
هيرمينوطيقا الوحي
فهم القرآن بين نقل المترجم وتأويل المتدبِّر
د. محمود حيدر
– مفكر وباحث في الفلسفة والإلهيات
– رئيس “مركز دلتا للأبحاث المعمّقة”- بيروت – لبنان
Mobile:009613540762
Email:Mahmoudhaidar327@gmail.com
مسعانا في هذا البحث الاقتراب من النص الوحياني من زاويتين: النقل الترجمي والشغل التفسيري. وهاتان الزاويتان تتصلان معاً أو تنفصلان، تبعاً لحدود الوظيفة المعطاة لكل منهما ضمن مشترك هيرمينوطيقي يظهر في حقل التعامل مع الخطاب القدسي. وذاك بيِّنٌ، فالأولى تمارس التأويل وهي تبحث عن معنى كلام الوحي من أجل تحويله الى غير المتكلمين بلسان العرب. – والثانية كذلك إذ تنحو نحو النظر الى النص القدسي بما هو وحدة قولية ذات منازل متكثرة من الفهم، وكذلك بوصفه نصَّاً منفتحاً على التأويل، وعلى إقبال المتأوِّل نحو الآيات للتعرّف الى مقاصدها التنزيلية وغاياتها التأويلية.
هذا المسعى المركب والمتداخل بين النقل الترجمي كتأويل ابتدائي، والعمل التفسيري كتأويل متعالٍ، يوجب تظهير هندسة فهم تلتقي فيها قراءتان متوازيتان حول موضوع واحد، إلا أنهما تعملان بمنهجين مختلفين، وغالباً ما يؤديان الى نتائج غير متكافئة.
– القراءة الأولى، تتحرى إمكان ترجمة القرآن مع مراعاة ما تظهره الآيات من تلازم وثيق وقطعي بين ظاهر القول الإلهي، وما هو مستبطن فيه من مقاصد وغايات. فإذا كانت غاية الترجمة إيصال الكلام الإلهي الى أفهام المتكلمين بغير لسان العرب، فذلك يعني أن المترجم سيجد نفسه بإزاء أحد أمرين: إما التزام نقل الحرف واللفظ وحصر اشتغاله ضمن هذه الدائرة، وإما أن يمضي إلى نقل المعنى، والاكتفاء بما انتهى إليه من فهم شخصي للكلمات المشكلّة للآيات. وحالئذٍ يصير الفعل الترجمي أدنى الى إجراء متعثِّر لا تجد معه سبيلاً الى التمييز بين خصوصية الكلام الإلهي وعمومية الكلام البشري. الأمر الذي يفضي إلى استيلاد نصٍ مستحدث يفارق النص الأول لفظاً ومعنى وغاية. وفي الحالين يشكل المنقول من الآيات، مرتبة لاحقة على النص الأصلي. وحال الترجمة في هذه المنزلة، أشبه بتقرير عن الأصل، أو صورة محوّرة تفسر ظاهر الآيات وتنقلها الى لغة أخرى لها منطقها وتركيبها الخاصَّين. بذلك لا يعود النص القدسي هو نفسه، حيث لا يستطيع الناقل الإحاطة بمنازله ودلالاته وطبقاته المعرفية المتعددة….
القراءة الثانية، هي قراءة المتدبِّر، معها يمضي القارئ في سفر مديد طلباً للتعلُّم والفهم. إلا أنه في سفره هذا يؤثر التعرُّفَ على كلمات الوحي بإحالة ما استغلق عليه من فهم الى المُوحِي نفسه. ذلك بأن قراءة المتدبِّر تصدر عن معرفة شخصية يَهَبُها المتكلم تعالى للخاصة من قرّائه. وتلك موهبة حاصلة للموهوب “من عين الجود وبذل المجهود” كما يقول الصوفي الكبير أبو سعيد الخراز. وهذان مصدران للوهب يتلازمان تلازماً ذاتياً ولا يصح إدراك الفهم لو توفر أحدهما دون الآخر. فالمعرفة الوهبية معرفتان: معرفة تعرُّف ومعرفة تعريف. معرفة التعرّف تعني ان يعرِّفَ الله تعالى نفسه خواصَّ أوليائه بأسرار الأسماء والصفات والأفعال. وأما معرفة التعريف، فهي أن يكشف الله للناس عن آثار قدرته في الآفاق وفي الأنفس[1]. ذاك يدل على أن كلا المعرفتين تُنجزان معاً بالمعية الإلهية واللطف الرحماني. بحيث يتلقى القارئ المتدبِّر معرفته من الفيض الإلهي علماً وتعريفاً بحسب سعته وقدرته واستعداده. فكلما اتسعت آفاقه ازداد تعرفاً حتى إذا بلغ حد العجز عن الفهم نبَّهه الحق من كتابه العزيز ما يسدده وما تأمن إليه نفسه، كما في قوله تعالى:” وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا“. (طه، 114). في هذه الآية حثٌ على الأخذ بسبيل الفهم المسدَّد بالصبر والدعاء. كأن يمضي القارئ الى تأوُّل الآيات ما وسِعَتْهُ قدرته على فهمها، فإذا بلغ سعيه منتهاه ووقع في الحيرة، دعاه الله الى الدعاء وطلب زيادة العلم.
بين لا تناهي كلام الوحي ومحدودية المتلقي، يذهب ابن عربي الى بيان ان الحقيقة الغيبية في إطلاقها غير متعقّلة ولا متوهمة، فإدراكها هو التحيّر فيها، تماما كما جاء في الحديث: “العجز عن درك الإدراك إدراك”[2].
والحيرة التي يتحدّث عنها ابن عربي هنا، هي الحيرة في مقام التعقّل والتدبُّر، لا تلك التي ارتكن فيها الإنسان الى قبضة الفكر المحض. فثمة فرق عند الشيخ الأكبر بين حيرة المتدبِّر وحيرة الباحث عن معنى الكلمات في ظاهر الحرف والعبارة. فإن حيرة الأخير وكما يستدل من كلام صاحب الفتوحات تقع في مرتبة ناقصة وعلامتها تعطيل الأفهام والحؤول دون تلقي القول الإلهي على الحقيقة. أما حيرة العارف المتدبِّر الذي حرّر قلبه وأطلقه من التعلقات والميول والرغبات الدنيوية، فحيرته عبارة عن تحول القلب وتبدله انسياقاً مع تنوع الحقيقة في صورها المختلفة، أي إدراك الوحدة في الكثرة، والتنزيه في التشبيه، والحقيقة في المجاز. وبالتالي إدراك الثبات في التنوع والتنوع في الثبات. وحسب ابن عربي، فإن القلب العارف وحده الذي يستطيع إدراك هذا التنوع، أما الفكر المحض فإنه ينظر الى الحقيقة من منظار المفاهيم التي اصطنعها بنفسه، ولهذا، فهو محكوم بالقصور والحجب، لأنه يسعى على الدوام خلف تقييد الحق وحصره في إطار المفاهيم الصمَّاء.
- ترجمة الوحي في المعنى والاختبار
لتأصيل المهمة الترجمية وجدنا أن نميز بداية بين الترجمة لغة واصطلاحاً وبين نقل النص كما ورد عند النحَّات. فالترجمة تعادل تفسير الكلام بلغته التي جاء فيها. ومنه قيل في ابن عباس: أنه ترجمان القرآن، أي مفسرُّه. والزمخشري في كتابه “أساس البلاغة” رمى الى هذا المعنى لمَّا قال: “كل ما تُرجم عن حال شيء فهو تفسرته” والترجمان هو المفسّر للكلام. وجاء في تفسير ابن كثير أن كلمة ترجمة تستعمل في لغة العرب بمعنى التبيين مطلقاً سواء اتَّحدت اللغة، أم اختلفت[3].. أما معنى النقل فهو التعبير من معنى كلام في لغة ما، بكلام آخر من لغة أخرى، مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده.. وفي السياق يورد أهل الاختصاص وجهين للمهمة الترجمية: وجه حرفي ووجه تفسيري[4].
– الترجمة الحرفية: هي التي تُراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وتركيبه، فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه. ويذهب البعض إلى تسمية هذه الترجمة باللفظية وبعضهم إلى تسميتها بالترجمة المساوية.
– أما الترجمة التفسيرية: فهي التي لا تُراعىَ فيها تلك المحاكاة، أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه؛ المهم فيها هو حُسن تصوير المعاني والأغراض كاملة، ولهذا تسمى أيضاً بالترجمة المعنوية. وسميت تفسيرية لأنها بحسب تصوير المعاني والأغراض فيها جعلها تشبه التفسير، وما هي بتفسير. وهنا لا بد من الإشارة، استطراداً إلى أن ما يسمى إشكالية خفاء المعنى هي من الإشكاليات المحورية في حقل الترجمة. فحقيقة المعنى ليست وقفاً على لغة واحدة تنقل عقلاً واحداً وتجمع بين أفراد مجتمع واحد، بل هي صارت ملكاً مشاعاً بين لغات متباينة تحمل مدارك متفاوتة وتتكلمها مجتمعات متباعدة. ولذا فحيثما تقررت المباينة، تعثَّرت الإبانة. فاللسان الذي يختلف عن غيره من الألسنة من وجوه مخصوصة، يُخفي عليها من هذه الوجوه، فيكون الاختلاف اللغوي بذلك سبباً في الخفاء المعنوي[5].
في مقام الترجمة التفسيرية. نجد إن المترجم يعمد إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه، ثم يصبَّه في قالب يؤيده من اللغة الأخرى، موافقاً لمراد صاحب الأصل، ذلك من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف عند كل مفردٍ، ولا استبدال غيره به في موضعه[6]. سوى أن الترجمة الحرفية على التعيين، ونظراً إلى المشكلات التي كثيراً ما تواجه المترجم في هذا الحقل.. تفترض الأخذ بشرطين إضافيين:
أحدهما: وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية للمفردات التي تألَّف منها الأصل وذلك حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محال نظيره من الأصل، كما هو ملحوظ في معنى الترجمة الحرفية.
ثانيهما: تشابه اللغتين في الضمائر المستترة، والروابط التي تربط المفردات لتأليف التراكيب، ولذا لا يرى بعض الباحثين مشقّة بيَّنة في إيجاد مفردات ضمن لغة الترجمة مساوية لجميع مفردات الأصل. وكذلك أن يظفروا بالتشابه بين اللغتين، المنقول منها والمنقول إليها في الضمائر المستترة، وفي دوام الروابط بين المفردات لتأليف المركَّبات[7].
لا ينبري الباحثون إلى العناية بهذه المشكلة إلا لأنها تتصل اتصالاً موثوقاً ببيان أربعة فروق وجدوها ضرورية لرفع اللَّبس الحاصل بين الترجمة والتفسير. إذ مهما تكن الترجمة حرفية أو تفسيرية فإنها غير التفسير مطلقاً، سواء أكان تفسيراً بلغة الأصل أو هي ترجمة تفسير الأصل. ولذا وضعوا الفروق الأربعة التالية:
الأول: أن صيغة الترجمة هي صيغة استقلالية يُراعى فيها الاستغناء بها عن أصلها وحلولها محله. أما التفسير فليس كذلك لأنه قائم أبداً على الارتباط بأصله (….)
الثاني: أن الاستطراد غير جائز في الترجمة. أما في التفسير فيجوز، بل قد يجب فيه الاستطراد. ذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له. ولذا فمن الأمانة أن تساويه بدقة من دون زيادة أو نقص. وحتى لو كان في الأصل خطأ لَوَجَب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة. وهذا بخلاف التفسير، فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له.
الثالث: أن الترجمة تتضمن عرفاً، دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده. والتفسير ليس كذلك. فإنه قائم على كمال الإيضاح – كما مرّت الإشارة – سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي. متناولاً كافة المعاني والمقاصد مقتصراً على بعضها دون بعض. طوعاً للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسَّر لهم….
وأما الفارق الرابع فهو أن الترجمة عرفاً، هي دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم هي مدلول كلام الأصل ؛ وأنها مرادة لصاحب الأصل منه. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى التفسير. بل أن المفسر تارة يدعي الاطمئنان وذلك إذا توفرت لديه أدلته، وتارة لا يدَّعيه عندما تعوزه تلك الأدلة. ثم هو طوراً يصرح بالاحتمال ويذكر وجوهاً محتملة مرجَّحاً بعضها على بعض، وطوراً يسكت عن التصريح أو عن الترجيح. وقد يبلغ به الأمر إلى أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول: ربُّ الكلام أعلم بمراده. ذلك على نحو ما نحفظه لكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن أو بفواتح السور المعروفة[8].
الخلاصة التي ينتهي إليها أصحاب التحليل المارّ ذكره هي انه لا فرق بين الترجمة الحرفية والتفسيرية من حيث الحقيقة. فكلتاهما – حسب تحليلهم– تعبير عن معنى كلام في لغة معينة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده. والفرق بينهما شكلي، وهو أنه يحلّ كلّ مفرد في الترجمة الحرفية محل مقابله من الأصل. فضلاً عن ذلك فإن تفسير الأصل بلغته، يساوي تفسيره بغير لغته فيما عدا القشرة اللفظية[9]…
أما النتيجة التي ينهض عليها أصل الاشكال في الهيرمينوطيقا الترجمية، هي التي تدور مدار الأثر المترتب على النقل لجهة انزياح الكلام الإلهي عن مقصوده حتى ليوشك في المطاف الأخير الا يكون للكلام الإلهي صلة وصلٍ بمقصود المتكلم.
2- بين إمكان النقل الترجمي واستحالته
مع ان الترجمة كمنجز حضاري حاصلة منذ وقت بعيد، وأن مفاعيلها وصورها وآثارها المعرفية وجلية في تواصل المجموعة الإنسانية وتعارفها، فلا يزال السؤال يُطرح عما إذا كانت الترجمة عموماً، وترجمة كلمات الوحي على وجه الخصوص.
مرجع هذه المفارقة إلى جدلٍ لم ينته حول ما إذا كان النص المترجم هو نفسه النص الأصل. ثمة تشكيك بأن ينجو النص من الأذى وهو يترنَّح بين لغتين لكل منهما عالمها المخصوص. يظهر ذلك في حقل الأدب والشعر، مثلما يظهر على الخصوص في حقول الفلسفة والتصوُّف والنصوص المقدسة. كثيرون من الباحثين وجدوا أن تاريخ التدوين هو نفسه في العمق تاريخ الترجمة. وهذه القاعدة تسري بنفسها على مجمل العلوم الإنسانية التي تبادلتها الحضارات المختلفة من الفلسفة الى اللاهوت الى العلوم البحتة. قد تكتسي الترجمة مظهر الشرح والتعليق كما هو الشأن عند ابن رشد. وعلى سبيل المثال فإنك حين تدرس أرسطو فذلك يعني إنك تشرحه. ثم تحوِّله من لغة الى لغة، ومن خطاب الى خطاب. وهذا التحويل هو ما كان يوفر للفلسفة حيويتها ونشاطها. والذين يقولون بهذا الرأي يعتقدون ان الترجمة تنفخ الحياة في النصوص وتنقلها من ثقافة الى أخرى. والنص – برأيهم – لا يحيا إلا لأنه قابل للترجمة، أو انه غير قابل لذلك في الوقت ذاته. فالترجمة ككل كتابة، هي فعالية وتحويل وإعادة إنتاج. ذلك أن ترجمة نصٍّ ما تعني تحويله وتوليده. فالنص لن يموت، ولن يُلغى إلا إذا لم يعد قادراً على الإنتاج. إلا إذا لم يعد يطرح أسئلة. وفي هذه الحالة فإنه لا يعود مستحيل الترجمة وحسب، وإنما لا يُفكَّر فيه وبه، ولا يُتداول، ولا يؤوَّل، ولا يُقرأ، ولا يعود نصَّاً[10].
مع هذه القراءة التي تجد في التراث العربي الإسلامي ما يبرِّرُها سنلاحظ أن الترجمة تمر بمراحل متداخلة ومتناسجة فيما بينها. فهي كما يقال، نَسْخٌ وإلغاءٌ واستمرار. إنها نقلٌ للنصوص، وتحويل لها. وهي أيضاً تحويل للغتين معاً: اللغة المترجِمَة واللغة المترجَمَة. ولعل هذا ما قصده الجاحظ في قوله «متى وجدنا الترجمان قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضَّيْمَ عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها وتعترض عليها[11]. وثمة من مضى ليؤكد الضَّيم الذي أشارت إليه مقالة الجاحظ، ليبيِّن ان اللغة المترجِمَةَ لا تخون اللغة المترجَمَةَ فحسب، وإنما تخون ذاتها أيضاً. يضيف: لولا هذه الخيانة المزدوجة لما كانت هناك ترجمة، بل لما كانت هناك كتابة[12].
لقد اشتغلت الفلسفة الغربية على المهمة الترجمية بوصفها قضية إشكالية في غاية التعقيد. ثم مضت بعيداً في الاجتهاد لعلها تجد حلولاً لها. فيلسوف اللغة المعاصر اندريو بنجامين له مذهب في الترجمة أقامه على ضربين مفهوميين هما: مفهوم الكلمة ومفهوم الاستعمال.
– مفهوم الكلمة: ينظر “بنجامين» الى “الكلمة” بوصفها مفهوماً عاماً يندرج تحته كل ضربٍ من ضروب القول، لفظاً أو جملة أو نصاً. وهو من أخصِّ صفات هذا المفهوم، انه محل تعدد الاختلاف أو التنازع الدلالي. وتوضيح ذلك، أن الإحالة التي تجمع بين الكلمة والشيء الخارجي الذي تطلق عليه، لا تستغرق كل إمكانات الكلمة الدلالية، بل تقوم فيها الى جانب هذه الإحالة دلالات إضافية مختلفة. فتكون قدرتها الدلالية مجاوزة لوظيفتها الإحالية. ويرجع السبب في ذلك، إلى أن الكلمة لا تدل على معناها الإحالي دلالة مطلقة، وإنما تنطوي على إمكان ظهور معانٍ أخرى فيها تُنازِعُ هذا المعنى محله، وتشكُّل معه تعدداً دلالياً لا يستند إلى معنى أصلي بعينه، أو قل تشكل معه تعدداً بدون أصل.
2- أما مفهوم الاستعمال: فهو عبارة عن اللحظة التي يتم فيها تحصيل معنى مخصوص. كما إذا فهم المرء، مثلاً، القول المُلقى به إليه أثناء التواصل. وقد استخدم بنجامين للدلالة على هذا المفهوم لفظاً اقتبسه من اليونانية. وهو «براغما». والذي يفيد في هذا اللسان معنى الشيء باعتبار حصوله عن طريق الممارسة. وإذا كان «الاستعمال» هو الظفر بمعنى مخصوص في سياق خطابي ما، فإن هذا المدلول يتميَّز عن مدلول «الكلمة» تميز الخاص عن العام. فالاستعمال هو بمنزلة المعنى المتحقق من المعاني الممكنة التي تحتملها الكلمة. وعلى هذا يكون الاستعمال حاملاً للمدلول الوجودي والزماني الذي تختص به لحظة تحقق المعنى[13].
غير أن صفة هذا المعنى التحقيقية، وإن صرفت غيره من المعاني، تبقى دالة على هذه المعاني على جهة الإمكان، فيكون المعنى المتحقق والحاضر حضوراً فعلياً، ومحفوفاً بمعان مهملة وحاضرة حضوراً ممكناً، او بتعبير بنجامين، حضوراً بدئياً. على أساس هذا التجديد في المفهومين: (الكلمة والاستعمال) سعى بنجامين الى إيجاد حل للتعارض بين الفلسفة والترجمة. فقد تمكن، بفضل مفهوم الكلمة، من بيان كيف ان لفظ «الترجمة» لا يدل على فعل واحد أو معنى واحد. وإنما يدل على أفعالٍ ومعانِ متعددة. ثم ان يبيّن كذلك كيف ان لفظ «الفلسفة» هو أيضاً محلٌ للتعدد الدلالي والتأويلي. بل انه ذهب الى ابعد من هذا وذاك، ليجعل الجامع بين الفلسفة والترجمة وهو مبدأ الاختلاف، محلاً لهذا التعدد ذاته. ثم استفاد من مفهوم الاستعمال ليجعل لكل واحد من عناصر «الترجمة» و«الفلسفة» و«الاختلاف»، وجهاً مخصوصاً يخرج به من مقام التحديد الإمكاني إلى مقام التحديد التحقُّقي، الذي لا ينافيه منافاة مطلقة[14].
3- هيرمينوطيقا ترجمة النص المقدس
تلقاء الكلام الإلهي نجدنا أمام مهمة هيرمينوطيقية مركبة. تأويل ضمن حقل النقل والترجمة، وتأويل في مقام فهم الكلام الإلهي والتعرّف الى مراتبه وبطونه. ولقد مرَّ معنا ان بين التأويلين لقاء ومفارقة في الآن عينه. فهما يلتقيان على تظهير النص الإلهي قصد إفهامه للمخاطب، ويفترقان في تقنيات التظهير ومدارج الإفهام.
تأويل الترجمة هو إجراء إضطراري تحتِّمه وظيفة المترجم حين يفترض عليه واجبُه الديني القيام به. كأن ينقل النص الى لسان حضارة أخرى لأمر يعود الى ضرورات عقدية أو إيديولوجية أو حضارية. بهذا لا يستطيع المترجم مهما بلغت أمانته وقدرته على تفهيم مقاصد الكلمات على الإتيان بما يركن إليه النص المقدس وما يمتلئ به من أسرار. أما تأويل التعرُّف فيقصد تقريب ما هو بعيد عبر متاخمة منطقة السر التي ينطوي عليها النص. بمثل هذا الضرب من التأويل يتحرر المؤوِّل من الرسوم الوظائفي للتفسير مثلما يتحرر النص القدسي من قيود التلقي الأول ويشرعه على وعود لا متناهية من الفهم.
وبقطع النظر عما لو يقدر المتعرِّف متاخمة الطبقات القصية للآيات، فإنه حالما يفتح باب التأوُّل يروح يختبرها بالمحاورة والمساءلة والرجاء. ومثل هذا الاختبار يسري على كل مؤوِّل وان تكاثر المؤوُّلون ونظروا بأعين متعددة إلى نص واحد. ذاك ما أعرب عنه إبن كلاب لما رأى أن كلام الله واحد، ولكنه حين يخرج الى الفضاء الزماني والمكاني يتخذ أشكالاً مختلفة ويتجلّى في نصوص متعددة.
لم ينأ المنجز الهيرمينوطيقي في الغرب عن إدراك الوجه الميتافيزيقي للترجمة. بل هو سعى من خلال عدد من كبار التأويليين مثل”بنيامين” و”و”بيرمان” و”غادامر” و”هايدغر” وسواهم، إلى إثبات هذا التوجه للترجمة. لاسيما في ميدان النصوص المقدسة. كان بيرمان مثلاً موافقاً لـ “بنيامين” في الجمع بين ما يسميه “الخلوص اللغوي” و “الخلاص الديني ” في حين لم يغب عنه ضرورة حفظ ما قضت به الإرادة الإلهية من تعدد اللغات[15]. هذا فضلاً عن أنه كان يعتنق اتجاهاً في الترجمة يضفي على النصوص الأصلية قداسة، هي أشبه ما تكون بالقداسة التي تُخلع عادة على النصوص الدينية، كما أنه كان يجد في بعض ترجمات هذه النصوص نماذج مثلى للترجمة الحقيقية، وأحداثاً فاصلة في مسار العمل الترجمي، إن تأسيساً له أو اعترافاً به، أو تغييراً له[16]. ولا عجب في القول تبعاً لهذا التأويل، بأن للترجمة دوراً دينياً في التاريخ[17].
ومثلما رأى بيرمان إلى الوجه الميتافيزيقي لترجمة النص الديني، كذلك ذهب مارتن هايدغر ولكن على طريقته، في الفضاء التأويلي نفسه. فهو وإن لم ينشغل صراحة بالأصل البابلي للترجمة، ولا بالمقصد التخليصي التوراتي لها، فقد أورد إشكالاتها في سياق من المفاهيم التي لا يمكن الشك في نسبتها إلى المصطلحات المتداولة في المجال الصوفي. ولا يبعد أن يكون قد استأنس بها خلال الفترة الدراسية الأولى التي قضاها في تحصيل اللاّهوتيات المسيحية[18].
من هذه المفاهيم الصوفية يذكر قرّاء هايدغر طائفة منها وردت في كتاباته و هي: الفهم، والتأويل، والانكشاف، والتجلي، والغفلة، والنسيان، والحضور، والورود، والوهب، والإمداد، والإلقاء،والسمع. ولما كانت هذه المفاهيم تشكل جزءاً من الجهاز التصوري الذي توسل به هايدغر في إنشاء فلسفته الوجودية، فقد شاركت الفلسفة الترجمة عنده في الانبناء على مجموعة من المعاني التي لا يمكن أن يثمرها النمط العقلاني التجريدي، وإنما تثمرها شدة الاستغراق في التربية الروحية للدين. لقد كان هايدغر من أولئك الذين اقتبسوا ما شاؤوا من مقولات تناهض العقل التجريدي، ثم اُلبسها لباس التأمل الفلسفي. وحسبنا شاهداً على ذلك، ما بذله هايدغر من جهد في زعزعة المقولة التي ظلت الفلسفة تتحدد بها منذ نشأتها، حتى صارت تستعمل بدلها، وهي: النظر” حيث استبدلت بمقولة “السمع” : وهي المقولة التي اختصت المعرفة الدينية باعتمادها في فهم الحقائق الغيبية. حيث أصبح المتفلسف، بعد أن كان مستغرقاً في النظر، مدعواً إلى الاستماع إلى ما يقال في اللغة، كما كان المتديَّن يستمع إلى ما يتنزَّل من الوحي[19].
لقد بلغت هيرمينوطيقا بعد الحداثة ذروة الجمع بين القيمة المعنوية الوجدانية للإيمان الديني، والقيمة اللفظية لممارسة الإيمان. وسنجد التظهير الأكثر جلاء لمثل هذا الجمع من خلال التعامل مع الكتاب المقدس. فإذا كان غادامير شديد الوعي بمدلول التصور التوراتي لاختلاط الألسنة الإنسانية، فإن الذي استوقفه طويلا ً هو حدث التخليص الإنجيلي الذي تمثَّل في قصة التجسيد وتبلور في معتقد التثليث[20] فلقد أراد أن يبيَّن كيف أن التأويل (أو الفكر) الذي تنبني عليه الترجمة أساساً لا ينفك أبداً عن اللغة، فا نبرى لتاريخ الفكر الغربي يبحث فيه عن السند الذي يقوَّي به دعواه.
وهكذا لم يجد غادامير – على ما يلاحظ بعض قرأته- إلا المبحث الديني المسيحي الذي دار على مسألة التجسيد الإلهي، ذلك أن هذا المبحث ربط بين هذه المسألة ومسألة الكلام. فضلاً عن أن فعل التجسيد الإلهي شبيه بفعل الالتحام بين الفكر واللغة. ولنسمَّه ” التجسيد اللفظي”[21].
على هذا التأسيس المعرفي أمكن قيام الشَّبه بين التجسيد الإلهي والتجسيد اللفظي. فكما أن الإله في التجسيد الأول لا يحمل صورة الإنسان فقط، مع بقائه على أصل الإلوهية،فكذلك الفكر في التجسيد الثاني، فإنه لا يلبس لباس اللغة فقط مع بقائه على أصل التجريد، وإنما يصير أيضاً، كلاماً حقاً بمقتضى دلالته على الشيء ذاته[22].
العهد الجديد مثالاً
ما الذي يستفاد مما مرّ الكلام عليه حيال ترجمة القول الإلهي في معرض الكلام على العهد الجديد من الكتاب المقدس؟
يذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلم بها رسول الله عيسى عليه السلام هي “الآرامية” التي كانت منتشرة في فلسطين في عهده، فتكون هي اللغة التي نزل بها الإنجيل، في حين أن نصوص الإنجيل الأربعة المشهورة والمنسوبة إلى “متى” و “يوحنا” و “مرقس” و”لوقا” وردت باللغة اليونانية، فتكون عملية الترجمة قد تلقفت الإنجيل ولما يمض على نزوله قرن من الزمن؛ لكن هذه النقول الأربعة أقيمت مقام الأصل الآرامي المنزَّل، بل اعُتمدت كأصول حقيقية من وضع هؤلاء القديسين وأُطلق عليها اسم “الأناجيل الأربعة”. وهي الأناجيل التي نقلتها الكنيسة المسيحية على مرّ القرون نقلها إلى اللغات الأوروبية، ثم إلى اللغات الإفريقية واللغات الآسيوية. ذلك على الرغم من أن بعض الألسنة لم تستكمل بيانها أو تبسط نفوذها إلا بفضل هذه الترجمات؛ فهذا اللسان الألماني مثلاً، قد استفاد أيمّا استفادة من ترجمة ” لوثر” للإنجيل في ترسيخ قواعده وتوسيع آدابه؛ ولما كان منطق الترجمة هو الاشتغال بنقل الأناجيل اشتغالا “متواصلا” فقد اتصف في بعض أطواره بصفة التوجيه المحكم والتنسيق الشامل. ولذا فلا غرو أن تصير الترجمة الإنجيلية هي النموذج الأمثل الذي يحتذيه عموم النقلة في مختلف دوائر المعرفة الإنسانية، كما أنه لا غرو أن يستمد التصور الشائع عن العمل الترجمي أسبابه وأوصافه من هذه الممارسة المسيحية للترجمة[23]. وبناء على هذا التصور الديني للترجمة جرى استنتاج الافتراضين الآتيين:
أولاً فرضية ممارسة الدعوة وهي فرضية تنزل ممارسة الترجمة في هذا التصور منزلة ممارسة “الدعوة”؛ ذلك أن ترجمة الأناجيل اقترنت بإرادة الكنيسة الراسخة في نشر تعاليم المسيحية بين الشعوب، وفي حمل أفرادها على اعتناق هذه التعاليم، فيكون العمل الترجمي الكَنسَي غير منفك عن مبدأ الدعوة إلى المسيحية[24].
ثانياً فرضية وساطة المترجم وهي فرضية تقوم في هذا التصوّر على إنزال المترجم منزلة “الوسيط”؛ هذا مع العلم إن واجب الوسيط في المجال الديني – كما هو شأن النبي – أن يُبلغ ما يحمله تبليغاً أميناً لا تبديل فيه ولا تحريف،حتى يعلم المبلَّغ إليه بحقيقة رسالته، فينهض إلى التصديق بها والعمل بها على الوجه المطلوب ؛ فلما كان غرض مترجم الإنجيل أن يتبع نفس الطريق في التبليغ، فإنه يقيم نفسه مقام الوسيط بين المتكلم الإلهي والمكلف الإنساني (….) ولكن حال المترجم، بوصفه وسيطا، هو أدنى إلى آلة جامدة يتوسل بها المؤلف ليوصّل مقصوده إلى المخاطب الذي لا يتكلم هذا المؤلف لغته، كما يستعملها المخاطب ليحصّل هذا المقصود الذي لا سبيل له إليه إلا بهذه الوسيلة ؛ فالوسيط هي الواسطة التي تجردت من حقوقها وقامت بحقوق غيرها[25].
4- هيرمينوطيقا النص القرآني وخصوصيته
- من النقل الى الفهم
اذا كانت مهمة الهيرمينوطيقا تصيير البعيد عن الفهم قريباً لطالب الفهم، فليس هدف الهيرمينوطيقي بالأساس استيعاب العالم الكامن خلف النص، وإنما هو الانفتاح على عالم الإمكانيات التي يختزنها النص بما يتيح له استكشاف طبقاته المجهولة. لكن عملية الإستيلاء على العوالم الممكنة تستدعي تمثّل النص ومحاورته من داخل. وهذه مهمة تحتاج الى درجة من المجهود التأويلي يصل فيها المؤوِّل الى النقطة التي تمَّحي فيها المسافة بين المؤوِّل الناظر في النص، والنص المنظور إليه من طرف المؤوِّل. وما ذاك إلا لأن المؤول متضمَّنٌ هو نفسه في العملية التأويلية.
متى اتصل الأمر بترجمة القرآن الكريم، قد نمسي على منقلب آخر تصير معها الترجمة نفسها واقعاً هيرمينوطيقياً. فالمترجم في مقام اشتغاله على نقل الآيات يجد نفسه في مواجهة تحديّين متلازمين: تحدي النقل والتحويل، وتحدي الفهم والتأويل في آن. وذاك بلا ريب، امرٌ مستصعب، ومهمة شاقة في التحديَّين معاً، فلا يحسنُهُما على وجه الإجمال إلا من كان على دراية بثلاثة علوم:
1-علم بالعربية: اللغة التي نزل بها القرآن الكريم على قلب النبي(ص)
2-علم باللسان المنقول إليه. أي الى غير لسان العرب: ذلك بأن مهمة المترجم أن يُعِدَّ للنص المترجَمِ ما وَسِعَتـْه قدرتُهُ من إحاطة بقواعد اللغة، في نحوها، وصرفها، وبناءاتها، وتراكيبها.
3-علم بنوع النص: ومقتضاه ان يكون المترجمُ فاهماً محتوى النص ومقصده. وهذا المقتضى هو من الشرائط الأولية التي ينبغي على المترجم حيازتها. فالمترجم العارف بالفلسفة – على سبيل المثال – يقدر على مقاربة النص الفلسفي أكثر مما يقدر عليه آخرون ممن لا ذائقة لهم بهذا الفن. كذلك الأمر ما يعني الشعر او النثر، أو أؤثر الصوفي على سبيل المثال. حيث لا يفلح المترجم ها هنا بلوغ تراكيبها الرمزية ما لم يكن قد ألِف لغتها ووقف على أسرارها.
مع تحدي الفهم تصَّاعد مستويات البذل وتنفتح آفاق أخرى تتعدى التقليد المدرسي لتتمدد نحو اللامتناهي الذي يختزنه الخطاب الإلهي. فهذا الخطاب بما هو خطاب تقديسي ينطلق من المطلق بوصفه ركيزة مهمة تؤسس معايير القيمة التي ينطوي عليها النص من جهة، ومعايير تلقي هذا النص من جهة ثانية. لذا ذهب الباقلاني الى ان الله تعالى جعل عجز الخلق عن الإتيان يمثل القرآن دليلاً على انه منه، وجليلاً أساساً على وحدانيته”.[26] ثم يمضي الى ما هو أبعد ليبيِّن أن فهم الكلامي الإلهي يتجاوز حدود الوعي اللساني ليصل الى تمثُّل هذا الكلام من خلال قبوله والإقبال إليه. “فمن كانت بصيرته أقوى ومعرفته أبلغ كان الى القبول منه أسبق ومن اشتبه عليه وجه الإعجاز. او خفي عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات كان أبطأ الى القبول حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته وترافدت عليه مواده.[27] لذا فإن المتناهي في الفصاحة من سمع القرآن عرف انه معجز لأنه يعرف من حال نفسه انه لا يقدر عليه.فما الذي نعنيه إذاً بالفهم؟…
لقد استخدمت التفاسير والمصادر القرآنية مصطلح الفهم بكثرة، وكان الكلام يدور تارة على فهم الآيات القرآنية، واخرى على قواعد الفهم وشروطه. ذهب بعضهم الى أن الفهم يعدَّ نوعاً من أنواع الإدراك مثله مثل الظن، والشعور، والذكر، والعرفان، الخ… وذهب آخرون الى انه يعني الألفة مع الشيء، فتقع به المعرفة بالقلب، ولذا فهو تصور عميق للمعنى من لفظ المخاطب عند السماع أو الإشارة، وقيل إنه “إدراك خفي دقيق، ولذا فهو أخص من العلم، لذا لا يصح ان يوصف به الله تعالى؛ لأن الإدراك في الفهم متفاوت”.
- في ما يتصل بإمكان فهم آيات الوحي، نجدنا حيال رؤى واجتهادات شتى، منها:
أولاً–ان فهم آيات القرآن وقفٌ على “من خُوطِبَ به” وأما غيرهم فلا يقدرون على فهمها.
ثانياً – تأسيساً على تقسيم الآيات إلى صنفين: متشابهة ومحكمة، يرى مفسرون ان الآيات المحكمة قابلة للفهم لجميع المسلمين، أما الآيات المتشابهة فهي عند أصحاب هذا المنحى، ليست كالمحكمة في يسر فهمها. ذلك بأنها تُحمل على مراتب أهمها: أ – الآيات المتيسّر فهمها للجميع – ب- الآيات التي يتعذّر على الجميع فهمها.
ثالثاً –أن جميع الآيات، محكمها ومتشابهها، ممكنة الفهم كما يعتقد كثيرون، ولا توجد أية قرآنية يستعصي فهمها. ومما يبينه علماء التفسير من المعاصرين انه “ليس بين آيات القرآن (وهي بضعة آلاف آية) آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها، بحيث يتحيَّر الذهن في فهم معناها. القرآنية العربية أفصح الكلام، ومن شرط الفصاحة خلوّ الكلام عن الإغلاق والتعقيد، حتى ان الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة، وغيرها، هي في غاية الوضوح من جهة المفهوم”.
وقد استندت هذه الفئة، إثباتاً لرأيها، الى العقل والنقل، ورأت أن عدم فهم القرآن يتناقض وصفاته، ومنها كونه “هدى” و”نور” و”مبين”، وعدت الآية الآتية بأنها تبرهن إمكانية فهم جميع الآيات” {فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا}(سورة النساء، 82).
يقسم كثير من المفسرين والباحثين فهم القرآن، الى نوعين: فهم عادي عرفي، وفهم عالمٌ واعٍ. ويرى هؤلاء ان بعض المعارف الإلهية التي نزلت على قلب النبي(ص) في قالب لفظي هي خارج نطاق الحس والتجربة، والمادة، ومن ثم فإن فهم عامة الناس لها لا يتجاوز الحالة السطحية المادية، بحيث يفهمون الآيات بما لا ينسجم مع الإرادة الإلهية. في مقابل هذه الكثرة ثمة من يفهم الآيات وفق مبانٍ محددة، وشروط خاصة. على سبيل المثال، هناك تباين كبير بين الفهمين في شآن الآية الكريمة {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(سورة الفتح، الآية10) والآية {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (سورة طه، الآية5)، حيث يؤمن المشبِّهة وسواهم من علماء التفسير أن ظاهر الآية حجة، ولا داعي لمعرفة مرتكزات التفسير وشروطه، والأخذ بالاعتبار القرائن المقامية والكلامية، سواء كانت هذه القرائن متصلة بالجملة، أم منفصلة عنها. لكن هناك من العلماء من يرد على هذه الحجة فيعتبر أن: “هذه القرائن – كالآية التي تفسر الآية الأخرى – وهي ذات تأثير كبير في بلورة الظاهر، خصوصاً وأن الكلام الإلهي يصدُق بعضه بعضاً، ويسنُد بعضه بعضاً.
ثم ينتهي هؤلاء الى تقسيم الفهم الى عادي وغير عادي، ويرون ان الفهم العادي يحجزنا عن الوصول الى القصد الإلهي: “إن الاتكاء والاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها ويختل به أمر الفهم، كقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}(سورة الشورى، الآية11)، وهذا هو الذي دفع الناس الى أن لا يقتصروا على الفهم العادي، والمصداق المأنوس به في الذهن في فهم معاني الآيات”[28].
ب- ليس للفهم نهاية
يلاحظ، في مؤلفات عدد من الباحثين، “انهم عدوا التفسير – وهنا بمعنى التأويل – مفتاحاً لفهم الآيات: “فالتفسير عندهم كشف المغلق من المراد بلفظه”، وعلى ما يرى الزركشي أن التفسير هو الباب الذي يفضي الى الفهم: “ومن ادعى فهم أسرار القرآن، ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادعى البلوغ الى صدر البيت قبل تجاوز الباب، فظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم”[29].
يشير الزرقاني، في فصل “فضل القرآن والحاجة اليه”[30]، إلى أن العمل بتعاليم القرآن يكون بفهمه، وفهمه منوط بتفسيره: يضيف: ” ان العمل بهذه التعاليم لا يكون إلا بعد فهم القرآن وتدبره والوقوف على ما حوى من نصح ورشد، والإلهام بمبادئه عن طريق تلك القوة الهائلة التي يحملها أسلوبه البارع المعجز، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان لما تدل عليه ألفاظ القرآن، وهو ما نسميه بعلم التفسير”[31].
والقصد كما يعتقد المفسرون بأن هو أن للمعنى الواحد مراتب وطبقات كثيرة، قد تصل حسب بعض الروايات الى سبع او سبعين مرتبة، وبوسع المخاطب ان يخوض غمار هذه المراتب مع الالتزام بضوابط التفسير وشروطه والمعايير المتبعة فيه، فللآيات القرآنية معان كثيرة يمكن اكتشاف بالمزيد منها مع تطور الانسان في المجالات المختلفة، غاية ما هناك ان هذه المعاني المعروف منها، وغير المعروف، يقع بعضها في طول بعض، وليست عرضية، وإلا لوجب إهمال تلك المعاني التي لا تنسجم مع غيرها ومع القصد الإلهي بحكحم عرضيتها وتقاطعها.
وبحكم إعادة الترتيب اتخذ الكتاب وحدته العضوية، وهذه إحدى أهم معجزات القرآن. إذ النص واحد لا يتغير ولا يتبدل وتختلف قراءته تبعاً للتركيب في تطور العقل البشري، فلكل حالة عقلية تاريخية إسقاطاتها الذهنية الخاصة بها على القرآن تبعا لمبادئها العقلية وأشكال تصورها للوجود. أما النص فهو ثابت ليس على مستوى الكلمة فقط ولكن أيضاً على مستوى الحرف.فالقرآن في بنائيته الحرفية – كما يلاحظ عدد من الباحثين – يماثل البنائية الكونية بحيث إذا تفلت نجم عن موقعه اختل النظام الكوني كله، ولهذا قابل الله بين البنائية الحرفية للقرآن و(موقع) النجوم، فلم يقسم – سبحانه – بالنجم ولكنه أقسم بمواقعها في سياق تعريفه بخصائص القرآن البنائية: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ* لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ* تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة 75 – 80)[32].
فليس من أحد يستطيع ضبط الصياغة القرآنية على مستوى الحرف المماثل لصياغة الكون غير الله. فلكل حرف وظيفته (الألسنة البنيوية) في الإنشاء القرآني الذي ليس هو مجرد بلاغة فقط. فالاستخدام الإلهي للمادة اللغوية ولأي مادة في الكون يختلف نوعياً عن الاستخدام البشري مع وحدة خصائص المادة. فحين يستخدم الله اللغة العربية في التنزيل فإنه يستخدمها وفق مستوى إلهي يقوم على الإحكام المطلق. فلا يكون في القرآن مترادفات توظيفا ضمن جناس وطباق، إذ تتحول الكلمة ضمن الاستخدام الإلهي إلى (مصطلح دلالي) متناهي الدقة ( فلا أقسم بمواقع النجوم* وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)(الواقعة 75-76). فلكل كلمة في القرآن دلالتها المفهومية المميزة، وذلك خلافا للاستخدام البشري البلاغي العفوي لمفردات اللغة، فلا يورد القرآن (مس) بمعنى (لمس) إطلاقاً، ولهذا حين قال الله( لا يمسه إلا المطهرون) فقد قصد (النفس) الطاهرة وليس (البدن)، فالبدن (يلامس) النساء:(أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) (النساء 7)، وكذلك (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم )(الأنعام 7)، أما (المس) فيتجه إلى المعرفة والإدراك والإحساس والشعور:(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)(الأعراف 120 ).وكذلك (إن تمسسكم حسنة تسؤهم)(آل عمران 120). فمُّس القرآن يعني إدراكه والشعور به. وهو مس لا يأتي إلا للمطَّهرين نفساً وليس للمتطهرين بدناً فقط، فعلوم القرآن المكنونة لا تتكشف للسارق والقاتل والزاني والمنتفع بها في أغراض الدنيا، وقد صيغت هذه الآية في إطار الربط بين الكرم والمكنون والطهر. فالكرم يعني العطاء، فإذا انقطع القرآن عن العطاء لم يكن كريماً، والعطاء يرتبط بتكشف المكنون، فما كان متكشفاً في السابق فهو موروث، وليس عطاءً جديداً يضفي على القرآن صفة الكرم، ثم أن هذا العطاء يكون لنفس طاهرة[33].
وليس للنفوس الطاهرة مواصفات (فوق طبيعية) كما يفترض البعض وإن تفاوتت درجاتها العبادية، إذ تشمل هذه النفوس أولئك الذين لا يعانون كثيراً مراتب الارتقاء الديني عبادة، وتشمل متوسطي الارتقاء، وأعظمهم عند الله هو السابق:(والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير)(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه،ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير)(فاطر 31-32).
إذن فالقرآن ممنهج بالاستخدام الإلهي لمفردات اللغة العربية على مستوى الاصطلاح الدقيق، منزل على مستوى الحرف، ومن هنا يذهب باحثون إلى نفي شبهة تنزله على سبعة أحرف من لغة مختلف القبائل العربية. وغاية ما نستطيع قوله إنه ما كان من عنعنة وكشكشة في لغة بعض القبائل قرأت بها القرآن لا علاقة له بحرف التنزيل، وإنما هي قراءات هم قرأوا بها بما يتيسر في لسانهم؛ أما ما جاء من إعراب وتشكيل في عصر التدوين من بعد اللغة فحكمُه إلى المنهج المحيط بالشرعة [34].
لهذا يتطلب العلم القرآني قاموساً (ألسنياً معرفياً) يستند في تحديد دلالات ألفاظ القرآن المنهجية والمعرفية إلى نظرية ( العائد ) المعرفي، أو المرجع، أو الوسيط، فهناك ثلاثة أمور في عملية توصيل دلالات المفردة. فهناك الكلمة، وهناك الأمر الذي تشير إليه، وهناك التصور العقلي المشكل عن هذا الأمر في الذهن وذلك خلافا للتصور التقليدي لفقه اللغة والمعاني. فخصائص اللغة غالباً ما تأتي مرتبطة بخصائص الأمة التي تتكلمها من زاوية الوسيط الذهني للتصور، فكل أمة تتكلم كما تفكر، ونحن نعلم بأن لغة القرآن هي الوسيط الذهني للتصور، فكل أمة تتكلم كما تفكر ونحن نعلم بأن لغة القرآن لغة عربية وقد ورد المعنى بذلك في (11) آية من الآيات الكريمة ( لسانا عربياً – حكماً عربياً)، غير أن اللغة ليست مجرد كلمات دالة على مسمى دون وسيط مشكَّل للتصور..
6- هيرمينوطيقا الوحي في الحكمة المتعالية
يمثل التأويل عند الفيلسوف الإلهي صدر الدين الشيرازي المعروف بملا صدرا عملية معرفية متكاملة لها أهميتها الخاصة لجمعها بين البرهان والقرآن والعرفان، حيث يأخذ التأويل تبعاً لهذا الجمع معنى الكشف عن مراتب المعنى وبواطنه[35].
ولكي لا يشتبه الحال على المأخوذ بتعبير الباطن، يرفض صدرا بشدة مصطلح التأويل المشبه بالباطنية، ويؤكد على التفسير بما له من المعنى الشامل للتأويل، ووفق طريقة الراسخين في العلم الذين خصهم الله تعالى بالتأويل. وهذه طريقة تحفظ الظاهر بقدر ما تعتني بالباطن. فتأويل الشريعة يعني أسرار العبادات، وتأويل الطريقة يعني أسرار النفس، وتأويل الحقيقة يعني أسرار الوجود. لا يبتعد صدر الدين الشيرازي في مسلكه التأويلي عن مذاق أهل المكاشفة؛ بل يتابعهم في مقولة الظاهر والباطن، ليرى ان للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطوناً سبعة هي مراتب المعنى القرآني الذي يتصاعد من المعنى الظاهر الى المعنى المتخيل بالحواس الباطنية ثم الى المعنى العقلي المجرد ثم الى المعنى الأمري الذي هو عالم الروح. وهذان المعنيان الأخيران هما من عالم الآخرة، حيث يرى الشيرازي أن لكل منهما درجات ومراتب ومنازل ومقامات تتجاوز حدود العقل فضلاً عن الحس، وهي معانٍ لا يدركها الا الاوحدي من الأنبياء والأولياء، أما لو تصاعدنا في المعنى فسنجد مرتبة فوق كل هذه المراتب لا يدركها أحد حتى الأنبياء إلا إذا فنوا عن العوالم وتجردوا عن النشآت وبلغوا مقام الوحدة.
على ان ما يرمي إليه الشيرازي من مقولة البطون، التي تتجاوز السبعة في الواقع الى ما شاء الله تعالى، هو الاشارة الى تكثر المعنى القرآني كثرة لا تقف عند حد لأنها كلمات الحق تعالى التي لا تنفذ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}(الكهف، 109).
فهم الكلام الإلهي وفق التأويلية الصدرائية ليس مجرد مرتبة مدرجة ضمن الهندسة المعرفية لمراتب الحكمة المتعالية. انه، بحسبها، كل المراتب بوصف كونه حاضراً فيها، محيطاً بها عميق الإحاطة. وهو في الآن نفسه مفيضاً عليها الوجود والعلم والتسديد. والى هذا فإنه لا يغادر أي منها الا لكي ينشيء لها ظلاً وجودياً في القرآن. فالقرآن يتسع للمراتب الوجودية كلها. وضمن هذه الدّالة فهو جامع الوجود. كما في الآية «ما لهذا القرآن لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»- الكهف، 49 (.
أ- اللطف الإلهي كمصدر للفهم
المفارقة البيِّنة أن صدر المتألهين ما كان ليملك اجتياز المصالحة بين الميتافيزيقا والشريعة بغير القرآن. كان عليه لكي يستيسر عبور ضفتي التضاد هذه، أن يغيِّر خط الانطلاق. كأن يبتديء أسفاره العقلية ﺒ “سَيْريَّة تفكير” تفارق سابقيه ومعاصريه من المشّاء والصوفية واتباع شيخ الإشراق. فإنه بدل ان يبدأ من «الأنا الفلسفي» المحض الذي سيوصله الى التهلكة، يبدأ بـ «الهو» المتعالي أي الله أحد. ذلك بأن كل نظر يحضر في سماء الحكمة المتعالية، ينبغي له أن يعتصم بالقول الإلهي ويتسدد به ثم ليعود إليه عند كل ظلمة تصيبه في وعثاء السفر. فلو جئنا الى سورة التوحيد (الإخلاص) (قل هو) لوجدنا الأمرية الالهية بالتوحيد الخالص. ذلك ان شرط التوحيد، حاصل بإقامة الحد على أنانية الأنا، وإلا وقع الشرك. مبتدأ العبور من الثنوية الى الأحدية، ومن التكثير الى التوحيد بهاتين المفردتين الأمريتين. فإنهما تقتضيان صيغة الأمر. أي: لا تقل أنا «قل هو»؛ نفي وإثبات. بذلك يكون فعل الأمر جعلاً إلهياً مقضيَّاً بالتوحيد. والآيات الواردة في توحيده كثيرة منها قوله: «لا تدع مع الله إلهاً آخر لا اله الاّ هو» – القصص- الآية 88-. وقوله «قل إنما يوحى اليَّ «أنَّما إلهكم إله واحد»- الأنبياء- الآية 108- وقوله «لاتتخذوا إلهين اثنين انما هو إله واحد –النحل- الآية51.
واذاً، محوُ «الأنا» تشكل أصل العلاقة ومتبدأ كل تأويل للآيات. ربما ادرك ملاصدرا من خلال مكابداته الاستدلالية والكشفية ان حضور «الأنا» في حكمته المتعالية لا يفضي إلا الى توليد الحُجُب. وإذاك تؤبَّد الجاهلية، وينأى الفؤاد من رؤية المقصود من القرآن.
لكن السير بالآيات لدى صدر المتألهين سوف يمضي به الى حدوده القصوى لكي ينجز علياء المحو. ولعل رحلته العقلية المديدة في الأسفار الأربعة، هي التي ستفتح له على فضاءات التأويل المتعالي. وفي «المظاهر الإلهية» و«مفاتيح الغيب» و«الشواهد الربوبية» وهي المنجزات المعرفية المشهودة، سوف نجد ظهورات مسعاه على نحو جلي.
لقد سعى صاحب الحكمة المتعالية، وهو يفكك مذاهب المفسرين ، الى بيان حقيقة ان بقاء الأنا المفسِّرة علىعرشها الأرضي، سيؤدي الى انغراسها وسكونها، ثم الى يباسها في تربة الإحتجاب والجهل…
ب- تأويل الراسخين في العلم[36]
سيكون لنا مع المنجز الهيرمينوطيقي لصاحب الحكمة المتعالية منعطفاً بيِّناً في قراءة الوحي. هي تلك عرَّفها بـ”قراءة الراسخين في العلم”.
هداية
وفهم الكلام الإلهي عند هؤلاء الذين وصفهم الرسول(ص) بأنهم ليسوا بأنبياء ويغبطهم النبيون – ليس شرطه الظهور بكسوة الألفاظ والحروف ولا بتمثّل المتكلم بصورة شخصية، وإنما القاء معنوي الى قلب مستمع من الله مباشرة أو من وراء حجاب.
وكلامه تعالى – حسب ملاصدرا – ليس كما قالت الأشاعرة من أنه معانٍ نفسية قائمة بذاته تعالى، ولا كما ذهبت اليه المعتزلة من أنه خلق اصوات وحروف، دالَّة على المعاني في جسم من الاجسام، والا لكان كل كلام، كلام الله؛ بل ان حقيقة التكلم إنشاء كلمات تامَّات وإنزال آيات محكمات وأخر متشابهات في كسوة الألفاظ والعبارات. والكلام قرآن وهو العقل البسيط والعلم الاجمالي، وفرقان وهو المعقولات التفصيلية وهماً جميعاً غير الكتاب، لأنهما من عالم الأمر وعالم القضاء وحاملها اللوح المحفوظ. واما القلم والكتاب فهما من عالم الخلق والتقدير ومظهره عالم القدر الذهني والقدر العيني والأولان غير قابلين للنسخ والتبديل، لأنهما فوق الزمان بخلاف الثالث؛ لأنه موجود زماني ومحله لوح قدري نفساني هو لوح المحو والإثبات، والكتاب يدركه كل أحد وأما القرآن فـ “لا يمسُّه إلا المطهرون”[37].
في كتاب مفاتيح الغيب يعرض صدر المتألهين أربعة مسالك تفسيرية للقرآن هي: مسلك أهل اللغة، ومسلك أهل التأويل الذين يصرفون الألفاظ عن مفهومها الأول.. ومسلك أهل الجمع بين التفسير الحرفي والتأويل، ثم ينتهي إلى الأخذ بما يسميه مسلك الراسخين في العلم.
خاصية أهل هذا المسلك الذي يتبناه ملا صدرا، أنهم – كما يقول – ينظرون بعيون صحيحة منوّرة بنور الله في آياته من غير عَوَرٍ ولا حَوَل ويشاهدونه في جميع الأكوان من غير قصور ولا خلل. إذ قد شرح الله صدورهم للإسلام، ونوَّر قلوبهم بنور الإيمان، فلانشراح صدورهم، وانفتاح روزنة قلوبهم يرون ما لا يراه غيرهم. ويسمعون ما لا يسمعون. ليس لهم حرارة التنزيه ولا برودة التشبيه، ولا الخلط بينهما، كالفاتر من الماء. بل كالخارج عن عالم الأضداد كجوهر السماء. فالخارج عن الضدّين ليس كالجامع للطرفين[38]..
تأويلية صدر المتألهين تنتمي إلى الصفات التي وضعها لمسلك الراسخين في العلم هي تأويلية أبدعت مفاتيح جديدة في عالم التفسير تقوم على استنباط طبقات النص عبر استئناف مستمر ودائم لعمليات الفهم. أما التأويل عنده فيرتكز إلى آليات مثلثة الأضلاع هي النص والعقل والكشف. وهو ما لم ينصرف إليه على الجملة جمع المفسرين في عصره.
ولئن كان ثمة ما يستشير الإشكال حول مصطلح التأويل، فلهذا المصطلح عند ملا صدرا معنى خاص، وهو أن التأويل يعني التفسير نفسه ولكن مع استئناف لا ينقطع من أجل استكشاف المزيد من فهم حقائق الآيات.
لكن هذا النوع من التأويل (أي التفسير المستأنف) عند ملا صدرا له قواعده ومعانيه وضوابطه. نذكر منها على وجه الحصر ما يلي:
- دحض طرق التفسير التي تفصل بين اللفظ ودلالته.
- وصل ظاهر اللفظ بظاهر المعنى، وظاهر المعنى بباطنه وهكذا دواليك وصولاً إلى ما يسميه بالكشف.
- دحض ثنائية المجاز والحقيقة في معرض تفسير المحكم والمتشابه من الآيات. إذ ثمة اتصال ووحدة بين المجاز والحقيقة. ذلك أن كل القرآن حقيقة لا مجاز في مقام الكشف.
ج- الشروط العشرة للفهم
Download the original attachment
ينطلق صدر المتألهين في التأسيس لقواعد فهم القرآن من أن الكتاب المنزَّل هو نسخة عن الوجود. فأصول القرآن وخطوطه ومسائله إنما هي أصول الوجود وخطوطه ومسائله، ولذلك وُصِفَ القرآن على لسان الحق تعالى بـ «الحكيم والمحفوظ والمبين» وغيرها من أسماء المجد وأسماء الجمال. ومن هنا كان تفسير القرآن من وجهة نظر ملا صدار تأجراءاً تأويلياً للوجود. وكانت مفاتيحه مفاتيح للوجود. وعلى هذا النحو سنرى كيف يعود ليتصل بأصول القراءة على نشأة التدبُّر والإستيحاء والتلقي. وها هو يعرض في كتاب “مفاتيح الغيب” للآليات والشروط الضرورية، الفكرية والأخلاقية والسلوكية الواجب اتباعها في محاكاة الكلام الإلهي. وقد أوردها في إطار عشرة إجراءات تدخل على الجملة ضمن الحقل المفتوح للسير والسلوك:
الأول: فهم عظمة الكلام. وفيه يدعو كل متأمل لينظر في فضلالله ورحمته، وكيف لطف بخلقه في إيصال كلامه الى أفهامهم وأذواقهم، وكيف جذبهم الله اليه بحبل القرآن العظيم على شكل أصوات وحروف هي من صفات البشر.
الثاني: تطهير القلب من خبائث المعاصي وفق القاعدة القرآنية “لا يمسه إلاّ المطهرون“.(الواقعة – 79).
الثالث : حضور القلب وترك حديث النفس، وهذه الصفة تتولد من ما قبلها.
الرابع: التدبُّر. حيث لا خير في عبادة لا فقه فيها، وفي قراءة لا تدبُّر فيها كما في المأثور عن أهل الحقيقة المحمدية.
الخامس: الإستنباط، ومؤداه- أن يستوضح القارىء من كل آية ما يليق بها. إذ ما من علم إلا وفي القرآن أصله وفرعه ومبدأه ومنتهاه.
السادس: التخلي عن موانع الفهم. إذ أن القلب لجهة إدراك حقائق الأشياء هو بمنزلة المرآة. وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني القرآن أشد احتجاباً.
ثم يورد صدر المتألهين أربعة أنواع من الحجب تؤلف على الجملة موانع الفهم ويدعو الى مفارقتها كشرط لإستقبال القلب الآيات.
أ- أن يكون الإنسان مصروف الهمم الى تحقيق الحروف من العبادات ليصرف وجه القلب عن عالم المعاني.
ب – التقليد لمذهب سمعه من أحد الشيوخ وجحد عليه وثبت في نفسه التعصب له(…)
ج – أن يكون عالماً بالعربية، على ألا تقتصر القراءة على ظاهر اللغة وقواعد الصرف والنحو والبيان والخ). في حين ان المقصود الأصلي من إنزال القرآن ليس إلا سياقة الخلق الى جوار الله بتكميل ذواتهم وتنوير قلوبهم بنور معرفة الله وآياته.
د – الجمود والوقوف على ما قرأه من تفسير الماضين.
السابع: التخصيص. أي ان يقدِّر العبد انه هو المقصود بكل خطاب. فإذا سمع في القرآن امراً او نهياً او وعداً او وعيداً، قدَّر ان الخطاب موجهٌ اليه فليعمل بمواده «وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم»(البقرة، 231). {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران،138).
الثامن: التأثر والوجد. وهذا المفتاح الشرطي لبلوغ الكلام الإلهي ضروري في التفسير عند صدر المتألهين. أي أن يتأثر القارىء ليتخلّق بكل آية من الآيات. فيكون له بحسب كل فهم وجدٌ وحالٌ: من الحزن والخوف والخشية والرجاء والفرح. فعند الوعيد يتضاءل من خيفَتَه، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر صفات الله وأسمائه ينحني خضوعاً لجلاله وعظمته. وعند ذكر الكفار ما يستحيل عليه، أي الله. كذكرهم لله ولداً وصاحبه، يغضُّ صوته وينكسر في باطنه حياءً من قبح مقالتهم. وعند ذكر الجنة ينبعث من باطنه شوقٌ اليها. وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها(…) وهكذا فإن الصلة الأحوالية بالقرآن هي التي تنقل “التالي” (أي القارئ) من طور الحاكي الذي لا يتعدى كلامه حركة اللسان، الى طور معايشة الآية واختبارها في نفسه واختبار نفسه بها. والقرآن إنما يُراد لإستجلاء هذه الأحوال. إذ بهذه الأحوال تزداد درجة القرب والمنزلة عند الله وهي أشد مراتب المعرفة، والمعرفة هي المبدأ والغاية.
التاسع: الترقِّي: ومفاد هذا المفتاح المعرفي التدبُّري، ان يترقَّى القارىء لكي يسمع الكلام من الله لا من نفسه. والمراد هنا الإشارة الى ثلاث درجات من القراءة وهي:
الأولى: ان يقدِّر العبد كأنه يقرأ على الله واقفاً بين يديه، وهو ناظرٌ اليه، ومستمع منه. فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتضرع والإبتهال. وهذه الدرجة يصفها صدر المتألهين بأدنى الدرجات كونها تخص عوام الناس. اولئك الذين لم يتعدوا حروف الآيات الى معناها وطبقاتها، لكنهم يؤمنون بها على سبيل التسليم والتكيف والإلتزام التعبدي.
الثانية: ان يشهد العابد بقلبه كأن ربَّه يخاطبه بألطافه، ويناجيه بأنعامه وإحسانه، فمقامه في هذه الدرجة، الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.
الثالثة: وهي أعلى الدرجات. أي درجة القرب. وفيها يكون حال القارىء، او المستمع لكلام الله حال من يرى في الكلام المتكلم. وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر الى نفسه، ولا الى تعلُّق الإنعام به من حيث انه منعم عليه، بل يكون مقصور الهمِّ على المتكلم، موقوفُ الفكر عليه، حتى ليبدو كأنه مستغرقٌ بمشاهدة المتكلم عن غيره.
العاشر: التبرُّؤ. والمراد بهذا المفتاح التدبُّري على ما يبيِّن واضعُهُ – أن يتبرأ القارئ من حوله وقوَّته، وعدم الإلتفات الى نفسه بعين الرضا والتزكية[39].
7- العربية والمفارقة الهيرمينوطيقية
بوصفه لغة الوحي ينطوي لسان العرب على خاصِّية مفارقة، في مقام كونه كلاماً وحيانياً. ولذا من غير الجائز التعامل مع العربية في مثل هذا المقام بالذات كلغة مثل سائر اللغات.
لقد انزل القرآن الكريم على قلب النبي (ص) لفظاً ومعنى باللسان العربي. وهناك عدد من الآيات يبيَّن ذلك منها:- {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف، 2). -{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} {علَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء،193 ،194 ،195). – {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (الشورى، 7).
فالقرآن الكريم انزل باللسان العربي. فكان نزوله أعظم تحول تاريخي في اللغة العربية وآدابها ومعجزاتها الكبرى في كل موضوع من المواضيع التي حفل بها. فلقد كان نزوله بداية لانطلاقة اللغة العربية انطلاقه كبرى من إطارها المحدود في الجزيرة العربية إلى الانتشار على صعيد عالمي. فالقرآن للناس كافة، وخطابه للعالمين.
على هذا التخصيص شغل موضوع نقل القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية حيزاً وازناً من تفكير الهيئات الدينية الإسلامية كما عالجه رجال الفقه والكلام واللغة منذ أقدم العصور.
وفيما كانت المناقشات والمطارحات حول هذا الموضوع تحتدم حيناً، وتفتر أحياناً، كان من لا ينطقون العربية – قد تعلموا هذه اللغة ونقلوا القرآن الكريم إلى لغاتهم أو نقلوه إلى لغاتهم عن ترجمات أخرى من دون الرجوع إلى أصله العربي.
ويستدل من البحث عن مواقف الكثيرين من فقهاء والتيارات الكلامية أنهم لم يجيزوا ترجمة القرآن. فقد اجمعوا على استحالة ترجمة القرآن بمعانيه الأصلية ومعانيه التي اشتمل عليها.
ففي معرض الكلام عن الميزات البلاغية للقرآن الكريم يرى بعض هؤلاء من المعاصرين: “أن نقل الخواص البلاغية العربية إلى ما يقابلها في اللغات الأخرى، على فرض العثور عليه كله – لا يستتبع الدرجة البلاغية في تلك اللغة. والتصرف باختيار الأساليب البلاغية المناسبة للغة الأخرى قد يحصل بلاغة، ولكنها تنسب لصائغ الترجمة. ومحال بالتالي أن يصل إلى حد يعجز البشر، كيف وهذا الصوغ صوغه وهو من البشر؟ وإذا يكون الإعجاز الذي به كان القرآن آية فائتاً لا محالة في الترجمة”.
يكان ابن حزم الحنبلي يقول ان من قرأ ام القرآن أو شيئاً منها أو شيئاً من القرآن في صلاته مترجماً بغير العربية، أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي انزل الله تعالى، عامداً، بطلت صلاته، وهو فاسق ٍ، لأن الله تعالى قال: (قرآناً عربياً) وغير العربي ليس عربياً، فليس قرآناً، وإحالة عربية القرآن تحريف لكلام الله، وقد ذم الله تعالى من فعلوا ذلك[40].
أما في ما جاء حول حكم قراءة القرآن بالعجمية، فقد أفاض الزركشي في معالجة مسألة قراءة القرآن مترجماً فقال: “لا تجوز قراءته بالعجمية سواءً أحسن العربية أم لا، في الصلاة وخارجها. واستقر الإجماع على انه تجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لنقص الترجمة عنه، وكذلك لنقص غيره من الألسن عن البيان الذي اختص به دون سائر الألسنة. وإذا لم تجز قراءته بالتفسير لكان التحدي بنظمه، فأحرى إن لا تجوز الترجمة بلسان غيره.
ولما كان القرآن الكريم متعبداً بلفظه إجماعاً، فلا مجال لأن تؤدي التراجم المقصود الحقيقي لكلام الله، ولذلك قال الإمام الغزالي: “لا تقوم ترجمة الفاتحة مقامها، ولا تجزي الترجمة العاجز عن العربية. ولو أمكن لأيٍ من البشر ترجمة القرآن ترجمة حرفية لخرج القرآن عن كونه معجزاً، وكان في إمكان البشر أن يأتي بمثله[41]…
في غمرة هذه المباحث والمطارحات التي بدأت منذ العصر الإسلامي الأول وما تزال مستمرة خصوصاً حيال ما نشهد من تقدم العلوم والمعارف وسهولة الترجمات، ناهيك باستخدام الكومبيوتر لهذه الغاية، فقد عالجت مشيخة الأزهر هذه الإشكالية منذ 1929. ثم توصلت الى أن الغاية من ترجمة معاني القرآن هي تبسيط هذه المعاني وتفسيرها بدقة وترجمتها باعتبار أن القرآن لفظ عربي معجز وله معنى. أما نظمه العربي فلا سبيل إلى نقل خصائصه لأن هذا مستحيل استحالة قطعية “أما الخلاصة التي آلت إليها آراء هؤلاء المعاصرين حول هذه المسألة بالذات هي “أن ترجمة القرآن الكريم ترجمة تامة تؤدي من المعاني والتأثير ما تؤديه عبارته العربية، إنما هي ضرب من المحال” والحجة في مشروعة هذا التقرير قائمة على أربعة مرتكزات:
- أن القرآن الكريم معجز لا يمكن ترجمته.
- أن ترجمة القرآن بحرفيته غير ميسورة.
- أن الترجمة تفقد القرآن روعة النظم العربي والطلاوة واللذة والتأثير في النفوس
- أن في الترجمة ما يؤول بعض الألفاظ[42].
لعل ما ينتهي إليه الجمع الأعظم من العلماء المسلمين حيال ترجمة القرآن هو ان الحقيقة المتعالية حلت في العبارات والحروف. وأن العبارة والحرف واللفظ هي نفس الحقيقة وليس صورة عنها. بل هي ليست شكلاً لمحتوى، أو إلباساً لفظياً لمقاصد الوحي. فالحرف حقيقة ومعنى لا مجرد لفظ عارض على المعنى. واذن فاللفظ عين التعبُّد، به يتصل العابد بالمعبود على حقيقة العبادة. لذلك كانت الصلاة وقفاً على لغة القرآن. وعلى هذه النشأة يصير مآل الترجمة معرفة بالنص من الدرجة الثانية، أي أنها نقل لسطوح الأحرف لا تظهير لذات مقصد القائل…..
بين تأويل النقل الترجمي وتأويل التدبُّر لقاء وافتراق في آن. لقاء حول الكلام نفسه وافتراق في فهم نفس الكلام. أي حقيقة المقصد الإلهي من القول المنزَّل. فإذا كان التأويل كمفهوم كلي يعني حمل الكلام على غير المعنى الذي وضع له، فالنقل الترجمي يبتدئ من اللفظ وينتهي في اللفظ، وبذلك يفارق طبقات المعنى التي يختزنها النص القدسي. أما التأويل المتدبِّر فهو الذي يمضي الى ما لا يتناهى في استدراج المعاني. وبذلك يتعذَّر على المؤوِّل الوصول الى مطابقة قصد المتكلم مطابقة تامة. وما ذاك إلا لأن لكل مؤوِّل تأويله وفهمه الخاصَّين به. من هنا اعتبر العرفاء وأهل الذوق أن التأويل عبارة عن توجيهاتهم للآيات والروايات حيث كانوا يحملون الكلام على الظاهر، وان التفسير الذي يقومون به مطابق لظواهر القرآن والحديث، ولذلك لا حاجة عندهم للتأويل. معتبرين أن تأويلات المتكلمين والعلماء غير صحيحة، لا بل هي مخالفة لمكاشفاتهم.
أما الراسخون فلزموا التوجيه الإلهي لما حصروا تأويل كلامه تعالى بعلمه. كما جاء في الآية {ولا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند الله}(آل عمران – آية 7) ومعنى هذا انهم لرسوخهم في العلم آمنوا، وسلموا بالمحكم والمتشابه منه…
والفرق بين الناقل والمؤوِّل هو كالفرق بين من وقف على الحرف وقوف المعطِّل للفهم ومن عاين الحرف ومضى في اختباره في سفر لا قرار له.
[1] – غلام حسين الديناني – العقل والعشق الإلهي – دراسة ضمن كتاب: “المعرفة الدينية – جدلية العقل والشهود” دار المعارف الحكمية، بيروت – 2011 – ص 98.
[2] – محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكّية، ج4، ص 197.
[3]– محمد عبد العظيم الزرقاني – مناهل العرفان في علوم القرآن – راجعه وضبطه وعلق عليه محمد علي قطب ويوسف الشيخ محمد– المكتبة العصرية – صيدا – بيروت. 2001 ص 102.
[4]– المصدر نفسه.
[5]– مصدر سبق ذكره – ص 104.
[6]– انظر، طه عبد الرحمن – فقه الفلسفة – الفلسفة والترجمة – المركز الثقافي العربي – الطبعة الثانية – الدار البيضاء – بيروت 2000 – ص 62.
[7]– المصدر نفسه- ص 105.
[8]– المصدر نفسه – ص 108.
[9]– المصدر نفسه – ص 110.
[10]– عبدالسلام بنعبد العالي- في الترجمة – دار الطليعة- بيروت 2001 – ص43
[11] – الجاحظ- الحيوان- ج1- ص 76.
[12] – بنعبد العالي – المصدر نفسه – ص 44.
[13] – Benjamin، A: Translation and the Nature of Philosophy، p.115.
[14] – Ipid.P.157.
[15] – Berman:l´épreuve de l´étranger، pp.21-23.
[16] – المصدر نفسه ص 289.
[17] – راجع: طه عبد الرحمن – فقه الفلسفة – الفلسفة والترجمة. في قراءته لأفكار بيرمان – مصدر سبق ذكره – ص 123.
[18] – المصدر نفسه ص 124.
[19] – طه عبد الرحمن المصدر نفسه – ص 124.
[20] – Gadamer:Véritéet method،pp 288.
[21] – مصدر سبق ذكره – ص 124.
[22] – المصدر نفسه – ص 125.
[23] – المصدر نفسه – ص 63.
[24] – المصدر نفسه – ص 64.
[25] – المصدر نفسه – ص 64.
[26] – القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني – إعجاز القرآن – تحقيق أحمد صقر – دار المعارف – القاهرة – 1963- ص 17.
[27] – المصدر نفسه- ص 25.
[28] – تفسير النص القرآني – المصدر إياه -0 ص 65 – نقلاً عن العلامة محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان.
[29] – تفسير النص القرآني – المصدر نفسه – ص 67.
[30] – محمد عبد العظيم الزرقاني – مناهل العرفان في علوم القرآن – تحقيق: فواز أحمد زمرلي- دار الكتاب العربي – بيروت ط1 – 1415هـ – 1995م – ص 120.
[31] – الزرقاني – المصدر نفسه – ص 126.
[32]– راجع محمد أبو القاسم حاج حمد – منهجية القرآن المعرفية – دار الهادي – بيروت – 2003 – ص 97.
[33]– المصدر نفسه.
[34] – المصدر نفسه.
[35] – فلسفة التأويل عند صدر الدين الشيرازي- علي أمين جابر – مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي – بيروت – ط 1 – 2014 – من ص 141 – 150.
[36] – صدر الدين محمد الشيرازي – المظاهر الإلهية- تحقيق جلال الدين الآشتياني – مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي- ط 2 – طهران. ص 104.
[37] – المصدر نفسه ص 106.
[38] صدر الدين الشيرازي(ملا صدرا)- كتاب مفاتيح الغيب—تعليق علي النور ومحمد خواجوي – مؤسسة التاريخ العربي – بيروت 1999-ص 153.
[39] ملا صدرا- مفاتيح الغيب- (ص 136- 137- 138- 139- 140- 141)
[40] – ابن حزم – المحلّى – ج 3 – ص 254.
[41] – الوجيز – ص 26-27.
[42] – راجع: محمد صالح البنداق – المستشرقون وترجمة القرآن الكريم – منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – الطبعة الأولى 1980 (ص 73 ).