مدوّنات د. محمود حيدر

   ميتافيزيقا العرفان السياسي

       ميتافيزيقا العرفان السياسي

واحدية الغيب والتدبير في منظومة محمود محمد طه الإحيائية

د. محمود حيدر

مفكر وأستاذ في الفلسفة والإلهيات- لبنان

رئيس تحرير فصلية “علم المبدأ”

خلاصة إجمالية:

مسعى هذا البحث معاينة أحد أبرز المباني المعرفية في مشروع المفكر الإحيائي السوداني محمود محمد طه(1909-1985). عنينا بذلك الميثاق الذي أبرمه مع حقلين مفارقين: المسلك الصوفي والتدبير السياسي. وإذا كان عنصر المفارقة بيِّنٌ حيال هذين الحقلين، خصوصاً في المنهج ونظريات المعرفة، فإنهما ينطويان في مشروعه على واحدية جامعة. فما كان جليِّاً في دربته المنهاجية، سعُيُه إلى نظرية معرفة مركبة غايتُها نقل اشتغالات الفكر من دنيا التقليد إلى مقام الإجتهاد. هنالك حيث حضور الإنسان في العالم، وظهور العالم في عين الإنسان يغدو منفسحاً مشرعاً على تأويل لا يعود معه الفكر متشظياً بين الواقع التاريخي وعلياء الوحي. من هذا المسرى الإجتهادي سيمضي محمود محمد طه في رحلة بذل معرفي مفارق يسدِّدُها الإلتقاء الودود بين عالم الغيب وموجبات العالم الطبيعي. وأما قصارى غايته في ما ذهب إليه، فهو تفتيح الآفاق نحو إحيائية إسلامية متجددة يكون فيها القرآن والعرفان أساساً مرجعياً لتظهير مناهجها وخطوط عملها.

مفردات مفتاحية: العرفان السياسي- طريق محمد- العقل الممتد – الكون المعجز- أصالة الإيجاد – ميتافيزيقا التصوف- الرسالة الثانية من الإسلام.

تمهيد

غالباً ما يستثير الكلام على العرفان السياسي، أو التصوف في حقل السياسة، جدلاً غير اعتيادي حول مشروعية هذا المصطلح المركَّب، والمهمة التي يرادُ له أن يؤدِّيها في الاجتماع الحضاري الإسلامي. وما من ريب فإن قضية كهذه هي من القضايا الإشكالية التي نَدُر تناوُلُها بالبحث المستقل قديماً وحديثاً. سوى أن مقاربتها بالدرس والمعاينة والتحليل، وإن كانت تنطوي على وجوه شتى من الالتباس والغموض، فإن تظهيرها في ميدان البحوث العلمية يكتسب أهمية استثنائية. مردُّ هذا إلى ندرتها أولا.. وتالياً إلى المسائل النظرية التي تؤلف إطاراً تنظيرياً غير مألوف في الفكر العربي الإسلامي المعاصر. إلى ذلك، لم يشهد التراث الديني- الذي زخر على امتداد تاريخه بمباحث فلسفية وأصولية وكلامية حول نظريات الدولة والسلطة وأصول الحكم-، إلا على مساعٍ محدودة، أو غير مكتملة في ميدان التنظير لفلسفة سياسية عرفانية.

لو عاينَّا منظومة محمود محمد طه الإحيائية، وتمظهرها في حياته الفكرية والاجتماعية والدينية لظهر لنا محل الإشكال. فقد أثارت تنظيراته المغايرة للشائع الثقافي في البيئيتين السودانية بخاصة والإسلامية على العموم، الكثير منالإشكال  اللّبس والمجادلة. يظهر ذلك على سبيل المثال، في مساعيه الجادة إلى التوحيد المعرفي بين حقائق الغيب ومقتضيات الواقع. وهو ما يتبيَّن لنا في ما أفضى إليه فهمُه الإشكالي للدين، وجمعِهِ المعارف الصوفية والعرفانية إلى الشأن السياسي والإيديولوجي. ومع أن المحقِّق في هذه المفارقة سيعثر على ما يناظرها في الفكر الإسلامي المعاصر، فإن تجربة الأستاذ طه انطوت على عناصر ذات خصوصية وفرادة. وعلى غالب التقدير فإن الرجل كان على بيِّنة من الأمر؛ لذا راح ينشئ رابطة وداد بين العرفان والسياسة من أجل أن يستويا نظراً وعملاً على خط أفقي واحد. وكان له لكي ينجز هذه الرابطة، أن يتواجه وقضية لا تزال موضع مكابدة وجدال في المباحث النظرية لعلم الوجود؛ عنيتُ بها تلك التي ترتَّبت على الانفصال المديد بين ضربين من المعرفة: معرفة الله ومعرفة العالم. وذاك ما سيظهر في أعماله حين تصدَّى للفجوة الأنطولوجية، التي دأبت الميتافيزيقا الكلاسيكية على إحداثها لمَّا أوكلت إلى العقل رعاية عالم الممكنات، ورأت إلى عالمَيْ الغيب والواقع باعتبارهما قضيتين منفصلتين. ثم انتهت إلى استحالة لقاء النقيضين. أي، الغيب بما هو أمرٌ لا عقلاني، والواقع بوصفه حقيقة عيانية يُستدلُّ عليها بالبرهان والتجربة.

  • الإشكال المفهومي ورحلة التأصيل

أفاد محمود محمد طه مما زخِرَت به المدوَّنة الصوفية من أفهام وتأويلات. كان على يقين من أن العرفان – كما أعرب عنه في مجالسه وكتاباته – هو العلم القادر على الوفاء بما توجبه أسئلة الوجود البدئية في مقابل قصور المنهج العقلي عن حل معضلاته والوقوف على حقائقه. كان يرى أن بإمكان العرفان الجمع بين العقل والروح، الأمر الذي يفضي إلى رؤية عميقة للوجود قابلة للتفعيل في حياة الناس اليومية[1]. لهذا لم يكن اعتناؤه بتأصيل السياسة إلا ليرفعها من حضيض الدنيوية الإنتفاعية إلى مقام أرفع وأسمى بوصفها تدبيراً إلهياً لشأن الخلق. فالسياسة عنده بهذه المكانة ذات أصل ميتافيزيقي وَحْيانيٍ له امتداداته الجوهرية في عالم الواقع. وبهذا يتفق طه مع ما أورده الحكماء المسلمون من أن السياسة تعني فضاء النظر الذي يكون موضوعه الدرس والتحقيق والتفكّر بالحكومة وأنواعها وظواهرها، وكذلك بنظام المؤسسات والغايات السياسية. وهي إلى ذلك، تعادل “الحكمة العملية التي يُطلق عليها في الفلسفة الإسلامية “تدبير المدن والعلم المدني” كما يبين الفارابي في “آراء أهل المدينة الفاضلة”، أو “الحكمة المدنية التي مهمتها النظر في القوانين العامة على مقتضى المصلحة العامة، وغايتها الوصول إلى الكمال الحقيقي” كما يقرر الحكيم الإلهي نصير الدين الطوسي[2]2. ولما كانت السياسة من خواص الكائن الإنساني ولا يشاركه فيها غيره من أنواع الموجودات، فهي – على ما تبيِّن تنظيرات محمود محمد طه – القيمة الموصلة إلى الفضيلة، وتحقيق الكرامة الكونية الشاملة. والسياسة – كما عناها في الكثير من مصنفاته- ليست مطلق السياسة التي هي في جانب منها نابعة من القوة الشهوية والغضبية، وإنما تلك التي غايتها الكمال والخيرية التامة. وحين اتفق الحكماء على مدنية الإنسان بالفطرة والطبع، كانوا على يقين من أن الكائن الآدمي هو أشرف المخلوقات من حيث الاستعداد والأهلية لنيل السعادة. ذلك بأنه كائن يختزن في ذاته بعدين أساسيين يؤلفان ماهيته الوجودية: بعدٌ مادي وبعدٌ روحاني. من جهة: لا تتاح له حياتُه المادية على النحو الأمثل إلا بمؤاخاة أبناء نوعه، ومن جهة ثانية: لا يفلح بتمام إنسانيته ما لم يعتنِ بروحانيته التي توفرها له الفطرة الإلهية المودعة فيه. لذا كان بديهياً أن ينشأ المجتمع المدني من تلبية الحاجات المادية للإنسان مقرونة بالضرورة في تلبية حاجاته الروحانية. وهذا أصل متين من الأصول المكوِّنة لإحيائية محمود محمد طه ومشروعه الفكري. فمن شروط قيام الإجتماع المدني أن تكون لأهله القدرة على تقبل القواعد السياسية، وأن يتعرفوا إلى مدبِّريهم الإلهيين ويقبلوا بهم. ولأن ماهية السياسة، هي القيام على الشيء بما يصلُحُه –  كما يقول الحكماء –  فإنها بهذا التعريف عين ما قصدت إليه المعرفة الإحيائية التي سعى الأستاذ طه إلى تظهيرها. أي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل. فالسياسة الفاضلة تسري على الحضارات والمجتمعات، مثلما تسري على القيم الناظمة للعلاقات بين الأفراد. من أجل هذا سنرى كيف جمع العرفاء بين الخلاص الفردي والوفاء بخلاص الجماعة البشرية. فالعارف إنما يتدبَّر هذين النوعين من الخلاص على نحو الوحدة الأصيلة، ولكن بلحاظ التعاطي مع كل منهما على قاعدة الخصوص والعموم. ففي سيره وسلوكه ومعارفه يكون العارف متيقِّناً من أن تحصيل شهادة القرب إلى الله أمر لا يتحقَّق له إلا بحفظ حق الخلق أفراداً وجماعات وحضارات، ومن ثم الوصل معهم وتدبير أمرهم وإرشادهم نحو سعادتهم في الدنيا والآخرة. وجرياً على ما قرَّره الكلام الإلهي لجهة الصلة الأصيلة بين الخالق والمخلوق يؤسس محمود محمد طه للإرتقاء المعرفي العرفاني بالفردانية المتصلة بالتوحيد والمسدَّدة به. وهذا على الأكيد خلافُ الفردانية التي قامت عليها الحضارات العلمانية المقطوعة الصلة بالغيب. فالفرد هو الأصل الذي به يتحقق الوصل الآدمي بالرب. وبه يحرز معراجه في الألوهية على نحو إفرادي، وان كان على صلة وطيدة بالجماعة. وبالتالي فهو عين السير والسلوك الذي يوصل العارف الفرد إلى مقام القرب. لعل قولُه واضح في هذا الشأن، من “أن المعرفة الحقّة لن تتحقق من قبل أن تبلغ مشارف الفردية بتفريد التوحيد.. صحيح أنك لا تبدأ بشريعة فردية، وإنما بشريعة جماعية، وهي التي بين أيدينا الآن.. إلا أنك إذاً جوَّدت العمل بها، على هدى محمد، بدون زيادة، أو نقصان، فإنك خليق، أن تعرف ذلك في حينه.. ولن تكون معرفتك، يومئذ، موضع شك.. وقوله: “نحن في الحق فرادى، وسنعود لله فرادى”3.. وحتى يمنح مقصده المشروعية التِأصيلية  يبيِّن: “إن الأمر ليس مسألة شخصية، بمعنى أنه لا يتعدى الشخص الذي يقوم به، وإنما هو أمر متعدٍّ.. فكما أن الناس، في الشريعة الجماعية، يقتدي بعضهم ببعض، ويتأسى بعضهم ببعض، فكذلك، في الشريعة الفردية، يقع الإقتداء، ويقع التأسي.. وأما التقليد فإن قدوته محمد.. ثم يخاطب محدِّثَه فيقول: وأنت تسأل عن الصلة التي تربطني بالمدعوين، فاعلم، إذن، أنها صلة الداعية إلى تقليد محمد، على أن يكون التقليد وسيلة إلى الاستقلال عن التقليد أي إلى الأصالة. وحين أدعو إلى الأصالة، عن طريق التقليد، إنما أدعو إلى تجربة خضتها، وعرفتها، وأستطيع أن أستخرج سندها، وأدلتها، من أصل الدين.. كما فعلت مثلاً، في رسالة الصلاة4.

يومئ هذا القول في صريح عباراته عما يدل على اختبار ذاتي لدى الأستاذ طه وأفضى به إلى هذه المرتبة من المعرفة العرفانية. ربما لهذا السبب استثارت اجتهاداته حنق فقهاء زمانه ليرمونه بالتجديف والشطح. كذلك لم تكن أعماله في حقل التصوف والعرفان النظري بمنأى عن سيلِ الأسئلة الإشكالية التي رافقت مجمل أركان مشروعه الإحيائي. على أن السؤال الأشهر الذي غالباً ما يناظر مجمل تجارب التصوف السياسي على امتداد الأحقاب التي مرَّ بها التاريخ الإسلامي هو ما يتصل بالجمع بين الاختبار الصوفي والاجتماع السياسي. خلاصة السؤال المركب الذي يواجهنا في هذا المضمار هو التالي: كيف لمسار روحي ومعنوي قوامُه المجاهدة في عالم لطيف، ومكتظ بالأسرار، ومضنون به على غير أهله، أن يلتقي في حقلٍ واحد مع العمل السياسي بما ينطوي عليه من غَرَضيات وشوائب وعيوب لا حصر لها؟.. ثم كيف لفقيه عارف، يركن إلى روحانيته ويُعرِضُ عن دنياه، أن يهبط إلى عالم السياسة، ويخوض لجتَّها المكتظة بالأهواء والأنانيات والمنافع الدنيوية؟.

لعل أهم ما قصده الأستاذ طه في بناء مشروعه الإحيائي، هو الأخذ بالعرفان النظري والسلوكي سبيلاً لتطوير منهجه الفكري5. فقد نظر إلى العرفان كمنطقة معرفية يتعرَّف من خلالها على جوهر الإسلام. وتبعاً لهذا المقصد سنرى كيف أن السياقيات المعرفية لمشروعه تفتح الأفق نحو جلاء الإشكال الذي يورده السؤال الذي تقدَّمت الإشارة إليه. والناظر في كتاباته ومحاضراته على تعدد حقول موضوعاتها، سينكشف له ما يفضي إلى انتزاع التصوف من كهف عزلته، وإقامته على نصاب تستعاد فيه الدعوة المحمَّدية الأولى من أجل أن تستنقذ الإسلام من طغيان الجاهلية المستأنفة. ولكي نمضي في التأصيل، نَجِدنا تلقاء مفارقةٍ بيِّنة يستظهرُها الجمعُ بين العرفان والسياسة كضدَّين مدعوَّيْن إلى الحَرثِ في حقلٍ واحد. أما منشأُ المفارقةِ، فيعود إلى مسألتين:

الأولى، إمكان رفع وهم التباين بين العرفان كاختبار روحي فردي، والسياسة كفعالية سوسيو- تاريخية تُخاضُ في أرجاء الجماعة الحضارية..

الثانية، إمكان قيام وحدة أفق تتكامل فيها عناصر التمايز والإختلاف بين الضدَّين المفترضَين؛ سواء لجهة المنهجِ والمسلكِ، أم لجهة التنظير لنظرية معرفة في الميتافيزيقا العرفانية.

ومع أن هاتين المسألتين قد تلتقيان على أرض واحدة، إلا أن التمييز بينهما يبقى من الضرورات المنهجية. فبينما تكتفي السياسة – للإستهداء إلى غاياتها- بموازين العقل الإستدلالي لفهم حركة التاريخ وتحولاته.. يستهدي العرفان إلى الوجود الحق بطريقين متلازمين: أولاً، بالعقل الآخِذِ بالأسباب.. وثانياً، بالكشف الباطني المسدَّد بالعلم اللدنِّي والشهود القلبي. غير أن هذه المباينة بين الاستهداءَين لا تلبث أن تصيرَ على نشأة ِالوحدة والانسجام والتكامل، متى أدركْنا المنطقَ الداخلي الذي تنشط فيه معرفة العارفِ، من أجل أن يتحقَّق له الجمعُ بين مقتضيات العقل الاستدلالي وسبيل الوصول إلى مقامات الكشف. لقد حاول العرفاء المسلمون، وخلال أحقاب تاريخية مختلفة، تقديم الإجابات على واحدية الغاية بين العرفان والتدبير السياسي لواقع الأمة. من هؤلاء من انصرف إلى التأصيل الفقهي للتصوف فأقاموه على أصوله الشرعية الثلاثة: القرآن والسنّة والاقتداء بسيرة النبي وآل بيته. ومنهم من مضى إلى تقديم الجواب عبر الدعوة إلى العمل المحض، بداعي أن العلم المعتبر هو العلم الباعث على العمل. وآخرون وجدوا بالجهاد والمرابطة السبيل الأقوم إلى تحقق الولاية الإلهية المأمولة. ومن البيِّن أن طه وقف على الاتجاهات جميعاً، ثم استظهر مما تختزنه أرض السودان من الميراث الصوفي الأصيل، سواء على المستوى العقدي والديني أو في الحقل الإجتماعي والسياسي. فالبيئة التاريخية السودانية خصوصاً، والأفريقية بوجه عام، تشهد على فاعلية الحركات الصوفية وأثرها في تشكيل السمات الثقافية المفارقة للمجتمع السوداني، حتى باتت تشكل مكوِّناً عضوياً من مكوناته السوسيولوجية والحضارية. ومما يتبيّن لنا، عند مقاربة ظاهرة التصوف والعرفان في التاريخ الإسلامي، هو مدى التنوع في مكوناتها ومصادرها بحكم التناظر والتبادل المعرفي مع الحضارات والأديان المختلفة. إلا أن هذه الظاهرة – على تعدد مدارسها واختلاف طُرُقها وتياراتها – كانت حريصة على مرجعيتها الدينية في علوم التوحيد، وبيانات الوحي، وحقائق الشريعة. مع ذلك لم يكن الاختلاف في ما بينها ليقتصر على الاجتهاد في الطريقة، وإنما يضم طائفة من العوامل الحاسمة بعضها متصل بمؤثرات إيديولوجية رافقت تحولات السلطة الإسلامية وما ترتب عليها من توظيف إيديولوجي، وبعضها الآخر ذو صلة بالعلاقة بين التصوف وميراث مدرسة أهل البيت والآثار العقدية والفقهية والسوسيولوجية المترتبة على تلك العلاقة. هذا إلى عوامل إضافية شكلت في جملتها منطقة إشكالية سيكون لها الأثر البيِّن في إضفاء المزيد من الغموض واللَّبس، لجهة تعثُّر موضَعَة التصوُّف في إطار فقه سياسي واضح المعالم6.

 

2- حاضرية العارف في فلسفة التاريخ

قد يكون التساؤل الأكثر حيوية الذي يمكن استخلاصه مما ذهب إليه محمود محمد طه، هو ما يتصل بحاضريَّة ودور العرفان ومكانتِهِ في التحديات الكبرى التي تواجهها الحضارةُ الإنسانيةُ المعاصرة. ولعل ما يضفي على القضية المطروحة سمة راهنة واستثنائية، هو اشتمالُها طائفة من المفاهيم المستحدثة يمكن أن تُصاغَ عن طريقها استراتيجية معرفية لإحياء حضاري ذي سمات مفارقة. ولمَّا كانت التأسيسات النظرية المتضمّنة في هذه الدراسة، تتمحور على الإجمال حول فضاءين متلازمين، هما: العلم بالله والعلم بشؤون الخلق، فإن تسييل هذين الفضاءين، أمرٌ يندرج في مقدَّم الأولويات التي ينبغي أن تمهِّد لأفق جديد في عالم العرفان. ولعل تركيز طه على فهم المنزلة التي يتولاها العارف في منظومته الفكرية، فيعود أساسًا إلى مركزية الكائن الآدمي كمستخلفٍ إلهيٍّ في دنيا المخلوقات. وبوصف كون هذا الكائن نقطة الجاذبية في الكون الأكبر الحاوي للموجودات كلها، فقد وقع التكليف عليه بالرضى والقبول والإقبال، لينجز مهمته العظمى في التوحيد بركْنَيْه توحيد الخالق وتوحيد المخلوقات. فإذا كان مقتضى الأول توحيد الخالق بتنزيهه عن الثنائية والتركيب، فمقتضى الثاني توحيد الخَلق، وتدبير حاجاتهم على كثرتها وتنوعها واختلافها. وما من جدل أن هذه المهمة المركَّبة في السياسة العرفانية، استدعت مجاوزة منعطفين معرفيَّيّن لا يزالان موضع مكابدة في المباحث النظرية لعلم الوجود: الأول، يتصل بالأثر المترتِّبِ على الفصل الأنطولوجي والمعرفي بين الله والعالم؛ وهو ما ذهبت إليه الديانات غير الوحيانية، ومعظم المدارس المشائية، ناهيك عن الوارثين من مذاهب الميتافيزيقا المعاصرة. أما الثاني، فمتعلِّقٌ بما تستثيره نظرية وحدة الوجود من شُبُهات، ولا سيما تلك التي شاعت في الفضاء الجيو-إسلامي بدءًا من القرن الرابع الهجري، والقائلة بحلول الكل في الكل، والواحد بالكثرة، والله في العالم7.

ولأجل بيان هذين المنعطفين اللَّذين حَظِيَا بعناية لافتة في تنظيرات محمود محمد طه وجدنا ان نستنتج جملة من الفَرَضيَّات التأسيسية التي تتاخم الأفقين الأنطولوجي والسياسي معًا8.

 الأولى: رفع التناقض في نظام الخلق، وإثبات اجتماع الأضداد وفق المبدأ المتقوِّم على زوجية الخلق.

الثانية: استحالة استقلال عالم الموجودات عن مشيئة التدبير والعناية الإلهية وتدبيراتها.

الثالثة: إقرار عناية الواجد بالموجود الحاوي للكثرة الوجودية. مع ما يترتب على هذا الإقرار من تنبيه المستخلف إلى تكليفه الإلهي والسير بسياسته الإحيائية إلى غايتها القصوى.

الرابعة: فهم صلة الكثرة مع الكثرة، على قاعدة توحيد العالم المتعدّد، على اختلاف مظاهره وتعدد أجناسه وأفراده.

الخامسة: فهم المنطقة المعرفيّة التي يتأسّس فيها تدبير الله لعالم الخلق، وبيان جدلية الانفصال والاتّصال الناظمة لعنايته تعالى بهذا العالم.

السادسة: نزول الموجود الأول في الحقل الميتافيزيقي كنظير أنطولوجي لعالم الممكنات، وبالتالي كناظمٍ لوحدته بحكم جمعه للكثرات الوجودية.

السابعة: إثبات حاضرية الإنسان ككائن محوري وفعَّال في دنيا الممكنات، وبيان قدرته – حال كماله وتجرُّده –على تعقُّل نظام الوجود على ما هو عليه، كذلك على انتهاضه بالعالم الإنساني وتمهيد سبيل سعادته على صراط العدل9.

الفرضيات السبع التي مرَّ ذكرها، تسوقنا إلى المقاصد العليا التي سعى إليها مشروع طه، وهي وضع إطارٍ تنظيري لمنظومة إحيائية تصل الغيب بالواقع العيني، كما تمهِّد السبيل إلى تصويب حالة التداعي والتهافت في بنية الحضارة الإسلامية المعاصرة. وسنعثر على الإرهاصات المؤسِّسة لهذه المنظومة في مجمل ما بيَّنه في كراسته “طريق محمد”. حيث ينطلق من النموذج النبوي كمثال اقتدائي لبلوغ العارف الكامل معراجه إلى الحق. وهكذا يرى أن أسلم طريقه ليصحح المسلم نفسه من المفاهيم الخاطئة هي تقليد محمد في أفعاله وأقواله… حتى تنبثق الحكمة من قلبه على لسانه، فإن الحكمة علم، وعمل بمقتضى العلم.10 وعليه، يتضح لنا السبيل الذي أخذ به لتسييل الطريق الأسمى للتصوف، وهوما يظهر عبر المنطلقات المعرفية التالية:

1- حاضرية العرفان كفضاء معرفي وسلوكي وأخلاقي، بما لهذه الحاضرية من مؤثِّرات حاسمة في تشكُّلات نظام القيم في التاريخ الاجتماعي والحضاري الإسلامي.

 2- إيقان عرفاء الصوفية وأهل الولاية بسيادة العدل الكوني كخاتمة حتمية في تاريخ الإنسان.

 3- إحاطة المنظومة المعرفية العرفانية بشؤون الإنسان الدنيوية والأخروية. وتبعًا لهذه الإحاطة تنسلك أطروحة التدبير ضمن مسرى اعتنائيِّ هادفٍ إلى بناء مجتمع إنساني مؤسَّسٍ على الخيرية الشاملة. وعلى خلاف ما شاع من أحكام عجولة في هذا الشأن، فإن معاينة متأنيِّة لاختبارات العرفان السياسي، تُظهر صلته الوطيدة بتحولات كبرى انخرط فيها كبار المتصوفة والعرفاء؛ وهو ما تدل عليه شواهد بيّنة في التاريخ الإسلامي.

4- إن رؤية إجمالية لمواقف العرفاء ومناهجهم في مقام التدبير، تكشف عن وصل عميق بين التعرُّف على الحق، ورعاية شؤون الخلق. ومثل هذا الوصل- الذي يعرب عن فعليَّتِه وفق مبدأ الحكمة والموعظة الحسنة- يشكل ركنًا تأسيسيًّا في المنظومة المفترضة للفلسفة السياسية العرفانية.

5-أفضت اختبارات العرفاء إلى وحدة نظامهم المعرفي من حيث توفُّرِهِ على ركنين متلازمين: اعتقادي ويقوم على توحيد الحق، وحضاري غايته توحيد الخلق نحو اجتماعٍ رحماني قوامه الخيرية والعدل11.

3- المرجعية الوحيانية في تنظيرات طه العرفانية

يؤسِّس محمود محمد طه منظومته على المباني الكبرى للإسلام. ومن هذا التأسيس سيذهب إلى تأصيل مفهوم الوجود ناظراً إليه باعتباره صورة لفظية لإيجاد الله الموجودات، وخلقه الخلق في الزمان والمكان. وليس من ريب أنه في تأويليته هذه أجرى خرقاً غير مألوف في نظرية المعرفة الوجودية، ولا سيما لجهة ما دأبت عليه الفلسفة الكلاسيكية في تقسيم الوجود إلى وجود بالذات وهو وجود الله ووجود بالغير أي الموجودات المادية وسائر ما يحويه عالم الممكنات. ومن أجل أن يثبت تأويلتيه حول إيجاد الموجود الإنساني على سبيل المثال، فإنه يستعين بالآيتين التاليتين كمثال بليغ على ما ذهب إليه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}12. والإشارة إلى “الطين” تعني الخلق في طور الجمادات، والسوائل، والغازات، تلك سيرها الله تسييراً مباشراً. وأما الإشارة بكلمة “سويته”فهي تعني الخلق، في طوري النبات، والحيوان، بجميع صوره، وهـو ما قلنا إن الله سيره، بإرادة الحياة، تسييراً شبـه مباشر، والإشارة بقولـه “ونفخت فيه من روحي”فإنما تعني الخلق في مرتبة الإنسان، وهو ما يدل على أن الله سيره، بإرادة الحرية، تسييرا غير مباشر.. وهذه الآيات الثلاث أوضح في الدلالة على حقيقة القرآن، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ}13.. يضيف: وهذا الخلق والإيجاد، استغرق آماداً سحيقة، في الزمان والمكان، وهو صورة من التطور الذي يتبع بعضه بعضاً في حلقات متصلات. وقامت عملية التسيير الإلهي للوجود حيناً بصورة على أنـه شبه مباشرة وتتعلق بمرتبة النبات، والحيوان، وغير مباشرة في مرتبة الإنسان، ومثل هذا التسيير احتكم إلى الصراع بين الأحياء فيما بينها، وبين الأحياء والبيئة الطبيعية التي وُجدوا فيها.. أما السؤال فهو حول إرادة الحرية وماذا تريد الحرية.14

على هذه الدربة يؤثِرُ محمود محمد طه الرجوع إلى الكلام الإلهي في مجمل أفهامه الأنطولوجية. فهو يرى العالم المخلوق واحداً، ليبيِّن أن نظرية وحدة الوجود التي شكلت جوهر المنازعات بين الفلاسفة والميتافيزيقيين، هي نظرية تصح على عالم الخلق وحسب. أما الذات الإلهية فهي منزَّهة عن الاختلاط فيه. وبذلك ينفي الحلولية التي دأبت الفلسفة الغربية الحديثة على تنظيرها كما فعل الإغريق من قبل، كما ينقض وحدة الوجود التي قال بها  سبينوزا في خلال الصعود المدوِّي لفلسفة الحداثة. يقول في هذا الصدد: “ثم نعود إلى الكون، لنجد ان هذه عناصر الأرض، وهذه مركباتها، وهي كل شيء فيها، وقد بناها بانيها من لبنات ثلاث: إلكترونات، بروتونات ونيترونات”15.. وهكذا فإن الكون بأجمعه – حسب طه – مؤلّف من تلك اللبنات الثلاث16.. وفي سياق تأصيل أطروحته الإيجادية للموجودات مضى إلى تقديم معادلة فيزيائية قوامها ما يلي: “لو أننا أمرنا الأرض أن ينفرط عقدها وأمـرنا أجسـام الإنسان أن تنـفرط، وأجسام الحيوان، وأجسام النبات، وأجسام الصخر بهذه الأرض، والصخور بهذه الكواكب، وأمرنا كل غاز الشمس أن ينفرط، وأن تنفرط غازات النجوم جميعها، ما قرب منها وما بعد، واختصاراً أن ينفرط كل شيء في الوجود، لنتج عن انفراطه كومات هائلة ثلاث من: إلكترونات- وبروتونات- ونيوترونات، فهل في معاني الوحدة أبلغ من هذا المعنى؟ ونقول ثلاث لبنات، وهل هي حقا ثلاث؟ وفي الوقت الذي تُردُّ فيه المادة إلى ثلاث لبنات، يـرُّد العلماء  القوى إلى أصـل واحد: الضـوء، الحـرارة، الأشعـة السينيـة، الأشعـة اللاسلكية، الأشعة الجيمية، وكـل إشعـاع في الدنيا، كلها صور متعددة لقوة واحدة، تلك القوة المغناطيسية الكهربائية، حيث أنها جميعاً تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة17. وإذن، العالم المادي بحسب أطروحة طه، هو بمثابة الظِـلال للعالم الروحي، أو قل بتعبيـر أدق، أن المادة روح، في حالة من الاهتزاز تتأثر بها حواسنا، وأن الروح مادة، في حالة من الاهتزاز لا تتأثر بها حواسنا، فالاختلاف، على ذلك، بين عالم المادة، وعالم الروح هو اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع، وهذا يفتح الباب على الوحدة. أي وحدة جميع العوالم.. ثم يستكمل فرضيته بالقول: “حين ينتهي بنا العلم التجريبي المادي إلى رد جميـع ظواهـر الكـون المادي إلى وحدة هي “الطاقة”، يبرز لنا من جديد، وبصورة خلابة، العلم التجريبي الروحي، ليتولى قيادنا في شعاب الوادي المقدس، الذي يقع وراء المادة، ونستطيع، بمواصلة البحث والاستقصاء، في العلم التجريبي الروحي، أن نرى هل يمكن أن ترد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، ويتم بذلك الاتساق، والتلاؤم، بين سلوك البشر، وبين البيئة المادية التي يعيشون فيها، فينتهي بذلك القلق الحاضر، ويعم الأرض السلام؟”18.

4- طه ناقداً العقل الأدنى للغرب

في خلال ما شهدته حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم من احتدامات فكرية وفلسفية سيكون لمحمود محمد طه حيِّزاً فاعلاً في السجال الحاصل. فقد انبرى إلى تفكيك ونقد قيم الحداثة ومعارفها بوجهيها الأنطولوجي والإبستمولوجي. والمدقِّق في هندسته المعرفية سيرى كيف ربط بين نقد قيم الغرب المادية وموجبات قيامية إسلامية جديدة. وما ذاك إلا ليقينه بأن المباني الفكرية للغرب تشكل في حقيقتها الجهاز الفكري الذي يستخدمه العقل  الإستعمارية لتجديد وإدامة هيمنته على بلاد المسلمين.

لقد بدت التجربة الغربية في منظومة طه مثلومة في بنيتها التكوينية. فعلى الرغم من إنجازاتها العلمية المدهشة، كانت -برأيه- تجربة استبعادية، جوهرها احتكار القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، وتهميش الآخر، عن طريق قهره. والتجربة الغربية الاستبعادية، تجربة مصمَّمة بطريقة لا تسمح للآخرين بنقل نموذجها. فهي فكرة قلة قليلة، ظلت تُسِّير الكثرة الغالبة لخدمة مصالحها، ثم استخدمت تلك القلة، الصفوة في قهر الكثرة. واما محاولة التأسيس لعلمانية عربية تقوم على أسس المنهج العقلي الذي انتقل منا إلى أوروبا، ذات يوم، محاولة لا تتسم ببصيرة نافذة19. هذا فضلاً عن كونها نوعاً من أنواع الحرث في البحر. فالتربة الشرقية غير صالحة لإنبات مثل تجربة الحداثة الغربية. ولا نعني هنا، أنها غير صالحة لتبني منهج النمو التقني، أو تطبيق الديمقراطية والتعددية السياسية. وإنما نعني، أنها لا تصلح لتبني النظرة الغربية للوجود، وللإنسان. علاوة على ذلك، فنحن لسنا بحاجة لإعادة إنتاج التجربة الغربية، وإنما بحاجة إلى نقدها. فالبداية يجب أن تكون من حيث وقفت هي. وأول ما يجب أن يطاله النقد، نظرتها المادية للوجود، وعقلانيتها “غير العقلانية” وفردانيتها المفرطة التي قامت على الانتقاص من التواصل، والتكاتف، والتعاضد الجماعي. أي مشروع جديد لا يستصحب بعداً روحياً، في تقديرنا المتواضع، مشروع فاشل، ولا يعدو كونه تكراراً لتجربة الحداثة الغربية، التي يرى أهلها أنها تعيش على المستوى الاجتماعي، شحوب أصيل مفضٍ إلى غروب أكيد20.

يستفاد من هذه الرؤية الوحيانية النقدية عند طه أن معارف الحداثة دارت مدار العقل المقيَّد حتّى وهي تتطلَّع نحو اللاَّ مرئي، أو تبحثُ عن سرِّ «الشيءِ في ذاته». لهذا استعصى عليها النّفاذ إلى «أفقٍ تأويلي ما بَعديٍّ» ينفسحُ فيه نشاط الفكر، ويكتشفُ العقلُ قدرته على مجاوزة ذاته المسكونة بعالم الممكنات. داخل المدار سينمو ضربٌ من التشاؤم من إمكان الفوز بمعرفة ما هو محتجبٌ وراء عالم الحواس. والسبب كامنٌ في «الخلط المنهجي» الذي اقترفه الحداثيون لمّا قاربوا الدين بأبعاده الغيبيّة من خلال المنطق الأرسطي، والمنهج العقلاني الصارم للفلسفة.. وعليه سيكون من أمرِ هذا الخلط أن تشيعَ سياقات وخطوطٌ تأويليّةٌ غَلَبَ عليها الغموض والاضطراب وسوء الفهم21.

المفارقة أنّ الممارسة التفكيرية ذات النزعة التشاؤميّة ستتمدّد إلى القلعة التي ابتنى عليها العقل الغربي أمجاد حداثته وأنوارها. والنتيجة التي يمكن التوصل إليها في هذا المجال أن التاريخ الغربي ـ كما يلاحظ أهله ـ لم يكن مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة. فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدار عميق نحو هواجس العقل الأدنى ومشاغله منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحاضر. والحاصل، أنّه كلّما ازدادت محاولة الإنسان فهم دنياه، واستغرق في تأويل إنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه كل ما هو جوهريّ. لكن النّظّار الذين قالوا بهذا، لا يحصرون أحكامهم بتاريخ الحداثة، بل يُرجعِونها إلى مؤثِّرات الإغريق، حيث وُلِدتَ الإرهاصاتُ الأولى لنظريات المعرفة. كان أفلاطون على علوِّ مُثُلِهِ، العلامةَ الأولى الدالّةَ على ذلك. فقد وضع موجودات العالم ضمن معايير عقليّة شديدة الإتقان؛ ثمّ جاءت الفلسفة الحديثة والعلم النظري لكي يعزِّزا هذا المَيْل، لتصبح العقلانيّة العلميّة حَكَمًا لا ينازِعُه منازعٌ في فهم الوجود وحقائقه المستترة. من بعد ذلك ستأخذ الثورة التقنيّة صورتها الجليِّة، لِتَفْتتِحَ أفقًا تأويلياً تعذَّر معه النّظر إلى الإنسان والكون بوصفهما كينونة موصولة بحقيقة التكوين. وهكذا صار لزامًا على كلّ من يبتغي الصواب، أن يضع كلَّ شيءٍ تحت سيطرة العقل الحسَّاب وعقلانيَّته الانتفاعيّة. من هذا النحو ستحذو المعرفة الحديثة حَذْوَ السّلفِ في إجراءات القطيعة بين الله والعالم، ثمّ أنزلت عليها من تأويلاتها المستجدّة جرعاتٍ زائدةٍ اهتزَّت معها مفاهيمُ التنوير من أساسها. غدت الآلة محوًرا للكون بدلاً من محوريّة الإنسان ومكانته المتعالية. وحين استطاب لها سحر التأويل استبدَّت التقنيّةُ بأمرِها، وراحت تلقي بأثقالها على الإنسان الحديث، لتطيح بمجمل قِيَمِهِ ومعارفه ورؤاه حيال نفسه وحيال الكون. وسنرى كيف آلت الأفهام بدءًا من تأويلات ديكارت وكانط فضلًا عن فلاسفة العلم إلى كهف المقولات الأرسطيّة، ولمَّا تفارقها قط.22 ولعل أكثر ما تُستظهرُ فيه اختبارات الحداثة ومعاثرها حين تتركز استفهاماتها عن الظاهر والمحتجب في الوجود. ولئن كان لنا أن نبيِّن هذه المسألة فسنكون بإزاء مشهديّتين تأويليّتين لكلّ منهما سؤالها الخاص: الأولى، تسأل عن عالم الأشياء والماهيّات والممكنات وتنحصر مهمّتها بالهندسة المنطقيّة التي وضعها أرسطو لنشاط الفكر البشري. والثانية، تمضي بالسؤال إلى عالم غيبيٍّ فوق زماني، مع ما يحويه من عناصر متداخلة لا تتوقّف مفاعيلها على الاستفهام عن الشيء وشيئيّته، ولا على الإنسان بما هو كائن متفرِّد يجهر بالسؤال، ولا كذلك عن سرّ الوجود المطلق.. وإنما أيضًا وأساسًا عن السؤال نفسه بما هو سؤال مؤسِّس تنطوي فيه كلّ أسئلة الوجود. ومتى عرفنا أنّ الهرمنيوطيقا التي تؤسس أفهامها على كلمات الوحي هي حركة حاوية للزمن، وتستطيع أن تنقل سؤال الوجود من حال التبدّد والزوال إلى مقام الرسوخ والديمومة، عرفنا تلقاء ذلك أن التأويل المقيَّد بالماهيات الفانية لا تكاد معارفه وأفهامه تظهر، حتى تضمحلّ وتفنى، ثمّ لتكون النتيجة تبدُّد السؤال وجوابه في الآن عينه23.

الاستفهام كما يظهر لنا في الميراث التفسيري الإسلامي للقرآن الكريم هو نقيض المعرفة المتشائمة التي أخذت بناصية العقل لِتسُدَّ عليه آفاق التعرّف على الحقيقة الكامنة وراء الظواهر. فالمعرفة التي دعا إليها محمود محمد طه هي معرفة مؤيدة بالوحي ومسدَّدة بعناية الخالق. ولأنها على هذا النحو فإنها معرفة ساعية نحو الفائق وتدوم بدائميته. أما سؤالها الموصول بعروة وثقى بالمبدأ الإلهي فإنّه سؤال حاوٍ جميع الأسئلة المستفهِمة عمّا يستغلقُ من خفايا الكون والإنسان. ذلك يعني أن السؤال في مقام الهرمنيوطيقا الوحيانية متضمَّنٌ في مظاهر الوجود وكوامنه فلا يفصل بينهما فاصلٌ أبدًا. أما الهرمنيوطيقا الدنيوية التي ألزمت تفكير الإنسان بحدود الماهيات الفانية، وحالت دون تَفَكُّرِه بما وراء عالم الحس. إلى ما انتهت إليه عَدَميات الحداثة، عندما أعرضت عن فهم الوجود بما عالم مخلوق ومحفوظ بالعناية الإلهية وتدبيراتها24.

المميز في تفكير محمود محمد طه انه في مواكبته لتطورات وتحولات العلوم الحديثة، وبخاصة علوم الفيزياء الكونية. غير انه في هذا، لم يكن يقصد إثبات صدق الآيات البيِّنات استناداً إلى الإنجاز العلمي، بقدر توظيفه كحجة على نخب العالم الإسلامي التي اتخذت من العلم الحديث مرجعية نهائية وثابتة في صياغة تفكيرها. من الاختبارات التي اتخذها نموذجاً للحجة على هذه النخب ما توصل إليه جمع من العلماء لإثبات روحانية المادة. وعلى ان لكل شيء في الوجود روحه التي تناسبه. ومما يؤيد ما ذهب إليه، ما ذكره الفيزيائيون في الفرضية التالية: “في البدء تُصمِّمُ المادة الحية (الروح) نفسها على شكل نمط حقلي هولوغرافي (مجسَّم)، وعلى أساس هذا النمط تحديداً تبني المادة لنفسها جسماً بيوكيميائياً أرضياً محدداً. ما يعني أن ثمة جانبين للحياة. وأن الأول منهما – هو ذاك الجانب الهولوغرافي، الحقلي”25. إلى ذلك يبرهن عضو أكاديمية العلوم الروسية ب.ب. غاريايف وزملاؤه تجريبياً، على أن مثل هذه الصورة المجسدة (هولوغرافياً) تنشأ حتى ما قبل ظهور الجسم الكامل الى النور. فالمعلومات الواردة من الخارج بالنسبة للجنين (المضغة)، تجعل صبغياته (كروموزومات) تقوم بتشكيل نمطٍ موجيٍ معين. وهذا النمط، هو الذي يملي على الخلايا المنقسمة، متى وإلى أين يجب أن تنمو الرجلان واليدان والرأس. فالنمط الموجي يُشعل بالمادة، بشكل مشابه لقالب السبك الذي يُملأ بالسبيكة” إدعاء غاريايف ليس من دون أساس، ذلك بأن كل مخلوق حي ينشأ وفقاً لبرنامجٍ موجيٍ معطى مسبقاً. وقد أثبت الباحثون واحدة من أبرز روايات الكتاب المقدس عن الحمل الطاهر. وبالمناسبة كما يفترض العلماء، يمكن أيضاً تفسير نشوء الحياة على الأرض. وهنا نأتي حتماً الى فكرة الدماغ الفائق- أوالعقل الجبار للشكل الحقلي، الذي يقوم أساسه، على الأرجح، على الخلاء. ومن الخلاء تحديداً تنطلق الأمواج، التي تحمل إلى كل كائن حي المعلومات الجينية والطاقة. ذاك يشير – كما يبيِّن غاريايف-  إلى أن العلم لا يجوز إيقافه، وإلا فإن الحضارة تبدأ بالمراوحة في المكان، وهذا هو المقتل بحد ذاته، وأن التحكم بالوراثة يبشر البشرية بالتخلص من أكثر الأمراض خطورة- الجينية أو الوراثية26.

5- وحدة الفيزياء والميتافيزياء

إذا كانت الفيزياء الحديثة أثبتت بالعلم التجريبي المادي البعد الروحاني للوجود المادي فقد تيقَّن هذا البعد بما يسميه العلم التجريبي الروحي. من هنا كان محمود محمد طه على يقين من أن الفيزيقا هي وسيلة إلى الميتافيزيقا، وان ليس ثمة انفصال بينهما كما فعلت الفلسفة الحديثة تأسِّياً بما أسست له ميتافيزيقا الإغريق قبل خمسة وعشرين قرناً خلت. في سياق تسويغه للعلاقة الموثوقة بين الطبيعي والمابعد طبيعي يستدل طه بما قدمه العلم الحديث من إنجازات. ثم يورد ما ذهب إليه أينشتاين بقوله أن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون، هو أقوى حافز على البحث العلمي وينقل عنه إعجابه بتلك الروح السامية التي لا حدَّ لها، والتي تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع عقولنا الضعيفة العاجزة إدراكها، وهو ما يعزِّز إيماني العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام والذي يؤلف عندي معنى الله… أما خلاصة ما يستنتجه طه من كلام اينشتاين فهو التأكيد على أن العلم التجريبي يُظهر لنا وحدة العالم المحسوس، ثم يذهب أبعد من ذلك ليبيِّن أن العالم المحسوس إذا أُحسِنَ استقصاؤه يسوقنا إلى عتبة ما وراء المحسوس ويتركنا هناك وقوفاً في خشوع وإجلال أمام الذي يقع وراء عالم المادة.27 ثم انه في كتابه الثاني من “أسئلة وأجوبة” يستقرئ معنى العقل والروح كمفهومين قرآنيين يختلفان اختلافاً جوهرياً عما جرت مقاربتهما لدى الإتجاهات الفلسفية المختلفة. فقد اعتبر العقل أكرم خلق الله على الله، وانه الوسيلة إليه، وبه يكون الترقِّي في مراقي القرب وذلك ترقٍ سرمدي لا يقر له قرار، ولا يتناهى له مدى28. ثم يوضح الدلالات والاستعمالات القرآنية لمعنى العقل فيرى أن القرآن نزل من أجل ترويض هذا العقل وتأديبه وتسديده إلى معارج القرب، وإنما من أجل ذلك فُرضت الفرائض، وعُزِمت العزائم، ونهضت التكاليف29. أما بخصوص فهمه للروح فقد آثَرَ جلاء معناها في حقل علاقتها بالعقل والجسد، رائياً بأن كليهما من الروح، بل أن العقل روح والجسد روح، وأما الاختلاف بين العقل والجسد فهو اختلاف مقدار لا اختلاف نوع، وإنما غرض العبادة، وغرض التكاليف التي احتشد بها القرآن أن تستخرج اللطيف من الكثيف حتى يصير الجسد في لطافة العقل، وبذلك يحيا الحياة الكاملة الخالدة، ذلك بأن القرآن بهذه المثابة، وسيط بين الكثيف (الجسد) واللطيف (العقل)، ناهيك عن أن القرآن بنفسه أيضاً روحٌ30.

لقد أدرك طه أن من أهم مقتضيات التأسيس لمشروع فكري إسلامي مفارق هو الابتداء من دائرة الميتافيزيقا. أي من الدائرة التي يتوقف على إدراكها فهم الأنظمة المعرفية التي يتشكل منها النظام التدبيري القرآني وفي مقدمها إدراك الصلة بين العقل الإستدلالي وكشوفات القلب العرفاني. ومع أن هذه المعضلة لا تني تُستنبتُ من دون توقف في مسارات الفكر، فإن كُثُراً من العرفاء سلكوا درباً مغايراً فلم يجدوا تناقضاً بين العقل والنقل والكشف كسبلٍ للتعرُّف على الله والعالم. وإلى هذا راحوا يوجبون التمييز وبيان الفروق في عمل كلٍّ منهما. وقد نجد في الحكاية المشهورة عن الخلوة التي انعقدت بين الشيخ الرئيس إبن سينا والعارف بالله أبو سعيد أبو الخير ما يُلمِحُ إلى أصل المُشكِل. أي إلى إمكان التواصل بين العقل الفلسفي والقلب العرفاني من دون أن ينفيَ أحدُهما الآخر.. تقول الحكاية إن ابن سينا سُئِلَ لمّا انقضت خلوته مع أبي سعيد: كيف وجدت الشيخَ.. فأجاب: كل ما أعلَمُه هو يراه. ولمَّا سُئِل الأخير عما وجده من الشيخ الرئيس قال: كل ما أراه يعلمُه. تشير إجابتا الفيلسوف والعارف – وكلٌ من طَرَفه – إلى وحدة بين إلهامات القلب العرفاني، واستدلالات العقل البرهاني. وإن كان تحقّق هذه الوحدة حاصلاً من منهجين مختلفين. نظير هذه الحكاية، وإن بسياقات أخرى متصلة بالمنهج، ما حصل في مبتدأ القرن الثالث عشر الميلادي، عندما طَلَب القديس توما الأكويني إلى أساتذة اللاّهوت ألاَّ يبرهنوا على أصلٍ إيمانيٍ بالبرهان المنطقي. ذلك لأن الإيمان –برأيه- لا يرتكز على المنطق بل على كلمة الله. وعلى التوازي نبَّه أساتذة الفلسفة إلى ضرورة ألاَّ يستدلَّوا على حقيقة فلسفية باللُّجوء إلى كلمة الله، لأن الفلسفة لا ترتكز على الوحي بل على العقل. ورغم أن الأكويني كان أرسطياً متشدِّداً، فقد حرِصَ على التمييز بين الفلسفة والوحي؛ وذلك من قبيل حفظ موقعية كل منهما في إنتاج المعرفة الصحيحة. فإذا كان اللاَّهوت هو العلم بالأشياء عن طريق تلقِّيها من الوحي الإلهي، فالفلسفةَ هي المعرفة بالأشياء التي تفيض من مبادئ العقل الطبيعي. ولأن المصدر المشترك للفلسفة واللاَّهوت هو الله خالق العقل والوحي، فإن هذين العلمين يسيران في النهاية إلى التوافق31.

المعادلة نفسها تسري أيضاً على جدليات المواصلة بين العرفان والسياسة، حيث تتخذ العلاقة بينهما وضعية الوصل الإمتدادي على الرغم من الاختلاف المنهجي في نظرية المعرفة لدى كل منهما. ووَفْقاً لمقاصد الأطروحة التي نحن بصددها، فإن السياسة – وبفضل الوضعية الامتدادية التي مرَّ ذكرها- تحتل مرتبة عليا في المنظومة العرفانية، وفي ميادينها الفسيحة يتبوَّأ العارفُ مقام التدبير، وصولاً إلى المقام الأسمى في معراجه الروحاني.

6- الطريقة المحمدية كمرجعية متعالية

المسار التأصيلي الذي اتخذه محمود محمد طه دربة له لأجل تبيين المرتكزات التأسيسية لمشروعه الإحيائي، سيدعوه إلى إجراء تفكيك جوهري لحقبة الإسلام الأولى، ليبيِّن سلسلة من المعاثر ستُفضي في أحقاب لاحقة إلى نشوء التصوف. ولنا في ما ذكره في كرَّاسته “طريق محمد” مصداقاً لهذا التبيين.32 فقد رأى أن الإسلام عندما انتشر وساد حياة الناس، كان النبي هو إمامهم ووسيلتهم إلى الله، ولم تكن الدنيا أكبر همهم.. بل كانت الدنيا عندهم مطية الآخرة كما علمهم النبي، ثم لمَّا لحق النبي بربه سار الأمر على ذلك خلافة الشيخين وصدرا من خلافة عثمان، وفي أخريات خلافة عثمان بدأ حب الدنيا يشغل قلوب الناس، حتى إذا جاء عليٌّ عقب مقتل عثمان، وأراد أن يرد الأمر إلى ما كان عليه، دفع حب الدنيا الناس إلى خذلانه ونصرة معاوية عليه، وأصبح أمر الدنيا بذلك عالياً على أمر الدين، وصارت الخلافة على يدي معاوية ملكاً عضوضاً، كما أخبر بذلك النبي، ثم عهد معاوية بأمر المؤمنين إلى ابنه يزيد، وجعل هذا الأمر وراثة في عقبه من بعده، ولقد قُتـِل علي بن أبي طالب في زمن معاوية، كما قتـل الحسن بن علي، وعلى يَدَي رجال يزيد بن معاوية، قُتل الحسين بن علي، مع عدد كبير من أبنائه. ثم لم يزل أمر الدنيا عالياً، وأمر الدين منحطا بين الناس.. وكلما قام لنصرته قائم من أبناء عليٍ خَذَلَه الناسُ ونصروا عليه أعداءه من الأمويين ثم من العباسيين، حتى استيأس أنصار الدين من صلاح أمر الناس، ففروا بدينهم إلى المغاور، والكهوف، والفلوات يقيمونه في أنفسهم، وينشرونه بين الراغبين فيه ممن حولهم، من غير أن يتعرضوا إلى منازعة السلطة الزمنية، فنشأ بذلك التصوف الإسلامي، وظهر مشايخه ممن أخذوا أنفسهم بتقليد سيرة النبي، من قبل أن يبعث، حين كان يتحنث في غار حراء، وبعد أن بعث.. فظهرت معارف الدين وأسراره، وأنواره، عليهـم وعلى مريديهم، وكانوا هم حفظة الدين وعلماءه ومرشدي الناس إليه، واضطلعوا بدورهم العظيم هذا زمنا طويلا، مما لا تزال بقاياه، في التربية والإرشاد، ظاهرة إلى يوم الناس هذا، في بعض تلك البقع المباركة، التي يحفظ فيها القرآن الكريم، ويسلك فيها المريدون..33

على هذا التأصيل الدقيق لحقبة الإسلام الأولى، جرى إثبات علاقة سببية بين السلطة الراعية للإنحراف عن الوحي المحمدي ونشوء التصوف. وما ذلك إلا للدلالة على أن ظاهرة التصوف والزهد في الإسلام هي محاولة إحيائية للحقيقة المحمدية بأبعادها الوحيانية وآفاقها التاريخية. فالتصوف الإسلامي – كما يقول طه- هو في حقيقته تقلّيد السيرة النبوية.. فالنبي في خاصة عمله قبل البعث، وبعد البعث، هو عمدة أهل التصوف، وإن كان اسم الصوفية لم يظهر إلا مؤخراً.. فالصوفية، في حقيقة نشأتهم هم أنصار السنة المُحمّدية، وهذا ما كان من أمر أصحاب الدين ـــ أصحاب علي بن أبي طالب وأبنائه من بعده ..وأما ما كان من أصحاب الدنيا ـــ أصحاب معاوية ـــ الذين بدأ عهدهم بانتصار معاوية، وهزيمة علي، فإنهم أخذوا ينظمون دنياهم وفق الشريعة الإسلامية، حتى إذا اتسعت وزاد إقبالهم عليها وتشعبت حاجاتهم فيها، نشأ الفقه الإسلامي، وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد، حتى أسرف على الناس في أخريات الأيام وبعد بهم عن المعين واهتم بالقشور وفرط في اللب فأصبح صورا تحكي الدين بلا دين وجاء الفقهاء الذين يعيشون للدنيا ويأكلونها باسم الدين34..

في هذا الموضع الإنعطافي من تاريخ الإسلام، سيكون لمحمود محمد طه فهمٌ خارجٌ عن مألوف ما اعتكف عليه جمعٌ غفير من العلماء والمحققِّين المسلمين. لقد رأى أن مفارقة الدولة للدين التي بدأت بانتصار معاوية أحدثت نقلة جوهرية تطورت الحياة فيها خارج قبضة الدين الذي مثلته الفروع آنذاك. وبتلك النقلة تحولت مدنية الإسلام الروحية إلى حضارة مادية على أيدي الأمويين والعباسيين. وفقَ هذا المسار ستنكفئ الخلافة الدينية لصالح ملك عضوض هو أشبه بنظام حكم علماني، سيكون من أهم الأسباب التاريخية وراء تشكل هيكل الحضارة المادية الراهنة.35

تلقاء هذا الفهم المفارق للحظة الإنزياح عن طريق الوحي المحمدي، لم يدعُ محمود محمد طه إلى اعتزال الحياة، أو التبخيس من قدرها، والهرب إلى المغارات والكهوف. وإنما نظَّر الى بعث إسلامي، يستهدي بالعقل، مع ضرورة ألا ينحجب العقل عن الحقائق المركوزة وراء الظواهر. وتلك – كما يرى باحثون في مشروعه الفكري- عودة جديدة لـ”العرفان” ولكن على هيئة تتمفصل في بعض مناحيها مع أفكار “لاهوت التحرير”. غير أنه سعى إلى النأي بالفكرة الإسلامية من الوقوع في براثن جمود تديُّن ما قبل الحداثة. مع ملاحظة أن أفكاره تمد جذورها وفروعها، أبعد بما لا يقاس، من الفكرة العلمانية الغربية في كل تخلقاتها، بما في ذلك آخر صيغها المتمثلة في أفكار “ما بعد الحداثة”.36 وهكذا فإن هدف العرفان عنده هو تعريف الدين بشكل أعمق من ذي قبل، وفهمه من ثم على نحو أكثر ديناميكية. ويعني ذلك، ضمن ما يعني، استخدام الطاقات المخبوءة، المودعة في البنية البشرية، لربط الواقع بالماوراء، بأوثق الروابط. وما من شك، أن طه قد اعتمد في تطوير منهجه، على الفكر الصوفي. ثم ليذهب أبعد بكثير مما ذهب إليه المتصوفة بتأكيده على دور الدولة بصيغتها العادلة37.

7- التأويل العرفاني للآيات

من أجل أن يبلغ بمشروعه الإحيائي نقطة التحول الجوهري استناداً إلى الكلام الإلهي، ينحو محمود محمد طه نحواً مغايراً لما درج عليه فقهاء التفسير من الذي اعتبرهم يفسرون الآيات بالرأي، أي بمقتضى نصوصها الحرفية، وبما ألزمهم به نظام العلوم المكتسبة من المنطق وقواعد اللغة العربية. لقد رأى أن أصحاب الرأي ابتنوا رأيهم على القرآن، وساقوا منه آيات بيِّنات للتدليل على صدقهم، أما الصوفية فقد وقفوا من أصحاب الرأي موقف النقيض من النقيض، وساقوا منه آيات بينات للتدليل على صدقهم. ولقد ورطت هذه الظاهرة الغريبة كثيرا من المستشرقين، ممن عنوا بدراسة القرآن، في خطأ جسيم، فظنوا أن بعض القرآن يناقض بعضها بعضاً، وأسرفوا في ذلك على أنفسهم وعلى مواطنيهم. والحق، في هذا الأمر، – وهنا يأخذ بمذهب عرفاء الصوفية – أن للقرآن ظاهراً وباطناً، فظاهره عني بظواهر الأشياء، وباطنه قام على الحقائق المركوزة وراء الظواهر، ثم اتخذ، في نهجه التعليمي، الظواهر مجازاً يعبر منها العارف إلى البواطن، وهو في ذلك يقول {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}38 والظـواهر هنا آيات الآفاق، والبواطن آيات النفوس. وأبواب العقل على آيات الآفاق هي الحواس، والحواس قد جاءت كلها مثاني، من يمين وشمال، على تفاوت في القوة بينهما، فينتج عن هذا أن ما تؤديه العين اليمنى، إلى العقل، من الشئ المرئي، يختلف عما تؤديه العين اليسرى منه إليه. وليست صحة الأمر بينهما. وهذا يعني أن تجري غربلة في العقل، بها يتخلص مما يسمى خداع الحواس، ويخلص إلى الأمر على ما هو عليه في الحق .

ولعل ما يشهد على منحاه التأويلي للقرآن ان محمود محمد طه يسلك في أعماله التأسيسية مسلك كبار العرفاء والمتصوِّفة في فهم الكلام  الإلهي. وسنجد ذلك في كتابه: “الرسالة الثانية من الإسلام” حيث يميِّز بين المجاز والحقيقة، ثم لينفي التناقض بينهما. وقوله بيِّن في هذا الموضع الدقيق الذي يخالف فيه وهم اعتبار المجاز وهماً بينما حقيقة النص كامنة في ظاهر النص وحسب. يقول: “وإنما الـرشد أن نجعـل ما ترى الأبصار مجـازاً إلى ما تـرى العقـول، وما ترى العقـول مجازاً إلى ما تـرى القلـوب، وهو الحـق، ثم هو الحقيقـة، في الفينة بعد الفينة .والمثل الذي يجاري وهم العقل تعطيه هاتان الآيتان،{لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 39فإن السالك المجود، وهو في أول الطريق، إذا قرأهما فهم من أولاهما أن له مشيئة مستقلة تملك أن تستقيم، كما تملك أن تلتوي، ولم يفهم من ثانيتهما إلا ما تعطيه اللغة، فيجتهد في سبيل الاستقامة في تشمير وجد. حتى إذا نضجت تجربته بالمجاهدة، ومصابرة النفس، علم يقينا أنه لا يملك مع الله مشيئة، وأصبح الخطاب في حقه، ساعتئذ، قوله تعالى: “وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” ويعرف أن قوله تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ “قد أصبح في حقه منسوخاً، بعد أن تخلص من وهم عقله. هذا مع الفهم الأكيد للحكمة التي من أجلها جاءت هذه الآية الكريم40. فالقرآن كما يضيف: ساق معانيه مثاني.. معنى قريباً في مستوى الظاهر، ومعنى بعيداً في دقائق الباطن، ولكن أصحاب الرأي لم يفطنوا إلى ذلك، فجعلوا الآيات التي تجاري أوهام الحواس، والتي تجاري أوهام العقول، سندهم، وبنوا عليها علمهم، فضلوا كثيرا وأضلوا. وأما الصوفية فقد تفطنوا إلى ذلك، وعلموا أن أوهام الحواس، وأوهام العقول، يجب التخلص منها بأساليب العبادة المجودة، التي تبلغ بهم منازل اليقين المحجبة بحجب الظلمات، وحجب الأنوار41.

ولكي يستكمل مساره التأويلي في هذا الصدد بالذات، يمضي طه على طريقة المجتهدين في الإلهيات النقلية، ليشير إلى أن كلمة الروح وردت في القرآن على ثلاثة معاني منها معنى العقل حيث وردت الكلمة عبر إسم جبريل في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ*عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ}42 فإن جبريل هو كل إنسان ذي عقل، وفي معنى الروح الذي هو الجسد يقول تعالى: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ* فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ}43 فالروح هنا هي روح الله وهي تعني العلم القديم وتعني الجسد الحي حياة كاملة، قديمة وتعني أيضاً وأساساً الحياة الكاملة المطلقة الكمال.44 وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن والحديث لا نجدها تتكلم عن العلم من حيث هو علم في ذاته، كما لم تفرضه بهذه الصفة، وإنما قرنته بمنفعته الدينية والدنيوية (المرتبطة بالدين) ورغبت فيه من أجل هذه المنافع؛ وقد افتتح الإمام الهجويري كلامه عن العلم بما أثنى الله به على العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}45، كما ضمن تحليله ذم الله وعز وجل الذين اشتغلوا بغير النافع من العلوم في قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُم﴾46، وكذلك تعوذ الرسول (ص) من ذلك بقوله: “أعوذ بك من علم لا ينفع47. فتبين لنا من هذا أن مصطلح الخطاب الصوفي بقي مرتبطًا في حده ومضمونه بالأصول الإسلامية الأساسية (القرآن والسنَّة) ومقاصدها العملية، ولم يجنح إلى التجريد النظري الذي مهد له علم الكلام، وبلغ أوجه في الفلسفة المتأثرة بما نقل عن اليونان48.

ومع أن مفهوم العارف يحتل مكانة تأسيسية لدى أكابر الصوفية والعرفاء، إلا أننا سنجد في مطارح شتى ان الشيخ الأكبر محيي الدين إبن عربي راح يقدم العالم على العارف. وهو ما لم يغِبْ عن فهم محمود محمد طه في سياق اجتهاداته وتأويلاته. فلو عاينّا منظومته التأويلية لَظَهرَ لنا سياقان للرؤية، يبدوان متضادين في الشكل متصلين في المضمون. وعلى غالب الظن، أن ترجيح العالم على العارف عند الشيخ الأكبر ناتج من أمرين: أولهما، عائدٌ إلى الكيفية التي عولج فيها صاحب العلم في القرآن الكريم. وثانيهما، إلى تمييزه بين الخاتم الجزئي والخاتم المطلق. حيث إن الأول دون الثاني قربًا إلى الحق، بل يتلقى منه العلم والتسديد ويمهِّد لمهمته الكونية المنتظرة49.

ولدينا هنا شاهدان من أعماله:

الشاهد الأول: نطالعُه في كتابه الموسوم بـ “مواقع النجوم”، وفيه يقرر ابن عربي أن العارف هو دون العالم منزلة. ثم يسوِّغ تقريره المشار إليه بالإحالة إلى سورة الكهف، والمنزلة المخصوصة التي للعبد الصالح فيها. فالله تعالى يقول في صاحب موسى(ع):﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا50. فقد أعطي علمًا لَدُنّيًا لا توسط فيه لمرشد أو كتاب. وهذا ما يسمّى بالإلهام. وهو ضربٌ من الإخبار يسمو فوق طور العقل، ويتأتى من نفث روح القدس في الروع ويختص به النبي والولي كل بحسب رتبته ومقامه في عالم الألوهة. وتأويل هذه الآية أن الحق تعالى لمّا أعطى عبده قسطًا من علم الغيب أصبح هذا العبد عالمًا. فهو إذن، عالم بالله. ولأنه كذلك فهو صاحب إلهامات وأسرار وخشية، ويعبّر عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ51. ذاك يعني أن العالم هو أيضًا صاحب خشية، وكذلك صاحب فهم وعلمكما في الآية: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ52. أي أن العالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشُّبَهُ ولا تزلزله الشكوك لتحقّقهِ بِما شاهد من الحقائق. وفي سياق كلامه على أشرفية العلم على المعرفة، يقول ابن عربي: “فما أشرفها من صفة (يقصد العلم) إذ حبانا الله بالحظ الوافر منها.. ثم يتساءل: وكيف لا يُفرح بهذه الصفة، ويُهجر من أجلها الكونان، ولها شرفان كبيران عظيمان: أولهما: إن الله تعالى مدح بها نفسه. وثانيهما: أنه تعالى مدح بها أهل خاصته من أنبيائه وملائكته، ثم منّ علينا سبحانه ولم يزل مانًّا، بأن جعلنا ورثة أنبيائه فيها لقوله(ص): “العلماء ورثة الأنبياء”. فلأي شيء يا قوم – والكلام للشيخ الأكبر – ننتقل من اسم سمّانا الله تعالى به ونبيه إلى غيره. ونرجحه عليه، وتقولون فيه هذا عارف وغير ذلك. والله ما ذاك إلا من المخالفة التي فيها طبع النفس، حتى لا نوافق الله تعالى فيما سمّاها53.

وحيث يتحدث ابن عربي عن صفة العالم على هذا النحو، فلن نلحظ أي مغايرة لأطروحته عن صفات العارف حيال المراتب التي يستحقها، ولا سيما منها مرتبة العارف الواصل المخصوصة بالولي الخاتم.

ولأن العالم الذي يصفه ابن عربي بهذه الصفات العليا، هو نفسه العارف للواصل الذي كُشفت له الأحجبة وطُويَت له الأرض، ورُزق من العلم اللدني بمقدار سعته واستعداده، فذلك يعني أن كلام ابن عربي حول أشرفية العالِمِ على العارِفِ إنما يدخل في مقام التخصيص. ولذا فمن أوَّليات التعرف إلى الولي عند ابن عربي أن العلم الاكتسابي الذي يختص به علماء الرسوم لا يرقى إلى مقام علم العالم العارف. بل هو عند درجة الاحتجاب والنقص ويحتاج معها إلى نصح العرفاء ورشادهم. وثمة في هذا الخصوص ما لا حصر له من الشواهد.

الشاهد الثاني: وفيه نشير إلى ما قرره ابن عربي في “الفتوحات المكية” بقوله: “وجاء هذا الفقيه إلى الحضرة الإلهية بميزانه ليزِنَ على الله، وما عرف أن الله تعالى ما أعطاه تلك الموازين إلا ليزِنَ بها لله لا على الله. فحُرِمَ الأدب، ومن حُرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي”54. يضيف: “ومع هذا الفضل المشهود لهم (الفقهاء والمتكلمون)، ينكرون على أهل الله إذا جاؤوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم، أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالقلم المعتاد في العرف، ولقد صدقوا، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم، وهو الإعلام الرحماني الرباني”55.

من البيِّن أن محمود محمد طه قد أخذ من العرفان النظري الكثير مما يفيد منظومته الأنطولوجية، ثم ليوظفها في مجال التدبير الحضاري للأمة. ففي سياق جهده لبيان المائز بين العالم والعارف يبيِّن طه أن علم الظاهر ليس علماً. ثم إن علينا أن نسير وسط الظلمات: ظلمات النفس، وظلمات الكون، فلولا السير لا تكتسب الأنوار.. فلو لم يسر الهلال ما أصبح بدراً مكتملاً.. ونحن، في هذه المسيرة، محتاجون لضوء، ولو ضوء شمعة، يبدد الحلكة.. وهذا الضوء البدائي، تلتمسه النفوس المؤمنة في إيمانها “إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار، في جنات النعيم”. يضيف: أن المعارف قد كثرت، وأصبحنا لا نعرف ماذا نأخذ منها، وماذا ندع ولكنها معارف تتعلق بالقشور، ولا تتصل باللباب “وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون*يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون” قال “لا يعلمون” ثم قال “يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا”. فكأنه قال: إن علمهم ليس بعلم.. وكأنه قال أيضاً: إنهم لا يعلمون حقائق الوجود، وإنما يعلمون مظاهر الوجود ـ لا يعلمون الله ـ ومن أجل ذلك كثر القلق، وكثرت الحيرة في عهد العلم ـ كثرت معرفة الفروع، وقلت معرفة الأصول ـ والفروع تفرق، والأصول تجمع الناس على واضحة..56 إلى هذا فقد كان طه على دراية معمَّقة بالتراث الأنطولوجي العرفاني وخصوصاً في ما اتصل منه بعلم الوجود والمقام الذي يتبوأه العقل في تحصيل المعرفة.

يحضرنا في هذا المقام شاهد رفيع الدلالة يستجلي موقف الشيخ الأكبر من فلاسفة العقل المحض، ومن علماء النقل على السواء. وهو ما سنلاحظه في واحدة من أبرز النصوص النادرة في التراث الصوفي. قصدنا به رسالته إلى الإمام الفيلسوف الفخر الرازي57. في الرسالة المذكورة أورد الشيخ الأكبر ما حرفيته: “وليعلم ولييّ وفقه الله (ويقصد الإمام الرازي) أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه، لا من بعضها، و”العلماء ورثة الأنبياء” كما جاء في الحديث الشريف. فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثًا من جميع الوجوه. ولا يكون ناقص الهمة”. أي همة السير إلى الله حتى يورثه علوم الأنبياء ومعارفهم. ذلك أن حُسنَ اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية، وقبحها بضد ذلك، وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمله في المحدثات(الدنيا) وتفاصيلها، فيفوته حظّه من ربه، وينبغي له أيضًا أن يسرّح نفسه من سلطان فكره، فإن الفكر يُعلَمُ مأخذه. والحق المطلوب ليس ذلك، وإن العلم بالله خلاف العلم بوجود الله58.

وما يبدو واضحاً أن طه اتبع طريقة الإرشاد العرفاني في سبيل الوصول إلى تزكية النفس بالعلم والعمل. إلا أنه سينبِّه مريديه إلى الحذر من قطع المسافات من غير تدبُّر لذا سيخاطبه ناصحاً إياه بوجوب الأخذ بمقتضيات الشريعة المعصومة كمبدأ للطريقة الحقَّة. ..”وأما كيفية بلوغ المراتب، في مراقي النفوس، فقد كان يمكن التفصيل فيه، ولكنه غير ضروري قبل الشروع في العمل: ولبداية العمل فإني أرشح لك دليلاً لا يضل، ولا يضلل، وهو المعصوم، محمد بن عبد الله.. وأوصيك بأمرين في ذلك: الاطلاع على كتيب “طريق محمد”، ثم الاستزادة على ذلك بالاطلاع على كتب السيرة، وكتب الشمائل المحمدية، حتى تنشأ، بينك وبين محمد، علائق الحب، والثقة، وتمام التسليم، والإتباع.. فإنك لا تسلم لله، حتى تسلم لمحمد: وإنك لا تتبع الله حتى تتبع محمداً بإتقان تقليده، والعمل على منواله، عن حب وثقة، ويومها سترى ثمار قلقك الحاضر استقراراً، وطمأنينة، وعرفاناً بالله59. والعرفان بالله هو منتهى حقيقة الشريعة..

والحقيقة بحسب تأويلية محمود محمد طه، هي معرفة أسرار الألوهية، وفي قمة أسرار الألوهية، أن الله خير محض وأن الشر ليس عنده، وإن كان منه.. ولا يكون الشر، إلا حين نمشي أمام الله كما ورد التعبير في رسالة الصلاة، فإنا لا نرى الشر إطلاقاً، ولا يرانا بل نعيش في محيط الخير المطلق.. ومن أسرار الألوهية الرفيعة، أن الوجود، المنظور منه وغير المنظور، (فيما نتوهم) لا يتحرك فيه متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بفعل الله وحده، لا شريك له.. فإذا بلغت، بالشريعة، اليقين بهذه الحقيقة فقد أصبح عملك، في اللاحقة، مراقبة ما جرى به القلم في السابقة.. وهذه هي عبادتك، في جملتها وفي تفاريقها60 .

كان محمود محمد طه يتوخى أقصى الدقة في تأصيل نظامه المعرفي، وخصوصاً حين يقف تلقاء الجدل المفتوح حول صلة الشريعة بالحقيقة. فالعقيدة كما يقول – مرفأ من عواصف الحيرة، ولكن العقل البشري المعاصر، لا يريد العقيدة إلا متوكأ”. يبلغ بها مشارف العلم، ومنازل اليقين، وكلما استيقن العقل من مرحلة، طالعته مرحلة جديدة، لا يسعه فيها إلا الاعتقاد، ريثما تتكشف له معمياتها، وتدخل بذلك في مرحلة العلم، فتطير له في الأفق البعيد، مرحلة جديدة، لا يسعها إلا العقيدة، وهكذا دواليك61 لكن العلم لم يعط كلمته النهائية في كل شيء” وهو لا يبحث في الحقيقة المطلقة بالطبع، وإنما يبحث في ظواهر الأمور، وخصائص المادة، وقوانين القوى.. يذكرني هذا بقولة الصوفية: إن هناك كشوفات ظلمانية، وكشوفات نورانية.. فأما الكشوفات الظلمانية فتتعلق بالآيات الكونية، وأما الكشوفات النورانية فتتعلق بالآيات الإلهية.. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، في أول هذا الخطاب، حين قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.. يضيف: “نحن، كمسلمين علينا أن نؤمن، عن اقتناع، ورضى بالله سبحانه وتعالى.. وإنني في هذا، لا أكتب إلا عن تجربة شخصية أخوضها”.62 ولقد ورد في كتاب “رسالة الصلاة” “إن الإسلام، في حقيقته، ليس ديناً بالمعنى المألوف في الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه ـ مرحلة الشريعة فيه، مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة ـ حيث يرتفع الأفراد، من الشريعة الجماعية، إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة، وتكون الشريعة الجماعية محفوظة، ومرعية، لمصلحة السلوك، والتربية، والتنظيم، للقاعدة البشرية، التي تستجد كل يوم، وتجاهد بالتجارب كل حين لترقي المراقي.. والذين يدخلون في مراتب الشرائع الفردية، هم المسلمون حقاً ـ هم الأحرار ـ الذين سبقت الإشارة إليهم، في هذا الحديث، حين قلنا: إن الحر حرية فردية مطلقة، هو الذي استطاع، أن يعيد وحدة الفكر، والقول، والعمل، إلى بنيته.. فأصبح يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة عمله إلا خيراً للناس، وبراً بهم، وبذلك يستطيع أن يعيش فوق قوانين الجماعة، لأنه ملزم نفسه بشريعته الفردية، وهي فوق مستوى الشريعة الجماعية، في التجويد، والإحسان، والبر، والتسامي”.63

ما من ريب، ان تأصيل محمود محمد طه لمفهوم الوجود، ولا سيما لجهة صِلة الخالق بالعالم المخلوق، إنما كان بقصدٍ تسييل الربوبية في عالم التدبير الإنساني. ولذا لم يكن مسعاه لوصل العرفان بالسياسة شَغَفَاً عَرَضياً، وإنما هو شغفٌ معرفي أصيل يدخل كمكوِّن جوهري لمشروعه  الفكري المتعدد الحقول والفضاءات وحين يتعلق الأمر بفضاء التدبير السياسي وجدناه ينظر فيه وإليه كواجب أوجبه الأمر الإلهي على الإنسان من أجل أن يحقق كمالاته المعنوية ومسيرته الحضارية الفاضلة.

[1] – أنظر: محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام- دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة- 2012- ص 60.

2 – نصير الدين الطوسي- شرح الإشارات والتنبيهات- تحقيق: سليمان دنيا – مؤسسة النعمان للطباعة والنشر- بيروت 1992- ص 316.

3محمود محمد طه- أسئلة وأجوبة- الكتاب الثاني- مصدر سبق ذكره – ص 13.

4 – المصدر نفسه- الصفحة نفسها.

5 – أنظر: محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام- دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة- ط1- 2012- ص 61.

6 – راجع: محمود حيدر- العرفان في مقام التدبير السياسي- المباني الميتافيزيقية والمرتكزات المعرفية للحضارة الإلهية- كتاب تحت الطبع – دار الفارابي- ص 25.

7 – المصدر نفسه- ص 27.

8 – أنظر أعمال محمود محمد طه. مثل: أسئلة وأجوبة –رسالة الصلاة- الر سالة الثانية من الإسلام- طريق محمد- الخ. ففي هذه الأعمال ما يُعرب عن فهمه العميق لجدلية العلاقة بين الله والعالم.

9 – المصدر نفسه – ص 28.

10 – محمود محمد طه – أسئلة وأجوبة – الكتاب الثاني – الطبعة الأولى – رمضان 1391- 1971- الخرطوم- ص 65.

11 – م. حيدر- العرفان في مقام التدبير السياسي- مصدر سابق- ص 30.

12 – سورة ص، الآيتان 71-72.

13 – سورة السجدة، الآيات 7-8-9.

14 – محمود محمد طه- الإسلام- الطبعة الثانية- 1968- منشورات الحزب الجمهوري – أم درمان- السودان- 1968- ص 20.

15 – محمود محمد طه- الإسلام- الطبعة الثانية- منشورات الحزب الجمهوري – أم درمان- السودان- 1968- ص 6.

16 – المصدر نفسه – ص 7.

17 – نفسه – ص 8.

18 – نفسه – ص 9.

19نحو مشروع مستقبلي للإسلام- مصدر سبق ذكره – ص 59.

20 – المصدر نفسه.

21 – أنظر: محمود حيدر- نقد هيرمنيوطيقا العقل الأدنى- فصلية الاستغراب- العدد 19.

22نقد هيرمنيوطيقا العقل الأدنى- المصدر نفسه.

23 – م. حيدر- المصدر نفسه.

24 – المصدر نفسه.

25 – ف.ب. كازناتشيف- معهد الطب التجريبي والسريري في أكاديمية العلوم الروسية- راجع: ف.يو. تيخيبولاف- ت.س- تيخيبولاف- فيزياء الإيمان- ترجمة: شريف الخواط- دار علاء الدين- دمشق- 2014- ص 137.

26 – المصدر نفسه – ص 138.

27 – محمود محمد طه- الإسلام- منشورات الحزب الجمهوري- ط 2- الخرطوم 1968- ص 10.

28 – أنظر كتاب: “أسئلة وأجوبة”- مصدر سبق ذكره- ص 42.

29 – “أسئلة وأجوبة” – المصدر نفسه – ص 42.

30 – “أسئلة وأجوبة” – المصدر نفسه – الصفحة نفسها.

31 – إتيان جلسون- وحدة التجربة الفلسفية- ترجمة: طارق عسيلي- المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية- بيروت – ص 63.

32 – راجع محمود محمد طه- طريق محمد- الطبعة الثامنة- الخرطوم – ربيع الثاني 1395- أبريل 1975.

33 – طريق محمد- مصدر سبق ذكره- ص 38.

34 – طريق محمد – المصدر نفسه- ص 39.

35 – نحو مشروع مستقبلي للإسلام- مصدر سابق- ص 60.

36 – محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام – مدخل إلى حياته وفكره – دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة – ط 1- 2012- ص 58.

37 – نحو مشروعه مستقبلي للإسلام – المدخل – مصدر سبق ذكره – ص 61.

38 – سورة فصلت، الآية 53.

39 – سورة التكوير، الآيتان 28-29.

40 – راجع: محمود محمد طه- الرسالة الثانية من الإسلام- الطبعة الخامسة- الخرطوم- ص 65.

41 – المصدر نفسه- ص 66.

42 – سورة الشعراء- الآيتان 192-193.

43 – سورة الحجر- الآيتان 28-29.

44 – راجع الرسالة الثانية من الإسلام-  المصدر نفسه- ص 42.

45 – سورة فاطر، الآية 28.

46 –  سورة البقرة، الآية 102.

47 جمال أحمد المرزوقي – فلسفة التصوف – المصدر نفسه ص 203.

48المرزوقي، فلسفة التصوف – الصفحة 225.

49محمود حيدر، الفقيه الأعلى، دار المعارف الحكمية- بيروت 2014- الصفحة 88.

50 – سورة الكهف، الآية 65.

51سورة فاطر، الآية 28.

52سورة آل عمران، الآية 7.

53ابن عربي، مواقع النجوم، (القاهرة: مطبعة السعادة، الطبعة1، 1335هـ)، الصفحة 25.

54  ابن عربي، الفتوحات المكية، (بيروت: دار صادر)، الجزء الأول، الصفحة 645.

55  – المصدر نفسه، الصفحة 279.

56 – المصدر نفسه- ص 18.

57رسائل ابن عربي، القطب والنقباء وعقلة المستوفز، رسالة ابن عربي إلى الفخر الرازي، تحقيق وتقديم: سعيد عبد الفتاح، (بيروت: دار الانتشار العربي، الطبعة1، 2002)، المجلد الثاني، الصفحة 207.

58رسائل ابن عربي، مصدر سابق- ص 209.

59 – أسئلة وأجوبة- مصدر سبق ذكره- ص 36.

60أنظر: أسئلة وأجوبة- مصدر سبقت الإشارة إليه- ص 16.

61  – أسئلة وأجوبة – الكتاب الثاني- مصدر سبق ذكره – ص 20.

62 – المصدر نفسه – الصفحة نفسها.

63المصدر نفسه- ص 14.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى