دراسات وبحوث معمقة

الحداثة الاجتماعية السائلة وخلق سيمياء التواصل الزائفة في المجال العربي

الحداثة الاجتماعية السائلة وخلق سيمياء التواصل الزائفة في المجال العربي
أ.د. وائل احمد خليل الكردي
في مداولة فكرية مع أحد المستشرقين الأوروبيين، قال: “الفرق بيننا وبين العرب، أننا نحن الأوروبيون ننظر إلى الأخر العربي لكي نرى مميزات ذاتنا الأوروبية. بينما ينظر العربي إلى الآخر الأوروبي لكي يرى نقائص الذات العربية”. وهذا ما خلق حالة من الهشاشة البالغة في الثقة في النفس لدى العربي الأمر الذي اضطره في كثير من الأحيان أن يحاول الانسلاخ نوعاً ما عن ثقافة أصله ذاك وينتسب إلى الثقافة الأوروبية-الأمريكية بالاستبدال اللغوي وتقمص الحالة السلوكية الغربية، ومن ذلك أن أدخل أبنائه تعليماً أجنبياً صرفاً ناطقاً بلغة أجنبية ليس في ميدان العلوم فقط بل حتى في أخص الأمور التي تحتاج إلى استدعاء اللغة الأم. من هنا ظهرت الحداثة الاجتماعية السائلة في المجتمعات الغربية بعامل فقدان الثقة الكافية في الذات الذي جنح بها إلى تأسي الغرب والذي هو مصدر الحداثة السائلة أصلاً.
لقد حدد زيجمونت باومان في كتابه (الحداثة السائلة) هذا المفهوم بتمثله في “عملية التحديث الذي يستمد قوته الدافعة من داخله؛ أي إذابة وتمييع مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكيانات الثابتة المستقرة أو الكيانات التي تستمد بقاءها واستمراريتها من داخلها على نحو ثابت (البنى الاجتماعية، والروابط الإنسانية، والنماذج السلوكية، والنماذج القيمية، وما إلى ذلك) ناهيك بما يترتب على ذلك التمييع من إضعاف لقوتها وقبضتها على النموذج الإنساني للوجود العام، فكان التحديث المتواصل، منذ بدايته وحتى يومنا هذا، السمة البارزة للحداثة. وهكذا فإن ما تتميز به طريقة الحياة الحديثة (أي الطارئة مؤخراً دائماً) عن أنماط الحياة السابقة السائدة يكمن في التحديث الوسواسي القهري الإدماني (للإذابة) المتواصلة والاحلال السريع للبنى والنماذج الذائبة”. وهذا كفيل بتمزيق أي حد مضروب حول الهويات الاجتماعية للحفاظ عليها ويتمثل في الثقافات المحلية. فتتجلى المظاهر الأنثروبولوجية للحداثة السائلة في المجتمع الإنساني العام ومنه المجتمع العربي، على ما يلي:
أولاً- تعيدنا الحداثة المجتمعية السائلة إلى مفهوم (الفيزياء الاجتماعية) الذي تصوره أوجست كونت وكان فاتحة للطريق أمام (الحداثة الصلبة) وتكوين النظم المجتمعية الإنسانية عليها. فإذا كانت الحداثة الاجتماعية الصلبة قد انطلقت من التفسير الخطي النيوتوني في الفيزياء الكلاسيكية بانتقال الموجة المتصلة للطاقة من نقطة معلومة إلى نقطة معلومة أخرى حتمياً بما يسمح بالقياس التنبؤي على صيرورة الظواهر بهدف التحكم في المستقبل وتثبيته؛ فإن (الحداثة السائلة) قصدت إلى ضمان استقلال المستقبل وحريته، ودرء التهديد الذي يمثله أي استغلال مبكر للفرص الخفية المجهولة التي ربما يأتي بها المستقبل أو التي لابد أن يأتي بها (على حد تعبير باومان). فإن الحداثة الاجتماعية السائلة في ذلك قد تبنت فيزياء الكوانتم في بناء مفهوم جديد للفيزياء الاجتماعية؛ حيث ينسحب جسيمات الطاقة في كتل على هيئة الرش المتفرق أو العشوائي على صورة تعدد الهويات والفئات المجتمعية في غير رابط منتظم، كما أن (مبدأ اللايقين) uncertainty principle لدى هايزنبيرج بعجز القدرة على القياس المعرفي الحاسم لحالة وماهية جسيم الطاقة ومن ثم سقوط التنبؤ العلمي في الاحتمالية القصوى قد انسحب على التقدم الانتشاري اللاقياسي للظاهرة الاجتماعية بفعل الاذابة المستمرة للكتل الاجتماعية، ومن ثم عدم التنبؤ والبناء إلا على اللحظة الراهنة والتي سيجري عليها بصورة مستمرة تغير (مياه هرقليطس)، وما ينشأ عن ذلك كله من انسلاخ عن الهويات واندثار للحضارات.
ثانياً- فإن تمثل الذات العربية للأخر الأوروبي-الأمريكي بما يبدي مساوئ ونقائص هذه الذات العربية وما ترتب على ذلك من فقدان الثقة في النفس، قد أدى –يمكن القول- إلى تعليق الإنسان العربي العادي إلى المسؤولية الوجودية والأخلاقية السلوكية له بثقة عمياء على نموذج عده هو نموذجاً مثالياً أعلى وكان يكفي في ذلك –على منطق (سيكلوجية الجماهير) لدى جوستاف لوبون- الاعتقاد الكلي المطلق في هذا النموذج بما يحقق التبعية الكاملة له والخلاص بالسير على خطاه بوقع الحافر على الحافر دون تفكير أو تدبر؛ فالمريد يؤمن بعماء مطلق أن شيخ طريقته سيأخذه من يده إلى الجنة مباشرة إذا ما أسلم له المسؤولية ورهن كامل إرادته لما أراده الشيخ، وكذلك الكادر النشط في التنظيم السياسي لا شك لديه في تحقيق الخلاص المجتمعي والإنساني إذا اقتفى أثر زعيم الحزب وتلقف تعليماته ونفذها حرفياً وبلا استفهام، وانبهار الطالب بالفقيه والقطيع البشري بمرشده. والتعليق القصدي الأعمى للمسؤولية على النموذج الأعلى هو ما أشعل في النتيجة المشهودة عياناً حروب الصراعات السياسية والإرهاب العقدي والابادة العرقية والنزاعات القبلية والقهر والتهميش، وما نحو ذلك.
ومن ناحية أخرى، فإن هذا قد أدى أيضاً إلى اللجوء إلى روحانية زائفة بوضع الانسان العربي ذاته وشخصيته وإرادته بنحو هيستيري محموم بين يدي دعاة الكارما وقانون الجذب والبرمجة اللغوية العصبية، فيتحول إلى قرص مدمج يبرمجه هؤلاء كيفما يشاؤون، ويظن أنه بذلك قد ملك الكون وبلغ السعادة.
ثالثاً- تسببت عمليات الإذابة والتسييل الاجتماعي في ظهور (سيمياء semiotics) زائفة في الوسيط التواصلي داخل البناء الاجتماعي العربي. فعلى مستوى (علم الدلالات والمعاني semantics) و(علم التداولية pragmatics) أحدث نمط التواصل السائل نوعاً من تفكيك وتفريغ سياقات العلامات اللغوية عبر وسائط التواصل الاجتماعي ليس من دلالاتها كعلامات لغوية وإنما من المقاصد الدلالية الاستعمالية، بأن صارت الكلمات الأخلاقية والشعورية الرابطة بين أبناء الهوية العربية تستعمل بمحتوى قصدي استهلاكي لا يتجاوز حدود اللفظ وبدون الشعور الوجداني الانساني المكون للعلامة أصلاً، ومن ذلك على سبيل المثال كلمات المحبة والاطراء والتودد الاجتماعي، لم يعد مقصدها في كثير من الأحوال الظاهرة تلبية العاطفة الشعورية الحقيقية بقدر ما صار المقصد الدلالي من ورائها كسب مصلحة أو منفعة أو حظوة شخصية معينة أو دفع خسارة ما قد تصيب صاحبها إن لم يقدم هذه العبارات، أو صار استعمالها بإفراط نوع من تحسين الظهور الاجتماعي للفرد يكسبه الصورة المثالية بغير ما يضمر على الحقيقة. فكان ذلك علة تفسير ظاهرة النفاق الاجتماعي البارزة سواء عبر الوسائط التواصلية أو عبر اللقاءات والمحافل الاجتماعية المباشرة مما تسبب في جعل الصراع الاجتماعي سمة بارزة في المجتمعات العربية جراء المشكلات والأزمات الإنسانية الناشئة عن الوقوع الكثيف في شراك التداولية لتلك الكلمات والعبارات الشعورية الجاذبة على النحو الزائف من جانب مستعملها.
وكذلك كان من فعل السيمياء التواصلية الزائفة وتأثيرها في الوعي العربي خلق وقائع افتراضية زائفة عبر تداول المفاهيم استناداً على كون دلالتها معلومة بالضرورة لدى الجميع؛ فإن استدعاء مفاهيم الحرية والإنسانية والعدالة والخير والشر، على سبيل المثال، في محفل اجتماعي معين بمسلمة أنها ذات دلالات ضرورية موحدة لدى جميع الخلق وهي في حقيقتها ليست كذلك، يحدث تناقضاً مع الصور الذهنية المتعددة عليها في أذهان الحاضرين مما يولد حالات من سوء الفهم الحاد والضار اجتماعياً ويجعلها بلا فائدة تتجاوز حدود النطق بها. فإن الأصل أن المفاهيم المجردة لا تخلق واقعاً وإنما الواقع هو الذي يعبئ المفاهيم بالدلالات، فإن تعلقت التداولية التواصلية في الهواء الافتراضي وانفصلت عن الوقائع الجوهرية خلقت بذلك مجتمعاً ذو علاقات زائفة وهشة.
وإنما يكون من أسباب العلاج من هذه السيولة الاجتماعية وتوابعها؛ هو التعامل مع المسألة العربية كحالة إنسانية راهنة دون استعارة معايير لثقافات أخرى وقياس الثقافات والهويات العربية عليها. فالمشكلة التي أفقدت العرب الثقة بالنفس ورؤية نقائص الذات العربية بالحلول الوجودي النقدي أمام الآخر الغربي هي مشكلة اتخاذ المعيار غير الصحيح وغير المناسب للتقييم وتقويم الحالة الإنسانية العربية. فالمعيار السليم هو أن نرى في مرآة الآخر مميزات وإيجابيات ذواتنا العربية فيما تحمله من أصول للقيم المجتمعية؛ الأمر الذي يعيد امتلاك الثقة في النفس بكشف امتيازاتها، ومن ثم إعادة ملئ العلامات اللغوية التواصلية وملئ المفاهيم المؤلفة للوعي الإنساني بالوجود بدلالات مستمدة من وقائع فعلية زمانية ومكانية تفرض نفسها على الناس بما هو حق.
-انتهى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى