دراسات وبحوث معمقة

متاهة العقل البشري على عتبات الغيب اللامتناهي

متاهة العقل البشري على عتبات الغيب اللامتناهي

 

 

 

ينطلق كتاب  ” العقل والغيب/ دراسة في حدود المعرفة البشرية”، لمؤلِّفه الياس بلكا، في تمهيده ومقدمته من محاولة استكشاف وتحديد النطاق الطبيعي للمعرفة البشرية من خلال رصد علاقة العقل بموضوع “الغيب”، وهو الوجود الآخر المحجوب عن أنظار الإنسان وحواسه سواء في أبعاده الزمانية أو المكانية. يطرح المؤلف إشكالية قدرة العقل البشري على محاكمة هذا العالم اللامادي، باحثاً في الأسس المعرفية التي تفصل بين صلاحيات الإدراك الإنساني المحدود والمقيد ببيئته المادية، وبين مجالات التصديق الإيماني الممتدة، لتحديد ما إذا كان يحق للعقل ادعاء الإحاطة بمجاهيل الكون أو الاستقلال بفهم حقائقه دون الاستناد إلى المعرفة الدينية.

 

المحاور والأفكار الأساسية

 

 التقصي الفلسفي لقصور العقل في الفكر الغربي

 

يتتبع المؤلف مسار الشك والارتياب في قدرات العقل بدءاً من الفلسفة اليونانية، مستعرضاً “أسطورة الكهف” لأفلاطون التي ترمز إلى القصور البشري في إدراك الحقيقة الكاملة واعتبار العالم المرئي مجرد ظلال (ص 16). ينتقل التحليل لمعالجة الشكية القديمة مع “بيرون” والمدرسة التجريبية التي أثبتت عجز الحواس والمنطق الصوري عن الوصول إلى يقين مطلق. ويحلل الكتاب التحولات المعرفية في عصر النهضة مع “مونتيني” الذي اعتبر العقل قاصراً ومتقلباً، ثم ديكارت الذي وإن حاول بناء يقين عقلي انطلاقاً من الشك، أقر بضرورة الإيمان بضامن إلهي. يبلغ التحليل ذروته مع “كانط” وفلسفته النقدية التي شكلت منعطفاً حاسماً عبر إقراره بأن العقل البشري محصور في ظواهر الأشياء المادية، وهو “عاجز عن إدراك الأشياء في حقيقتها” (ص 54)، مما يؤدي إلى فشل الميتافيزيقيا في تقديم أجوبة يقينية حول الروح والخلود والإله، ويفرض على العقل التوقف عند حدود التجربة.

 

المراجعات النقدية لحدود الإدراك في التراث الإسلامي

 

ينتقل التحليل إلى البيئة الإسلامية راصداً توافق الفكر الإسلامي العميق مع فكرة محدودية العقل، متخذاً من أبي حامد الغزالي وعبد الرحمن بن خلدون نموذجين مركزيين. يعرض المؤلف التجربة الشكية للغزالي الذي أدرك من خلالها تهافت الثقة المطلقة في الحواس والعقليات، مقرراً أن اليقين الحقيقي يحصل بنور يقذفه الله في القلب يتجاوز قياسات المنطق (ص 74)، ومبيناً تهافت الفلاسفة حين خاضوا بعقولهم في الإلهيات. بالتوازي مع ذلك، يُشرح الكتاب المنظومة الإبستمولوجية لابن خلدون الذي وجه نقداً صارماً لصناعة المنطق وتطبيقاته خارج نطاق الطبيعيات، رافضاً محاولة وزن أمور الآخرة والروح بمدارك العقل، ومشبهاً ذلك بمحاولة “وزن الجبال بميزان الذهب” (ص 101). يخلص هذا المحور إلى قاعدة اتفاق مفكري الإسلام على تفويض عالم الغيب للوحي وتجنب الخوض الفلسفي التجريدي الذي يورث الحيرة.

 

 المركزية الوجودية للإيمان بالغيب في حياة الإنسان

 

يؤسس الكتاب فكرة أن حاجة الإنسان إلى الغيب تمثل ضرورة فطرية ووجودية لا يمكن للعقل أو العلم التجريبي الاستعاضة عنها. يوضح المؤلف أن الإيمان بالغيب ينتشل الإنسان من ضيق العالم المادي إلى سعة الوجود المطلق، ويمنح حياته وتصرفاته معنى وقيمة تتجاوز الرؤية الوضعية المغلقة (ص 124). يناقش الكتاب ظاهرة النزوع البشري الدائم نحو الغيبيات، مشيراً إلى أن المجتمعات التي حاولت إقصاء الغيب الديني سقطت في الإيمان بغيبيات بديلة وأساطير حديثة كالسحر والباراسيكولوجيا (ص 138). يبرهن المؤلف على أن الإيمان بالغيب يولد طاقة نفسية وروحية تعصم الإنسان من العبثية واليأس، ويفسر إخفاء الله تفاصيل الغيب بأنه حكمة إلهية لضمان استقرار الحياة الدنيا ودفع الإنسان لممارسة وظيفته في الاستخلاف وعمارة الأرض دون شلل أو رعب مسبق (ص 141).

 

تهافت العقل أمام ألغاز الوجود الكبرى

 

يختبر المؤلف قدرة العقل من خلال عرضه على قضايا ونماذج غيبية محددة استعصت على التفسير المادي وأثبتت قصور الإدراك البشري. يحلل الكتاب معضلة التعبير عن المفاهيم الغيبية واستحالة نقلها بلغة بشرية وضعت أصلاً لتوصيف المحسوسات (ص 186). يطرح المؤلف ألغازاً استعصت على الفلاسفة والعلماء مثل طبيعة “الروح” التي تنفلت من أي قياس مخبري، وسر “الزمان” الذي حير الفيزياء الحديثة وجعلها تتخبط بين النسبية والنظريات الكمية دون إدراك ماهيته الحقيقية (ص 213)، و”الرؤيا” التي تكسر قوانين الزمان والمكان المعتادة، وحتمية “الموت” الذي يشكل جداراً فاصلاً تنهار عنده كل محاولات التنبؤ العقلاني (ص 224). تؤكد هذه النماذج أن العقل محكوم ببنية وظيفية براغماتية خُلقت للتعامل مع المادة، ويفقد صلاحيته تماماً كلما حاول اقتحام عوالم الماوراء.

 

الخاتمة

 

يختم المؤلف أطروحته بتقرير نتيجة حاسمة تتمثل في أن العالم المعقد الممتد لا يمكن استيعابه ضمن الحدود الضيقة للعقل البشري. يؤكد الكتاب أن المعرفة الحقيقية تتطلب الاعتراف المتواضع بضعف الأداة العقلية أمام سعة الوجود المطلق وعوالمه المحجوبة. ينتهي المؤلف إلى أطروحة مفادها أن العقل جهاز حيوي وضروري لوظيفة الاستخلاف وعمارة الأرض، لكنه مصمم بطبيعة لا تسمح له بتجاوز هذا النطاق، مما يجعل الاستسلام لمعطيات الوحي في شؤون الغيب هو الموقف الإبستمولوجي الأكثر اتساقاً مع الحقائق العلمية والفلسفية، محذراً من أن أي محاولة لإقحام العقل في تفكيك الغيبيات تنتهي حتماً بالتخبط وإنتاج الأساطير.

 

خلاصة الكتاب  

– “الغيب والعقل: دراسة في حدود المعرفة البشرية”.

– تأليف: إلياس بلكا (باحث وأكاديمي مغربي متخصص في العقيدة والفكر الإسلامي).

– دار النشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي

– مكان النشر: هرندن – فرجينيا – الولايات المتحدة الأميركية.

– الطبعة: الأولى.

– سنة النشر: 2008م.

_____________________________

*المصدر: صفحة “سالم يفوت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى