، يجب السيطرة على مسارات الحرب. وكان هذا يتطلب جهداً محسوباً، وعلى الأخص لجهة معرفة المحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، التي تدفع لنشوب الحرب. ولم يسبق أن تمَّ الفصل بين الحرب والسلام. ذلك أن جميع الحروب تهدف بالمبدأ إلى بلوغ السلام، حتى لو راح البعض في النهاية يدعوه نصراً والبعض الآخر يخلع عليه صفة الهزيمة. إن هذا، هو الفهم البدئي الذي دعا القديس أوغسطينوس ليقول: “إن السلام أهم من الحرب، لأننا لا نصنع السلام لنصل إلى الحرب، وإنما نصنع الحرب لنصل إلى السلام”. وهذا يعني أن الحرب محكومة بمفهوم السلام، وهو الذي يضع حداً لها. لقد كانت القاعدة على هذا النحو في الماضي، إلا أنها أوشكت اليوم أن تتغير تحت أبصارنا ـ كما يقول المفكر الفرنسي آلان جوكس ـ بمعنى آخر بات لدينا انطباع بأن الناس يقومون بالحرب من أجل الحرب، وأنهم يوقدون نارها ليس من أجل الوصول إلى السلام، بل من أجل الوصول إلى هيمنة قمعية ثابتة[4].
لم يكن الفكر الاستراتيجي الأميركي بمنأى عن النظر إلى الحرب كغاية بذاتها. فالأصالة بالنسبة إلى هذا الفكر هي للحرب، وأما السلام، فهو أمر عارض، وحضوره في العلاقات الأممية إنما هو بقدر ما يقترب من كونه عاملاً مكمّلاً لمصالح الأمة الأميركية العليا. ولكي ينشئ حجته الفلسفية على وجوبية الحرب كمدخل يدعوه إلى ” العوالم الفضلى “، وحّد الفكر الأميركي بين أميركا والعالم، بحيث صيغت المعادلة على نحو ما وضعه الباحثان البريطانيان ضياء الدين سارادار و ميريل وين ديفيس : “أميركا هي العالم، والعالم هو أميركا”. وغالباً ما يستعيد زعماء البيت الأبيض صدى الكلمات المأثورة التي أطلقها القطب الإعلامي الشهير هنري لوس في شباط/ فبراير 1931، أي قبل عشر سنوات من دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية: “إن الأميركيين فشلوا طوال العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين في التنبّه إلى مدى سيطرة بلدهم على مصير العالم، وهذا ما جعل المسار التاريخي للبشرية يأخذ منعطفاً بائساً”…
تجري هذه الكلمات مجرى السياق الايديولوجي نفسه، الذي تراكم على مدى قرون في الوعي الأميركي. فإذا كانت أيديولوجيا الفتوحات الأوروبية الاستعمارية في القرن التاسع عشر، تحرص على توصيل “رسالة الرجل الأبيض”، فإن العنوان الذي سيرفعه اليمين الأميركي الجديد الآن هو تعميم المثال الأميركي. وذلك تعبيراً عن إيمان راسخ هو بمثابة “القدر البيّن للشعب الأميركي” الذي يعني أن أميركا قبل أن تكون دولة أو قوة عظمى، هي فكرة رسالة عظيمة وحلم جميل حافل بالوعود.
- البراغماتية بما هي لاهوت سياسي قهري
على نقيض ما قد يتناهى إلى البعض من أن البراغماتية التي أخذت بها الولايات المتحدة كفلسفة سياسية، قد حدَّت من ماضويتها وقطعت صلتها بـ” لاهوت التأسيس”. فقد أثبتت تجربتها التاريخية مع نفسها ومع العالم على امتداد أجيال، شغفاً زائداً بالذاكرة. في كل لحظة تمارس فيها سياساتها، سنلاحظ جمعاً لافتاً بين الماضي والحاضر، وبين الموروث الديني المركب من عهدَيْ الكتاب المقدس، والخطب المأثورة للمؤسسين الأوائل. وبالتالي بين الميتافيزيقا السياسية المشحونة بجرعات هائلة عن رسالية الأمة الأميركية و البراغماتية السياسية شديدة الارتباط بتقنيات ما بعد الحداثة . وبناء على هذا التركيب، تسعى إلى تكييف العالم مع رحلتها المدوية. وهي بهذا تبدو كأنها تملك الحظ التاريخي في عمليات التكييف ولو إلى حين. ذلك ما ذهب إليه صامويل هانتنغتون حين وصفها “بأنها مجتمع من الطراز الذي كانت تحكمه أسرة تيودور، إلا أنها قد تحرز نجاحاً في عالم يشبه عصر الملكة إليزابيت الأولى بصورة جديدة، وفيه صراعات شبه دينية ، ودولة قبلية ، ومغامرون في التجارة، وأساطيل حربية، وقتلة”.
بدءاً من هذا التوصيف تبدو أميركا كمرآة مكتظة بالمفارقات. لا منطق للعالم من دونها، أو من دون أن يكون له بها صلة الربط، والاشتراط، والإصغاء. يريد لاهوتها السياسي أن يمنحها مطلق الشرعية وهي تمضي إلى تكوين العالم الجديد على صورتها. كأن تكون على حقّ في أن تجمع المتفرِّق، وتفرِّق المجتمِعَ، ثم لتستأنف الجمعَ والفِرقَةَ حيثما شاءت لها عقيدة القضاء والقدر. فسنرى طبقاً لرؤاها التأسيسية أن الفلسفة السياسية لم تفصل بين الديني والقومي، ولا بين أميركا وباقي العالم. كل شيء بالنسبة إلى فلسفة كهذه، أن كل العناصر المكوّنة للأمة ينبغي لها أن تتعيّن داخل الأوعية المتصلة المرصودة للاستثناء الأميركي. وحين تبلغ الأيديولوجيا الأميركية أقصاها، سنلاحظ كيف تتحول عمليات التوظيف السياسي في مجالات نفوذها اللامتناهية إلى نشوء ما يسمى “الدين الجديد”، حيث يمتزج اللّاهوتي بالقومي وكلاهما بالسياسي والأمني، من أجل بقاء وغلبة الأمة المبعوثة لاستنقاذ العالم.
ولو عدنا إلى مرحلة التأسيس نجد أن أطروحة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” تشكل واحدة من أهم مرجعيات اللّاهوت السياسي الأميركي. في هذه الأطروحة، يسعى فيبر لإثبات أخلاق خاصة بالبروتستانتية الزهدية، حيث كان ذلك عنده ضرورياً لأجل تأمين قدرة الرأسمالية الغربية على النمو. ثم يكملها في كتابه اللاحق “الخلق الاقتصادي في الأديان العالمية “، ليبحث في الكيفيات التي شكلت خلالها أديان عالمية كالكونفوشيوسية ، و الطاوية ، و الهندوسية، والبوذية حواجز أمام ظهور رأسمالية عقلانية شبيهة برأسمالية الغرب، ثم ليستنتج كيف أن اليهودية القديمة كانت، على العكس من ذلك، نقطة انطلاق عملية العقلنة التي ستبلغ ذروتها في الرأسمالية الحديثة… بهذا المعنى، يُعزى تشكّل أطروحة ماكس فيبر حول ضرورة تكوّن روح للرأسمالية، إلى الأخلاق الكالفينية (نسبة إلى اللّاهوتي البروتستانتي جون كالفن). عندما تحدّثت الكالفينية عن حضورية اللّاهوت في ولادة الرأسمالية، لاحظت أن هذه الولادة تيسّرت في القرن السادس عشر، بفضل تراكم أولي مسبق، اقتضى شحنات بيّنة من العنف المرعب. وشرح ذلك أن الكائنات البشرية التي تتحرك، انطلاقاً من مصالحها، يمكنها أن تقترف أعمالاً عنيفة في منتهى القسوة ضد نظرائها. والتاريخ يذكّرنا بذلك باستمرار كما يقول المفكر الأميركي من أصل أرجنتيني روبن دراي، ولكن البشر لا يمكنهم الاعتراف أمام أنفسهم بأن ما يفعلونه غير إنساني، وغير عادل، ويشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية للأشخاص الآخرين، بل إنهم يحتاجون إلى تسويغ ذلك، وإضفاء الشرعية عليه أمام أنفسهم أيضاً. غير أن العنف الإجرامي الذي اقتضاه تراكم الرساميل، والذي كان شرطاً مسبقاً لولادة الرأسمالية، ما كان من الممكن له أن يُمارَس إلا من قبل أشخاص تسكنهم قناعة عميقة بأن ما يقومون به هو واحد من المهمات الأكثر أهمية وتعالياً في التاريخ[5].
ولأن أحداً لا يمكنه سواء كان فرداً أم جماعة أم دولة أمة، أن يتحمّل لفترة طويلة ارتكاب أفعال إجرامية، كالمجازر الجماعية من دون مسوّغات قوية وعميقة، فقد امتلأ اللّاهوت السياسي الأميركي بمخزون هائل من المسوّغات. كان الدين حاضراً على الدوام للوفاء المطلوب. كان مستعداً ليقول للرأسمالي بأنه “مقّدر لك”، أو بأنك مرصود لاستكمال عملية الخلق التي تركها الخالق من دون أن ينجزها بشكل كامل. وعلى ذلك، أصبح التوسع في بناء المصانع، والتوفير، والاستثمار العقلاني والمنهجي، وكذلك إخضاع الأشخاص الآخرين، بمن فيهم النساء والأطفال للعمل المنهِك، إكمالاً لعملية الخلق التي بدأها الخالق نفسه، وتمجيداً لله، وتحقيقاً للغاية التي من أجلها خلق الله العالم والإنسان. وعلى ما يتكئ عليه اللّاهوت السياسي الأميركي، مما منحته له البروتستانتية بأطوارها واجتهاداتها المختلفة، يسود اليقين بأن الله كان حاضراً في ولادة الرأسمالية ومهتماً بشكل حيوي، بهذه الولادة.
- البروتستانتية الإنجيلية وعقيدة القضاء والقدر
كان جون لوك المنظّر المعروف لثورة 1688 يعرف سرّ الكالفينية المُسيَّسة جيداً، ويعلنه بكل ما أوتي من وضوح: “إن الله الذي أعطى الأرض شراكة للبشر، أعطاهم العقل أيضاً لاستخدامها بالشكل الذي يقدم لهم أكبر الفوائد في الحياة، ويتلاءم بالشكل الأفضل مع مصلحة الجميع. فلقد لعب لاهوت القضاء والقدر الكالفيني، وفقاً لمقولات ماكس فيبر، دوراً مهماً في ولادة الرأسمالية، بحيث يقرّر هذا اللاّهوت أن الخلاص يكون مقدّراً للبعض، والعقوبة للبعض الآخر، وذلك بفعل القضاء الإلهي الأبدي، وأن أحداً لا يمكنه تغيير هذا القضاء. ولأن هذا الاعتقاد يصعب تحمّله بالنسبة إلى شخص جدي في إيمانه، ابتدع اللّاهوت الكالفيني سبيلاً للالتفاف على هذه الصعوبة. فقد اعترف بأن القضاء لا يمكن تغييره، إلا أن كل شخص يمكنه أن يرى علامات تدلّه على ما هو مقدّر له من الخلاص أو العقاب. فإذا كان هذا الشخص يمتلك رأسمالاً فيوظفه بطريقة عقلانية ومنهاجية، ثم يأتيه النجاح، فإن هذا النجاح يكون علامة دالّة على الخلاص”[6].
وسيظهر من فلاسفة ومفكري الليبرالية الجديدة من ذهب إلى “أدلجة” هذا ” اللّاهوت القدري ” وتقديمه كسلاح للاستخدام. من هؤلاء دانييل بيل الذي لفت إلى “ضرورة وجود علاقة متعالية، تربط بين الأفراد بما فيه الكفاية، ليصبحوا قادرين، في حال الضرورة على تقديم التضحيات الضرورية بأنانيتهم”. تلك “العلاقة المتعالية”، أي الدينية، يجب أن تحتل الموقع المخصّص للعقلانية، وهي التي ستعطي الشعوب معنى التضحيات التي ستطلبها منهم الليبرالية الجديدة.
أما إيفرينغ كريستول فيُظهر شغفاً غير مسبوق لدى الحديث عن موقع الدين في النضال خلال المرحلة الليبرالية الجديدة . فهو يرى في الدين “اليهودي/ المسيحي” الذي أخرجته البروتستانتية الزهدية كمصدرٍ مُلهِمٍ لـ “الرأسمالية الليبرالية” بالذات، ويبدي أسفه لأن الكنائس تحوّلت إلى ما يشبه المؤسسات الخاصة والطوعية اليوم، ما أفقدها الدعم العام وجعلها عاجزة عن مواجهة خصومها.
ولكن جمعاً من المنظّرين الليبراليين الأميركيين، يمضي إلى أبعد من ذلك بكثير، فيرفع حضورية الدين في مسيرة الرأسمالية الليبرالية الجديدة، إلى مقام المقدس. هذا ما رمى إليه مايكل نوفال ، حيث يصوغ لاهوتاً حقيقياً للرأسمالية الديمقراطية فيشبّههه بالثالوث المقدس: ثلاثة نظم في نظام واحد: اقتصاد تسيطر عليه السوق، وتنظيم سياسي يحترم الحقوق الفردية في الحياة، والحرية في السعي نحو السعادة.. علاوة على مجموعة من المؤسسات الثقافية التي تحركها شعارات مثل الحرية والعدالة للجميع[7].
لو عدنا حول هذا الموضوع، إلى جون لوك ، لكان لنا منه ما يضيف حجة فقهية جديدة لتغطية عبثيّات الليبرالية الأميركية الجديدة. فهو يرى “أن الملكية الخاصة مصدرها الله، لأنه خلق العالم للجميع، ولكنه أعطى لكل إنسان العقل وقوة العضلات لكي يحصل عن طريق العمل، على القسم الذي يريده لنفسه. فالله وعقل الإنسان، يأمرانه بتملّك الأرض، أي بوضعها في حالة تكون فيها مفيدة للحياة، عبر إضافة شيء من ذاته إليها. وهذا الشيء هو العمل”. وتبعاً لهذه الحجة، سيكون من الضروري للإنسان، من أجل تملّك الأرض، أن يبعد عنها أولئك الذين يعارضونه، أي الفلاحين. وهذا الاعتقاد مبرّر تماماً، بحسب الفلسفة النيوليبرالية ، ذلك لأنه يترجم إرادة الله، خالق العالم. وهكذا يغدو العنف، الناشئ في المناطق التي شكلت المجال الجغرافي الذي ستظهر فيه الرأسمالية، مبرراً من وجهة النظر الدينية اللّاهوتية . وإلى ذلك، فإن النهب الواسع النطاق لأميركا وآسيا وإفريقيا، صار ضرورياً أيضاً من أجل ولادة الرأسمالية. وبسبب من هذا، سيتبيّن لنا كيف يتم إضفاء الشرعية على الفظاعات التي اقتضتها أعمال النهب. وعلى المجازر التي ذهب ضحيتها خمسون مليوناً من السكان المحليين خلال فترة لا تزيد عن خمسين عاماً، وبالتالي سيظهر لنا كيف يتمّ تشكيل الذات القادرة على اجتراح مثل هذه البطولات؟
هكذا كان الدين ضرورياً من أجل إنجاز المقدمات اللّاهوتية المؤسسة للفوضى الخلاقة. يذهب ناقدو الليبرالية الجديدة، إلى بيان واقعة تاريخية شديدة الوطأة والأهمية حيث تتكشّف كيفية توظيف المقدس الديني في التأسيس ذي الطابع العنفي التدميري لأميركا. والواقعة، كما أوردها مفكرون أميركيون، تشير إلى أن بابا الفاتيكان و”باسم سلطة الله العظيم التي أعطيت له بوصفه “وريثاً لبطرس، وخليفة “ليسوع المسيح “، قد أعطى أراضي أميركا لملوك إسبانيا ليحقّقوا فوقها ” مجد الإيمان الكاثوليكي “، وليبحثوا فيها عن خلاص النفوس، وليسعوا إلى سحق الأمم الوثنية ، وإجبارها على اعتناق المسيحية”[8].
ليست أطروحة “أميركا هي العالم، العالم هو أميركا”، التي أخذ بها كل رؤساء الولايات المتحدة، منذ التأسيس إلى اليوم وبأشكال مختلفة، مجرد وسيلة أيديولوجية جزئية. ولو رأينا إلى عمق الأطروحة في الفكر الاستراتيجي الأميركي، لوجدنا أنها هي الأيديولوجيا الاختزالية نفسها في حدّها الأعلى. ذلك أن عالمية أميركا هي قضية لاهوتية عقائدية من قبل أن تكون شأناً متعلقاً بالحاجة إلى التمدد الجيو ـ استراتيجي. ذلك أن سلام أميركا هو سلام العالم كله، وحربها هو حرب العالم كله. وبهذا المعنى لا تنهض أطروحة الفوضى في اللاشعور السياسي الأميركي إلاّ على إزالة الاختلاف بين أميركا والعالم. ثم على إعادة تشكيل هذا العالم على صورتها.
والبادي من العلاقة التواصلية بين لحظة التأسيس والأزمنة المتعاقبة، أن شعور أميركا بنفسها اليوم، هو نفسه شعورها يوم وضع مؤسّسوها الأوائل مهمتها العظمى قبل نحو خمسة قرون. أي أنها أمة مبعوثة للبشرية. وإلى ذلك يظهر في شريط المشاهدة الطويل، كأن أميركا أمة لا تزال في طور التأسيس، من إبراهام لينكولن إلى جورج دبليو بوش . الكلمات التي ترسلها إلى العالم هي هي. وخطاب استعظام الذات هو نفسه. وثمة ما يشبه اليقين لدى الذين يتابعون المسار التاريخي للسلوك الأميركي السياسي والدبلوماسي أن كل الذين “اعتمروا” البيت الأبيض من الجمهوريين و الديمقراطيين ، لم يفارقوا تلك اللغة التي لا ترى إلى العالمين إلا بوصفهم أغياراً لا سبيل لهم إلى نعمة الخلاص.
لقد عُدّ ما يسمى بـ “المثالية الجديدة” التي برزت في أميركا مع نهاية الثنائية القطبية، كوريث شرعي للبروتستانتية على أكثر من مستوى. فهي وليدة مسارين: أحدهما أوروبي قديم، والآخر أميركي أكثر قرباً ومعاصرة. تعبّر هذه المثالية الليبرالية ذات الأصل البروتستانتي عن مبدأ تقليدي يقضي بأن ينال الناس حقوقهم على مستوى العلاقات الدولية، وذلك تحت تأثير تيارات فلسفية نظّرت لـ ” لاهوت الحرب “، كما دعت إلى ضرورة خضوع النظام الدولي للضوابط لكي يصبح أكثر ثباتاً[9].
لكن “لاهوت الحرب” الذي سيؤول إلى تبرير نظرية الفوضى في السياسة الخارجية، يقوم على اعتقاد راسخ في الوجدان الأميركي العام مؤداه، كما يقول الكاتب والفيلسوف الأميركي إمرسون (1802 ـ 1882)، أن أميركا هي “أكبر هبة من الله إلى هذا العالم”. وهو ما يفصح عن عقدة التفوّق والغلبة التي تشعر بها الولايات المتحدة تجاه الأمم الأخرى. وهي عندما تعود إلى الكتاب المقدس لتأكيد مهمتها الخلاصية للبشرية، فإنما تريد أن توحي للعالم بأن كل ما تفعله به، إنما هو بلوغ ” البشارة ” أو ” الخبر السار ” الذي يكفل للدول والمجتمعات أمنها وسعادتها.
على هذه الروحية ترتكز الممارسة الأيديولوجية الأميركية. وهي روحية رسولية مدّعاة يمتزج فيها السياسي بالديني من دون تفاوت، بينما لا تزال مستمرة منذ عهد الاستيطان.
- الفكرة الأميركية وفلسفة الاستيطان
سحابة أكثر من أربعة قرون، ظلت “فكرة أميركا” تخطف روح الدين وتطوّعه لأهدافها الأمبراطورية الثلاثة التي استعارتها من فكرة إسرائيل التاريخية وهي:
ـ اجتياح أرض الغير.
ـ استبدال سكانها بسكان غرباء، أو حمل من يعصي منهم على الموت.
ـ استبدال ثقافتها، وتاريخها، بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم[10].
هذه الأهداف الثلاثة كانت نتيجة للمكوّن الأيديولوجي الديني الذي تعكسه الروح الرسالية المدّعاة، والتي تقول بأحقية إشراف أميركا على صوغ العالم طبقاً لمشيئتها. وهي الروح الرسالية نفسها التي غالباً ما تتمظهر في التاريخ من خلال نزعتين قياميتين مترابطتين:
الأولى: نزعة الشبق الأمبراطوري لإعادة صياغة العالم، باعتباره “قدر أميركا المتجلّي” (Manifest Destiny) الذي رسمته العناية الإلهية ورعته.
الثانية: النزوع إلى فكرة إسرائيل كمقدمة لنـزول القدس السماوية. ولطالما كان الحلم الأمبراطوري ولا يزال يلهب حماسة المؤمنين بفكرة إسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم أجدر الشعوب بالأمبريالية، والذين لم يعشقوا شيئاً في هذا العالم أكثر من التنبؤ بالدمار الماحق لممالك العالم.
هنالك إذاً، محلّ متقدم من الزواج بين الدين و الأيديولوجيا في أميركا. وذلك على نحو يكاد يتحوّل فيه الدين إلى أيديولوجيا بحتة. إنه الزواج الذي يتم بالضبط، في اللحظة التي يتم استدعاؤه فيها ليلبي حاجة الفاعل، وتوفير شروط سيادته على ظروف الزمان والمكان. كان الكاتب والإعلامي الأميركي بل مويرز (Moyers) دقيقـاً في التوصـيف عنـدما ذهب في العـام 2004 إلى القـول بأنه للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، تستأثر النزعتان الأيديولوجية واللّاهوتية بحكم البلاد وتحتكـران السلطـة. لكنـه يضـيف “عنـدما تتـزاوج هـاتان النـزعتـان لا تكون ذريتهـما دائمـاً سيـئة، لكـنها دوماً تكون عـمياء” (…)[11]
وكان ويليام برادفورد حاكم مستعمرة بليموث، يرى أن نشر الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة إلى قلب الله. أما كوتون ماذر وهو أحد أبرز أنبياء أرض كنعان الجديدة فيقرر أن المعجزات الإلهية هي صورة عن رغبات المستوطنين وطموحاتهم. فلطالما توحدت القدرة الإلهية مع الشعب المختار. ويضيف أنه بعد أن ظن الشياطين (الهنود) أن بُعدهم عن العالم سينقذهم من الانتقام استطاع الله أن يحدد مكانهم ويرسل قديسيه الأبطال من إنكلترا ومعهم بعض الأوبئة السماوية القاتلة التي طهّرت الأرض منهم. ذلك أن الله يفسح مكاناً لشعبه في هذه المجاهل إذ هو يقتل الهنود بأوبئة من أنواع مدمّرة لا يعرف لها البشر مثيلاً إلا ما تحدثت عنه التوراة[12].
سوف نرى كيف انداحت الأطروحة الأميركية إلى أقصى أمداء حضورها الأيديولوجي حين دخل التديين السياسي كعامل مقرر وحاسم في دفع لاهوت القوة والعنف إلى ذروة الاستخدام. فلقد كشف استطلاع للرأي أجرته مجلة تايم وشبكة (سي.إن.إن) العام 2000 “أن نحو ستين في المائة من الأميركيين مؤمنون بأن التنبؤات في سفر الرؤيا سوف تتحقق. ولذا تأتي كلمة (Apocalypse) ومعناها دمار العالم ونهايته، مرادفة لكلمة (Revelation) الرؤيا. ويؤمنون أيضاً بأن هذا العالم وهذا الزمان ينتهيان عندما يعود المخلّص ابن الله ليحمل البرَرَة الصالحين المسيحيين المولودين من جديد إلى الجنة، ويلقي بالخطّائين الآثمين (باقي شعوب العالم) في نار جهنم الأبدية”[13]. ولتبيين آليات توظيف هذا الاعتقاد الديني في حقل الممارسة السياسية نشير إلى أن ثمة لاهوتيات وطوائف عديدة ومتشعبة تؤمن بهذه الفلسفة الانقضائية التدميرية. لكن الأكثر نفوذاً على الصعيد السياسي هم أولئك المعتنقون لأفكار اللّاهوتي الأنجلوإيرلندي جون نيلسون داربي الذي نشر في منتصف القرن التاسع عشر فكرة التفسيرات الحرفية للكتاب المقدس. وهي التفسيرات التي قدّمت ترتيباً زمنياً مفصلاً لنهاية العالم الوشيكة. لقد قسم داربي التاريخ إلى مرجعيات تحدّدها كيفيات التدخّل الإلهي. وأعطى سفر الرؤيا في العهد الجديد أهمية لم يعرفها من ذي قبل. كما بشّر بقرب تحقيق النبوءات لجهة عودة اليهود إلى فلسطين والمجيء الثاني للمسيح الذي يليها[14].
لم ينأ فريق المحافظين الجدد عن هذا اللّاهوت. فثمة كثيرون منهم يؤمنون بذلك ويزعمون أنهم باعتماد استراتيجية ” الفوضى الخلاقة ” إنما يمهّدون السبيل للقيامة الكبرى للمخلّص. ومنهم من ذهب إلى مخالفة داربي واتهامه بأنه يحرّف النصوص الكتابية ويشوّهها.
هؤلاء الذين خالفوا داربي سمّوا بـ” إعاديي البناء ” وأيضاً بـ” السياديين “. وهم لا يبنون إيمانهم بعودة المسيح على أساس النبوءات الكتابية، وإنما على الفعالية السياسية. ففي رأيهم أن المجيء الثاني للمسيح لن يحدث، قبل أن يهيئ العالمُ مكاناً له.
يرى “الإعاديون” الذين يتمثل الحكام الحاليون للولايات المتحدة، الكثير من آرائهم الميتافيزيقية ، أن الخطوة الأولى لتهيئة العودة (عودة المسيح) هي ” مَسْحَنة ” أميركا، وبالتالي “مَسْحَنة” العالم كله. أحد كبار منظريهم وهو جورج غرانت يقول: إن النية الرئيسة للسياسات المسيحية هي ضمان الغلبة على الأرض لملكوت المسيح. ويتفق الأميركيون المناهضون والمعادون لمثل هذه المبادئ على أن الحركة المعروفة باسم اليمين المسيحي أو “المتديّن”، تمثل أكبر خطر منفرد على قضية الفصل بين الدين والدولة. ذلك لأن منظمات هذه الحملة اللّاهوتية، الأيديولوجية الشرسة تسعى جاهدة إلى فرض الآراء المسيحية الأصولية عبر إجراءات حكومية على جميع الأميركيين، وتالياً على قطاعات كبيرة في العالم. فتحقيق السيادة المسيحية يتطلب إلغاء الفصل الدستوري بين الدين والدولة.. والاستعاضة عن النظام الديمقراطي بحكومة ربّانية (ثيوقراطية) تحكم بالقانون التوراتي. كما يوجِبُ إنهاء جميع البرامج الاجتماعية الحكومية، لكي تتولى الكنائس هذه الرعاية. يقول غرانت استطراداً “إن فتح العالم هو ما كلّفنا المسيح بإنجازه. علينا اكتساب العالم بقوة الإنجيل ، وعلينا ألاّ نقبل بأي شيء أقل من ذلك. إذ فقط عندما يتم الفتح الشامل يمكن للمسيح أن يعود”[15].
هكذا تبدو أميركا اليوم، مسحورة بنفسها إلى حدود الغواية القاتلة. وحتى الذين نظّروا لها بوصفها الدولة الكاملة، أو الدولة العالمية المنسجمة بحسب التعبير المستعار من هيغل، سيكون لهم غير باب مفتوح على التشاؤم. صحيح أنها ستكون بفضل قوتها واقتدارها وعظمتها آمنة، لكنها ستفقد روحها، وستكف أميركا عن أن تكون “المدينة الواقعة على جبل” كما يقول تشارلز وليام ماينـز . وسوف تصبح بدلاً من ذلك ـ كما يضيف ـ أمة مرقّعة تقسمها الولاءات والأعراق، يسكنها شعب يفزعه السفر إلى الخارج، ومغادرة البيوت داخل الوطن”…
هل يعني هذا أن يدخل الأميركيون عصراً جديداً من التشاؤم؟
سؤال أخذ يحفر مجراه العميق بعدما بلغت نظرية ” الفوضى الخلاقة ” شوطاً بعيداً مع المحافظين الإنجيليين الجدد. وبعد زلزال الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، لم يعد السؤال مجرد افتراض.. لا بل إن أميركا المحافظة الجديدة حتى وهي تتطيّر من نشوة نصرها في الحرب الباردة، لم يغب عن نفسها المشحونة بالقلق وارد التشاؤم، والهلع، من اليوم التالي.
- عقيدة الحرب العالمية الرابعة
ينبري عدد من العاملين في الميدان الاستراتيجي، إلى توصيف سلوك الولايات المتحدة تجاه العالم بأنه ممارسة للحرب العالمية الرابعة بامتياز. فإذا كانت الحربان العالميتان – الأولى في بداية القرن العشرين والثانية في منتصفه – على وجه شَبَهٍ مشتركٍ من نواحٍ ونتائج عديدة، فإن الحرب الثالثة هي ما عرف بـ «الحرب الباردة » (1945 – 1990). أما الحرب العالمية الرابعة فهي تلك التي لا تنفك تجتاح عالم اليوم، وتكتسي ألواناً وآليات لا حصر لها.
لقد خلع السياسيون والاستراتيجيون الأميركيون على هذه الحرب أوصافاً عدة: «الحرب الشاملة على الإرهاب»، « الحرب الاستباقية »، « الحرب اللامتكافئة »، « الحرب ضد الفوضى »، « الحرب الدائمة» و« حرب الجيل الرابع»..
غير أن هذه الأوصاف والتسميات على الجملة، تندرج في وعاء استراتيجي واحد، راحت تظهر معالمه بقوة بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. وأياً تكن التأويلات التي أخذ بها الخبراء منذ ذلك الوقت، فإن الوظيفة المرصودة للحرب العالمية الرابعة تقوم – بحسب الاستراتيجي البلجيكي ف.ب. هويغيه (F.B. Hoyghe) – على ثلاث مزايا:
– المزية الأولى: استراتيجية ومادية، وهي تعني حرمان الخصم من قواه، من قَبل أن يتمكن من الوصول إلى الولايات المتحدة وذلك عبر تدمير قواعده الخلفية.
– المزية الثانية: رمزية ورادعة: وتعني، توجيه رسالة قوية للإرهابيين وللديكتاتوريين، وإفهامهم أن الولايات المتحدة سترد على أي ضربة. وبالتالي إحباط مشاريعهم ومنع انتشارها عبر الخوف من القوة العظمى.
– المزية الثالثة: أيديولوجية وسياسية: وتعني نشر الديمقراطية في العالم. ذلك أن ترويع أعداء أميركا ليس سوى مقدمة لنشر الحكم الصالح في الكرة الأرضية كلها، وتعميم السوق وحقوق الإنسان. فالمشروع الحربي الأميركي يهدف، وفق التعبير المعتمد، إلى جعل العالم مكاناً أكثر أماناً للديمقراطية. وهذا يعني بشكل خاص جعل هذا العالم آمناً للولايات المتحدة[16].
إن هذه المزايا التي شكلت « الهندسة الأخلاقية » للجيل الأخير من حكام الولايات المتحدة، كانت جاهزة لتبرِّر حروبهم على عوالم، كان من المستحيل تكييفها أو مطابقتها، لقواعد العمل الأميركي في العالم إلاّ بالقوة.
لكن المحافظين الجدد لا يكتفون بإشهار الحرص على أهمية ووجوبية مثل هذه الاستراتيجية، بل إنهم يقطعون شوطاً إضافياً في الطريق الذي يمنح «جنونهم الحربي»، بُعْدَه الرسولي. وثمة اعتقاد راسخ لدى هؤلاء يقوم على الادعاء بأن هناك استثنائية أميركية قوامها أن ما لا يحقّ لسواها في القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة، إنما هومباحٌ لها. لذا لا ينفكون يعلنون أنهم يريدون الأمبراطورية. ولكن – كما يزعمون – هي أمبراطورية خيِّرة لا تسعى إلى اغتصاب أية أرض، ولا إلى ظلم أحد. إنهم يكررون أيضاً أن على الولايات المتحدة الدفاع عن مصالحها، (ولكن هذه المصالح تتوافق – وأيضاً، حسب زعمهم – مع تحرير البشرية، وبالتالي مع منطق التاريخ… وعلى الرغم من التبريرات الأيديولوجية للحرب العالمية الرابعة، بأشكالها المختلفة، فقد بقيت عرضة لعواصف لم تهدأ من النقد، وإطلاق الأوصاف المذمومة على مقدماتها ونتائجها. ومن أبرز ما قيل على لسان نقّاد الحرب الاستباقية الأطروحات التالية:
– إنها حرب غير قابلة للتطبيق قانونياً، لجهة أن ليس لها علاقة بحق الدفاع المشروع، الواردة في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يفترض وجود أمر طارئ، وغياب أي خيار آخر، أو رد يتناسب مع الخطر.
– إنها حرب قد تكون عدوانية. وهي كذلك في كل الأحوال، إلا أن الجانب الأخطر فيها، أن بإمكان دول أخرى، أن تسمح لنفسها، وعلى أساس المبدأ نفسه، التذرع ببيرل هاربر على هواها.
– إنها حرب قد تدفع إلى عكس ما يصبو إليه فاعلوها، أي أنها تجعل «منظمات الإرهابيين»، و«الدول الشريرة »، تعمل بسرعة أكبر.
– إنها حرب قد تمنح بعض الأشخاص حق ضرب هذا النظام أو ذاك، من دون مراقبة شعبية أو دولية.
– إنها حرب قد تكون كارثية على صورة الولايات المتحدة، إذ تمنع حلفاءها من اتباعها في هذه المقامرة، ثم إنها تثير كل المعارضات في وجه أميركا التي تبدو أنها تستعمل حق القوة.[17]
إلى هذه اللائحة من المآخذ المبررة بصورة واسعة، يضاف مأخذ آخر، وهو يظهر في قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي لم يفلح الاحتلال بعد فترة طويلة من العثور عليها.
لكن من يقنع الجيل الأميركي الرابع، ممثلاً بطبقة المحافظين الجدد، بعدم الاندفاع نحو المزيد من الجنون؟
لا أحد، على ما يبدو، بإمكانه أن يمارس على ذلك الجيل، عملية إقناع بالوسائط المنطقية. فالمسألة هنا، تتعدى مثل هذه الوسائط، ولا سيما أن الحرب الاستباقية بطبعها، وطبيعتها، وعناصرها الذرائعية ، هي إجراء غير عقلاني. وبالتالي، فلا تصح معها العقلانية. فالأفكار التي تؤلف بمجموعها استراتيجية هذا النوع من الحرب، هي غالباً ما تقود أصحابها إلى معضلة مستحيلة. وبالتالي، غالباً ما تكون النتيجة تدميرية: إن أفكاراً كهذه، سوف تقود إما إلى فقدان ماء الوجه، مما يشجع أعداءهم على اغتنام لحظات الوهن، أو الضعف، أو التراجع وممارسة ضربات موجعة، وإما إلى القيام بمهمة مستحيلة، قوامها: إزالة حتى فرضية الشر. فإذا كانت طبيعة نظام ما، أو نيّاته السيئة، تشكل الخطر الداهم، فمن الواجب إذّاك تطهير الأرض منه أو الوقوع في الهلاك.. إن ذلك هو بالضبط، ما مضت إليه « المحافظة الأميركية الجديدة » منذ ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. حتى إذا وقع زلزال الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، بلغ جنون الجيل الرابع الأميركي، ضفاف الهاوية…
وإذن، ما الصورة التالية التي سنختبر علاماتها في المشهد المستأنف؟
- النصر أو الإبادة كعقيدة أميركية عليا
عندما كتب ريتشارد بيرل ، الذي لقّبه المعجبون بأفكاره، بـ « أمير الظلام »، «ليس من حل وسط لأميركا، إما النصر وإما الإبادة»، لم يكن كلامه هذا، من قبيل الغلواء الساذجة. كان يعني في العمق حقيقة الممارسة التي ينبغي على الولايات المتحدة ألاّ تحيد عنها، وهي تؤسس للقرن الحادي والعشرين.
كان بيرل يرمي إلى ما سبق للفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت (Hannah Arendt) ، أن رمت إليه، وهي تلاحظ مسارات حرب فييتنام: «يجب أن نعمل ليس على غزو العالم، بل على التفوق في معركة تستهدف عقول الناس»… وكانت تقول «إن هذا الشيء هو أمر جديد في هذا الكمّ الهائل من الجنون البشري الذي سجله التاريخ»…
المعلقون على كلمات ريتشارد بيرل الأثيرة، ذهبوا في الاستدلال إلى «بؤرة المعنى»، فوجدوا أن المحافظين الجدد، باقتناعهم أن على الولايات المتحدة إزالة محور الشر أو الزوال، وبتغذيتهم خطاب السيطرة المطلقة باسم وضعية الضحية، إنما يضعون أنفسهم عن قصد في السياق الصوفي، بينما هم يُتهمون غالباً باللاأخلاقية.
مثل هذه الإشارة، تنطوي على أهمية خاصة، لجهة تشكّل العمارة الأيديولوجية المركبة للاّهوت السياسي الأميركي، وللاهوت المحافظين الجدد بصفة مخصوصة. فالغلوّ السياسي الذي يطفو على سطح الزمن الأميركي الجديد، ويكسو لغة «حكماء البيت الأبيض»، يترجم تلك العمارة الأيديولوجية في ذروة مراتبها.
قد يكون من السخف إرجاع خطاب الحرب الشاملة ضد «الإرهاب» و« الدول المارقة »، إلى «سذاجة» مزعومة، أو إلى «وحشية» أميركية. فالحقيقة أن فعل مثل هذه السياسة لا يعاني من قلّة التمحّص بقدر ما يعاني الغلو الأيديولوجي. فالأيديولوجيا، على ما هو معروف، هي في بعض المجالات قناع للمصالح. وهي التي تحدد أيضاً، ما يعتبره كل واحد، أنها مصالحه. ثم إنها تقود أحياناً إلى توسّع في الوسائل بالنسبة إلى الغائيّات، وبالتالي إلى مقاومة مثلث الإرهاب والاستبداد والتكنولوجيا المنتشرة لأسلحة الدمار الشامل. وبهذا المعنى فإن في الأيديولوجيا التي تمثّل أهواء ومصالح الجماعة البشرية، جانباً احتفالياً – كما يبيّن آلان بيزونسون (Besanson) ، المتخصص في الشؤون الشيوعية: فهي (أي الأيديولوجية) على ما يقول – تدّعي إقامة حقيقة أكثر واقعية من الحقيقة، وذلك بقوة الخطاب وحده. وهذي هي بالضبط، حقيقة المحافظين الجدد. وسيبدو هذا الملمح بعضاً يسيراً من جنون « الجيل الرابع » الذي ينطلق بلا هوادة في مسار يشبه الحرب المفتوحة على الأبدية[18].
إلى ذلك، يلخّص الاستراتيجيون الغربيون التفكير الاستراتيجي، لجيل الحرب العالمية الرابعة (G.W.O.T) بمجموعة من المبادئ، سبق وأكد على وجوبية تطبيقها عدد من لاهوتيي المحافظين الجدد. وهذه المبادئ هي:
أولاً: العدو فريد ومطلق وإنه هؤلاء: الإرهابيون ، السلفيون ، الشيعة ، الاستبداديون، البعثيون، الأنظمة الإسلامية، الديكتاتوريات ما بعد الشيوعية، وهي كلها متساوية – بنظر المحافظين الجدد – لأنها تؤلّف الخطر نفسه.
ثانياً: لا فرق بين النية العدائية والقدرة العدائية. بين التنفيذ والنيّة، بين الجريمة والسلاح. فالحرب دائمة. من هنا، ضرورة الوقوف على كل الصعد ضد أي خطر متوقع، سواء جاء من عدو معلن، أم من منافس محتمل.
ثالثاً: الكرة الأرضية هي ساحة المعركة. لم يعد هناك منطقة محميّة (أرض الولايات المتحدة لم تعد مقدّسة). فالخطر، خصوصاً الإرهابي، قد يأتي من كل مكان من دون أن تُكبح عوامله باعتبارات السيادة أو توازن القوى. على العكس، يجب القيام – بحسب هؤلاء – بالهجوم على أرض الخطر في العالم العربي والإسلامي، وزعزعة الأنظمة السيئة.
رابعاً: السلاح، يجب احتكاره. وإذن يجب القيام بالحرب للقضاء على الأسلحة. من هنا، أهمية مسألة أسلحة الدمار الشامل.
خامساً: الخطر يناقض متطلبات الأمن المطلق. من هنا، الضرورة المزدوجة للمراقبة الشاملة والقدرة على الرد ضد كل المخاطر. وهذا يقود إلى هوام العلم بكل شيء، كما يقوم على الشعور بامتلاك قوة كلية القدرة والجبروت..[19]
ببساطة شديدة، تبدو عقيدة « الجيل الرابع »، عقيدة مركبة. فهي تخلط – كما رأينا – بين العناصر (المبادئ) الخمسة (العدو، نية العدو، الأرض، السلاح، والخطر)، ضمن مفهوم واحد. وبصورة أوضح، فإن هذا المفهوم يرمي إلى إزالة كل الأخطار المحتملة دائماً وفي كل مكان. وبما أن توازن القوى لا يزال بصورة واسعة لمصلحة أميركا، والعدو لا يمكن ردعه بالخوف من العقاب، كما كانت حال الاتحاد السوفياتي، فإن المعركة ليس لها في الواقع سوى هدفين: الزمن والصورة.
الزمن: لأنه يجب العمل بسرعة قبل فوات الأوان.
والصورة: لأن المحافظين الجدد مقتنعون بأن 11 أيلول/سبتمبر، هو ثمن الخطأ الماضي في عدم القدرة على ترويع العدو[20].
جنون « الجيل الرابع » سيتجاوز ومن خَلَفَه من أجيال الحاكمين بامتلاك الكلمات وبممارسة تلك الكلمات. فقد جعل الجيل المذكور للزمن الجديد لاهوته الخاص. اللّاهوت الذي يقوم على تقديس ما وضعه المؤسسون الأوائل، من رؤية رسالية لولادة أميركا، وكذلك على تقديس كل سلوك وممارسة تفضي إلى الغاية، ولو كلّف ذلك سقوط ملايين الضحايا.
في أثناء الحرب الباردة، لم يكن توازن الرعب نظرية جرى وضعها لتحقيق الاستقرار والسلم الدوليين، بل كان في حقيقته أمراً واقعاً. وبنتيجة هذا الواقع، رأينا كيف تم حفظ السلام بين القوى الكبرى. وهكذا فإن « نظرية الكتل » التي أفرزتها حركة الاستقطاب في مرحلة توازن الرعب لم تكن هي الأخرى، مجرد نظرية، وإنما كانت مظهراً يعكس التحولات في توازن النزاع الدولي [21].
مع نهاية الحرب الباردة، وسقوط التوازن لمصلحة الأحادية، سوف ينفتح فضاء العالم ليخرج التفكير الامبراطوري الأميركي من «هدوئه القسري» إلى جنونه الظاهر. وعلى هذا النحو لم تكن رحلة تقسيم العالم وفق معادلة الخير والشر سوى ترجمة لبلوغ اللّاهوت السياسي الأميركي الدرجة القصوى من اللاعقلانية. صحيح أن هذه المعادلة هي حصيلة تحولات واقعية لمسار التطور العالمي، إلا أنها «المعادلة» الأقل ثباتاً في التاريخ، ذلك لأنها تشق سبيلها بواسطة القوة المحضة. وتبعاً لسياق كهذا، فمن غير المقدّر أن يفلح العالم المكتظ بعوامل الصدام، في العثور على منطقة الاعتدال والتسوية والتوازن.
- الحداثة الأميركية ولاهوت الحرب
لعل أكثر ما يحمل اللّاهوت الحربي الأميركي على الغبطة، إذ يجد من مأثورات الحداثة، ما يبرِّر له أفعاله، ويضفي عليها صفة المشروعية. وقبل نهاية الألفية الثانية سيأتي من النخب الأميركية من يستعير من موروث الحرب العالمية الثانية، ليؤدي قسطاً من هذه المهمة. وكان لهم في العبارات الشهيرة التي ردّدها الوزير الأول البريطاني ونستون تشرشل في العام 1944 مرجعية وحجة: «إن الحقائق الاستراتيجية تحتاج في كثير من الأحيان، لأن تكون محميّة من جانب «حرس من الأكاذيب».
هذه المأثورة، التي ستتحول في الثقافة السياسية الأميركية إلى ما يشبه الأطروحة، ليست بعيدة من فلسفة التبرير الذي هو سمة راسخة في التاريخ الأميركي. وهو ما سيُظهر لنا، بما لا يقبل الغموض، الطريق الذي تمتزج فيه الأكاذيب السياسية بالحقائق الاستراتيجية.
ففي خلال الأعوام التي تلت حرب الحلفاء على العراق وسقوط بغداد عام 2003، شاعت عبارة «حرس من الأكاذيب»، للتدليل على دور الأجهزة الاستخباراتية والإعلامية، في إقناع الرأي العام، بدوافع الحرب، وتبرير نتائجها رغم موجات الاستنـزاف والخسائر التي يتعرض لها جيش الاحتلال، سياسياً وعسكرياً ومعنوياً.
يومذاك امتلأت الفضاءات الإعلامية بما لا حصر له من الوثائق، والصور، والمعلومات حول وجود أسلحة الدمار الشامل، وحول علاقة نظام صدام حسين المنهار بتنظيم القاعدة، وبأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لكن سيأتي بعد أسابيع قليلة من داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة، من يرى إلى كل ذلك على أنه محض «أكاذيب». وسيمضي المفكر والباحث الفرنسي أوليفييه روا (Olivier Roy) ليلخّص قناعات واسعة في الرأي العام الغربي، بالقول: «إن أهداف الحرب التي أعلنت عنها واشنطن لا يظهر فيها أي تماسك منطقي. أما أفضل الحجج الفكرية الدافعة للحرب فهي كانت على العموم التكتم والنكران»…[22]
سعت إدارة المحافظين الجدد إلى توسيع دوائر التضليل تحت شعار «الاتحاد من أجل السلام». ومؤدّى هذا الشعار الذي يطوي في ثناياه آليات مبتكرة من الديماغوجية السياسية المحكمة، هو إعادة إنتاج قناعات لدى الجمهور الأميركي، تبرِّر الانتقادات الجادة من قبيل «بوش يكذب»، أو «هناك أميركيون يموتون». صحيح أن هذه القضية بمجملها أثارت مسألة أخرى متصلة بسابقتها، إلا أنها قد تكون أكثر إقلاقاً أيضاً، وهي الجذور الفلسفية للأيديولوجيا التي تقف على رأس « الثورة المضادة البوشية»[23]. يجمع مؤرخو الممارسة الساسية الأميركية، على وجود شغف لافت لدى قادة الولايات المتحدة، قوامه، صناعة الأكاذيب، وتشكيل حرس من المفكرين والإعلاميين، ومراكز الأبحاث لتسويغها وتسويقها.
لقد غدت الولايات المتحدة في قلب عولمة متطلبات التبرير – كما يلاحظ آريال كولونوموس – فالدولة الأميركية هي وريثة تاريخ طويل في المجال «الأخلاقي». وطبقاً لتاريخها «الطهراني» الذي أضَفَتْهُ عليها البروتستانتية الزهدية، حرصت على الاضطلاع بدور « منارة الإنسانية » على حد التعبير الذي استخدمه جون فوستر دالاس في الستينيات. وفي مرحلة متأخرة ستلعب عناصر جديدة في المجتمع المدني دوراً رئيسياً في صعود قوي لتلك النظرة المثالية المتجددة. ولئن كانت النـزعة التبريرية سمة مميزة للاستثناء الأميركي، فهي ظاهرة دولية عامة، بل هي مطلب دولي تفترضه شروط الهيمنة الجيو – استراتيجية .
في أثناء الحرب الباردة، كانت مصلحة أعضاء الكتلة الواحدة، تكمن في التغاضي عن أخطاء حلفائها للحفاظ على مصالحها المشتركة، ومنع الكتلة الثانية من استغلال خلافاتها. أما الآن، فإن الظهور البيِّن للمجتمع المدني أرغم الدول والمؤسسات على تقديم حسابات حيال أشكال الرقابة الجديدة هذه، وأصبحت معارضة المجتمع المدني ذات صفة عالمية وميزة للتعددية الليبرالية. فلقد وُضعت بواسطة هذه الرقابة، دول كثيرة في قفص الاتهام بسبب من موقفها تجاه العديد من الجماعات المتضررة، أو التي كانت ضحية لسلوكياتها.
أما بالنسبة إلى أميركا على وجه الخصوص، فقد اتخذت أيديولوجية التبرير لديها مناحٍ استثنائية، وذلك طبقاً للمنسوب العالي جداً من أيديولوجية الهيمنة . كثيرون من مؤرخي سياستها الخارجية حلّلوا «المسارات الأخلاقية » لهذه الدولة، فأدرجوها ضمن استمرارية هيمنتها.
من هؤلاء، المؤرخ تومي سميث الذي ذهب في طرحه إلى حد اعتبار أن «الويلسونية»، وهي تصور أخلاقي لسياسة تتطلع إلى جعل العالم ديمقراطياً، تشكل الخيط الأحمر في تاريخ أميركا للقرن العشرين. وبحسب سميث، أن الرئيس رونالد ريغان، رغم كونه من المحافظين، في حين كان ويلسون ديمقراطياً، من أنصار القوة والسياسة المتشددة، تجاه الاتحاد السوفياتي، كان خير مثال على حداثة هذا الموروث.
ختاماً، لم تكن المراحل التي تلت حقبة المحافظين الجدد سوى استئناف متعدد الوجوه لحقيقة فلسفة الحرب ولاهوتها السياسي. فمنذ نهاية الولايتين الرئاسيتين لجورج بوش الإبن والأب مروراً بولاية بيل كلينتون، كان ثمة تأكيد على رسوخ هذه الأطروحة. تلك التي تضاعفت حدتها على نطاق عالمي مع الولايات الرئاسية اللاحقة، وخصوصاً مع حقبة دونالد ترامب، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة الأميركية العميقة هي التي تستحكم بصياغة لاهوت القوة والسيطرة، وهي التي تستعيد ميتافيزيقا الاستعلاء وتصوغها على نحوٍ جديد للهيمنة التامة على البشرية المعاصرة.
قائمة المصادر والمراجع
- آريال كولونوموس، ماذا لو أصبح العالم بروتستانتياً؟ ترجمة جرجيت حداد، “مدارات غبية” العدد الأول أيار/ مايو 2004.
- آلان جوكس، من حوار أجرته معه مجلة “مدارات غربية” العدد الأول التجريبي، بيروت، أيار/مايو 2004.
- أنظر باتريك بوكانان (أيضاً)، برنامج المحافظين الجدد، “المستقبل” الجمعة، 11 نيسان/ أبريل 2003.
- جون ميسون، الأكاذيب الورعة للمحافظين الجدد، “مدارات غربية”، العدد الثاني مصدر سبق ذكره،
- روبن دراي، لاهوت الغلبة، الجذر الديني الفلسفي لليبرالية الجديدة، راجع “مدارات غربية” العدد الثالث/ أيلول/ سبتمبر – تشرين الأول/أوكتوبر 2004 المقال فصل من كتاب صدر في بونس آيرس العام 1994، تعريب د. جاد مقدسي.
- غسان غصن، الخطر الأميركي الأشد تسيّس الدين أم تديّن السياسة، شؤون الأوسط، العدد 118، ربيع 2005.
- ف.ب. هويغيه، الجنون الاستراتيجي في الحرب العالمية الرابعة، أنظر “مدارات غربية”، العدد الثاني، تموز /يوليو – آب/ أغسطس 2004، نقلاً عن دورية Observations d\infostrategie.
- منير العكش، تلمود العم سام، الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا، رياض الريس للكتب والنشر، 2004.
- Patrick Bacanan, The American Conservative, March 24, 2003.
[1]– M. Hard/A. Negri, Empire (paris: Exils Editeur, 2000 PP. 215-216).
[2] – Ibid. P 210-211.
[3] – Ibid. P. 217.
[4] – آلان جوكس، من حوار أجرته معه مجلة “مدارات غربية” العدد الأول التجريبي، بيروت، أيار/مايو 2004.
[5] – روبن دراي، الجذر الديني الفلسفي لليبرالية الجديدة، راجع “مدارات غربية” العدد الثالث/ أيلول/ سبتمبر – تشرين الأول/أوكتوبر 2004 المقال فصل من كتاب صدر في بوينس آيرس العام 1994، تعريب د. جاد مقدسي.
[6] – راجع، المصدر نفسه.
[7] – روبن دراي، مصدر سبقت الإشارة إليه.
[8] – راجع روبن دراي، المصدر نفسه.
[9] – آريال كولونوموس، ماذا لو أصبح العالم بروتستانتياً؟ ترجمة جورجيت حداد، “مدارات غربية” العدد الأول أيار/ مايو 2004.
[10] – منير العكش، تلمود العم سام، الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا، رياض الريس للكتب والنشر، 2004، ص 11.
[11] – ضمن كلمة ألقيت بعد تسلم مويرز الجائزة السنوية الرابعة لمواطن البيئة العالمي، كلية هارفرد للطب 1/12/2004، نقلاً عن WWW. Commonondreams.com.
[12] – غسان غصن، الخطر الأميركي الأشد تسيّس الدين أم تديّن السياسة، شؤون الأوسط، العدد 118، ربيع 2005.
[13] – غسان، غصن، المصدر نفسه.
[14] – المصدر نفسه.
[15] – المصدر نفسه.
[16] – ف.ب. هويغيه، الجنون الاستراتيجي في الحرب العالمية الرابعة، أنظر “مدارات غربية”، العدد الثاني، تموز /يوليو – آب/ أغسطس 2004، نقلاً عن دورية Observations d\infostrategie
[17]– هويغيه، المصدر نفسه.
[18] – Patrick Bacanan, The American Conservative, March 24, 2003.
[19]– أنظر باتريك بوكانان (أيضاً)، برنامج المحافظين الجدد، “المستقبل” الجمعة، 11 نيسان/ أبريل 2003.
[20] – بوكانان، المصدر نفسه.
[21] – بوكانان، المصدر نفسه.
[22] – هويغيه، المصدر نفسه.
[23] – جون ميسون، الأكاذيب الورعة للمحافظين الجدد، “مدارات غربية”، العدد الثاني مصدر سبق ذكره،
نقلاً عن مجلة Critiaue)No 682 Mars 2004
العنوان الأصلي للمقال: Guerre d’Irak et guerre culturelle; Les Pieux Mensanfes\néo
Conversateurs. Jhon. G. Mason.




