فلسفة وميتافيزيقا

الكون والفساد لأرسطوطاليس

الكون والفساد لأرسطوطاليس

 

 

 

 

 

يُعَدّ كتاب «الكون والفساد» (De Generatione et Corruptione) من أبرز مؤلفات أرسطو في مجال الطبيعيات، إذ يتناول فيه قضايا نشأة الأشياء وتحوّلها وزوالها. ينطلق أرسطو من نقد آراء سابقيه من فلاسفة ما قبل سقراط، ثم يُقدّم نظريته الخاصة التي ترى أن الكون يقوم على الهيولى والصورة، وأن عملية التغيّر (الكون والفساد) لا تعني العدم المطلق، بل انتقال المادة من صورة إلى أخرى بفعل العلل.

الكتاب يمثل محاولة عميقة لفهم التغيّر الطبيعي: كيف يتكوّن الشيء من عناصر معينة، وكيف يفسد ليصير شيئاً آخر، وما طبيعة هذه العناصر الأولى (الماء، النار، الهواء، التراب) التي كان الفلاسفة الأوائل يختلفون في تحديدها.

 

المحاور الرئيسية

 

  1. نقد الفلاسفة السابقين

 

يتوقف أرسطو عند آراء ميليسوس وإكسينوفان وغرغياس:

ميليسوس (من تلامذة بارمنيدس) يرى أن الوجود واحد لا يتغير ولا يتجزأ. يردّ عليه أرسطو بأن القول بالوحدة المطلقة يناقض الواقع الحسي الذي يكشف عن التعدد والتغيّر.

إكسينوفان اعتبر الله واحداً سرمدياً، ثابتاً، لا يشبه البشر. يناقش أرسطو مذهبه من زاوية العلاقة بين الإلهي والعالم، ليؤكد أن وجود مبدأ أول لا ينفي التغيّر في الطبيعة.

غرغياس، ممثل النزعة العدمية، أعلن أن “لا شيء موجود، وإن وجد فلا يمكن معرفته، وإن عُرف فلا يمكن التعبير عنه”. يردّ عليه أرسطو بتأسيس رؤية واقعية: المعرفة ممكنة لأن الكائنات المادية لها ماهيات يمكن إدراكها.

 

  1. مفهوم الكون والفساد

 

الكون عند أرسطو هو تحوّل شيء من القوة إلى الفعل، أي من إمكانية الوجود إلى تحققه فعلاً.

الفساد ليس عدماً مطلقاً، بل تحوّل صورة إلى صورة أخرى، بينما تظل المادة (الهيولى) حاملة لهذه الصور.

مثال ذلك: الخشب (مادة) يمكن أن يصبح سريراً (صورة)، ثم يحترق فيتحوّل رماداً. المادة باقية، لكن الصور تتبدّل.

 

  1. العناصر الأربعة ونظرية الامتزاج

 

أرسطو يطوّر نظرية العناصر الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) التي ورثها عن إيمبيدوكليس، لكن بتفسير جديد:

هذه العناصر تتكوّن من ثنائيات متقابلة: (الحار/البارد) و(اليابس/الرطب).

التغيّر الطبيعي يحدث نتيجة اختلاط هذه العناصر وانفصالها.

الامتزاج ليس مجرد تماسّ ميكانيكي بل اتحاد نوعي يكوّن جوهراً جديداً.

 

  1. العلل الأربع في تفسير التغيّر

 

يربط أرسطو بين الكون والفساد ونظريته الشهيرة في العلل الأربع:

العلة المادية (المادة التي يتكوّن منها الشيء).

العلة الصورية (الهيئة أو الكيفية التي تعطيه هويته).

العلة الفاعلة (ما يُحدث التغيّر).

العلة الغائية (الغاية أو الغرض).

بهذا يقدم تفسيراً شاملاً للتغيّر الطبيعي، فلا يعود مجرد ظاهرة حسية، بل عملية عقلية يمكن فهمها وفق نظام سببي.

 

  1. أثر الكتاب في الفلسفة الإسلامية والوسيطة

 

هذا الكتاب كان أساساً للجدل الفلسفي في العالم الإسلامي، خصوصاً عند ابن رشد الذي شرحه شرحاً عميقاً، حتى لقّبه دانتي بـ “الشارح الأكبر لأرسطو”.

ساعد على نقل الفكر الأرسطي إلى أوروبا اللاتينية، وأثّر في توما الأكويني وغيره من فلاسفة العصور الوسطى.

 

الخلاصة

 

يُظهر كتاب «الكون والفساد» عبقرية أرسطو في الجمع بين النقد التاريخي لآراء سابقيه، وصياغة نظرية متماسكة حول طبيعة التغيّر والوجود. فالكون ليس خلقاً من عدم، ولا الفساد عدماً مطلقاً، بل كلاهما تعبير عن حركة المادة وتحوّلها. هذه الرؤية جعلت من أرسطو مرجعاً أساسياً لكل فلسفة لاحقة، وأثّرت بعمق في الفكر الإسلامي واللاتيني على السواء.

____________________

*المصدر: صفحة “سالم يفوت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى