فلسفة وميتافيزيقا

كتاب “الأورغانون_الجديد” للفيلسوف الإنجليزي فرانسيس_بيكون

يحتل كتاب «الأورغانون_الجديد أو الوسيلة الجديدة لاكتساب المعرفة» موقعاً مركزياً في تاريخ تشكّل العقل العلمي الحديث. ألّفه الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس_بيكون في مطلع القرن السابع عشر، وكان هدفه المعلن تحرير الفكر الإنساني من القيود التي كبّلته قروناً طويلة. فالعقل – في نظره – ظل أسيراً لمنطق تقليدي تشكّل أساساً في فلسفة أرسطو، وهو المنطق الذي سيطر على الجامعات الأوروبية في العصور الوسطى وأصبح بمثابة الأداة الوحيدة للتفكير الفلسفي والعلمي.
غير أن بيكون رأى أن هذا المنطق لم يعد قادراً على اكتشاف حقائق الطبيعة. فقياس أرسطو المنطقي يقوم على الانتقال من مقدمات عامة إلى نتائج جزئية، أي أنه يفترض صحة المبادئ ابتداءً ثم يستنبط منها النتائج. لكن المشكلة، كما لاحظ بيكون، تكمن في أصل هذه المبادئ نفسها: من أين جاءت؟ ومن الذي يضمن صحتها؟ هنا تبدأ الشكوك التي ستفتح الباب أمام ثورة معرفية حقيقية.
في هذا السياق اقترح بيكون منهجاً مغايراً يقوم على الاستقراء (Induction / الاستقراء)، أي الانتقال من الملاحظات الجزئية المتعددة إلى القوانين العامة. فالعلم لا ينبغي أن يبدأ بالمبادئ المجردة، بل بالتجربة الحسية الدقيقة وجمع الوقائع، ثم تحليلها تدريجياً حتى تنكشف القوانين التي تحكم الظواهر. ومن هنا دعا إلى بناء ما سماه «التواريخ الطبيعية»، أي سجلات واسعة من الملاحظات والتجارب التي تشكل المادة الخام للمعرفة العلمية.
لكن المشروع البيكوني لا يقتصر على اقتراح منهج علمي جديد، بل يتضمن أيضاً نقداً عميقاً لما سماه أصنام العقل (Idola / أوهام الفكر). فالعقل البشري – في رأيه – لا يرى العالم كما هو، بل كما تمليه عليه عاداته وأهواؤه وأوهامه. وهذه الأوهام أربعة أنواع:
أوهام الطبيعة البشرية، وأوهام اللغة، وأوهام الثقافة السائدة، وأوهام الفلسفات القديمة. وكلها تشوّه عملية التفكير وتمنع الإنسان من رؤية الحقيقة كما هي.
بهذا المعنى يصبح «الأورغانون الجديد» إعلاناً فلسفياً لبداية عصر جديد: عصر يصبح فيه العلم تجربة قبل أن يكون جدلاً، وملاحظة قبل أن يكون استنباطاً. ومن هذا التحول ستولد لاحقاً الروح العلمية التي ستغذي الثورة العلمية الأوروبية، تلك الثورة التي سيشارك في صنعها لاحقاً مفكرون مثل رينيه ديكارت وإسحاق نيوتن.
ما يلفت الانتباه في مشروع بيكون أنه لم يكن مجرد تنظير فلسفي، بل كان يحمل طموحاً حضارياً واسعاً. فالمعرفة عنده ليست غاية في ذاتها، بل قوة تمكّن الإنسان من فهم الطبيعة والسيطرة على قوانينها. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي
أصبحت شعاراً للعصر الحديث: «المعرفة قوة».
هكذا يبدو «الأورغانون الجديد» لحظة مفصلية في تاريخ الفكر: لحظة انتقال العقل من التأمل المدرسي إلى المختبر، ومن الجدل النظري إلى التجربة العلمية. إنه النص الذي أعلن، بشكل مبكر، أن الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر سلطة القدماء، بل عبر جرأة السؤال ومشقة التجربة.
المصدر : ‎على دروب الفلسفة Sur les chemins de la philosophie
للتّصفح:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى