
منزلة المسلم في لاهوت العهد الجديد
قراءة في رؤية الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة
د. محمود حيدر
باحث في الفلسفة والأديان المقارنة
مدخل:
لم تأخذ العلاقة بين الأديان، وخصوصاً بين المسيحية والاسلام نسقاً تاريخياً واحداً. فقد تداخلت عوامل مركبة، لاهوتية واعتقادية وثقافية وحضارية جعلتها تدور ضمن فضاءات متحركة، تتقدم حيناً وتنكفيء حيناً آخر؛ او انها تتخذ طريق الحوار والتفاعل الايجابي حيناً ثالثاً.
كيف يُنظر الى العلاقة بين المسيحية والاسلام انطلاقاً من هذه الفرضية، وهل يمكن بلورة استراتيجية للحوار والتقارب على قاعدة الإيمان بوحدة المصدر الالهي للعقيدتين المسيحية والاسلامية؟
تسعى هذه الدراسة الى إنجاز تصوّر اجمالي حول رؤية الكنيسة الكاثوليكية للإسلام والمسلمين، انطلاقاً من عقيدة الخلاص. ولقد أخذنا بما افضى اليه المجمع الفاتيكاني الثاني
1965-1962) ) من تحولات معرفية وعقائدية ولاهوتية، كقاعدة تحليل، كان لها الأثر العميق في نظرة المسيحية الكاثوليكية الى الأديان والمذاهب العالمية الاخرى، ولا سيما الإسلام.
في السياق عرضنا الى حركة التأويل التي شهدتها الكنيسة حول عقيدة الخلاص، خصوصاً لجهة العلاقة مع الاديان الأخرى وما اذا كان أتباعها سينالون نعمة الخلاص في شخص السيد المسيح.
المجال المحوري لدراستنا، هو من وجه أوّل، تظهير المآل الذي بلغه الفكر اللاهوتي المسيحي حيال الاسلام. من وجهٍ ثانٍ، إضاءة مسارات اللقاء والتحاور والتواصل مع مؤمنيه ومجتمعاته ونخبه الفكرية والدينية.
على أن الفكرة المحورية الاخرى التي تذهب اليها هذه الدراسة، تقوم على إمكان نشوء أممية «للحوار التقاربي» بين المسيحية والاسلام، وسط عالم يكتظّ باحتمالات المواجهة والاحتدام بين الحضارات والثقافات والاديان.
*******
شكّلت عقيدة الخلاص على مدى عقود طويلة محول الجدل بين التيارات المختلفة للاهوت الأديان غير المسيحية. حتى إذا انعقد المجمع الفاتيكاني العالمي الثاني سيأخذ هذا الجدل مساراً آخر مختلفاً، من أبرز سماته حصول تحول جذري في نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى الأديان الأخرى.
وإذا كان لاهوت الأديان غير المسيحية هو علم حديث العهد، ويعود إلى السنوات التي سبقت انعقاد المجمع في الستِّينيات، فإن ظهوره في فضاءات الكنيسة، لم يكن بمنأى من حركة الجدل الفلسفي والديني للاهوت الأديان العام. غير أن هذا اللاّهوت سيكتسب خصوصيته الكنسية، وآفاقه اللاهوتية الشرعية، عبر الكنيسة الكاثوليكية بصفة خاصة، فضلاً عن الكنائس المسيحية الأخرى، مع العقود الأخيرة من القرن العشرين.
ثمة إجماع بين المشتغلين في لاهوت الأديان غير المسيحية، على أن تحوُّل هذا اللاَّهوت ليصبح عِلماً حديثاً ومعاصراً ترعاه الكنيسة، وتسعى إلى تأسيسه على قواعد إيمانية وعلمية متماسكة، مردّه إلى المنعطف العقائدي الذي حدث، في أثناء، وبعد انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني.
قبل الدخول إلى تناول المفاصل الأساسية التي ارتكز إليها المجمع حيال الأديان غير المسيحية خصوصاً في نظرته الى الإسلام والمسلمين، تجدر الإشارة إلى السجال الذي سبق التحول المجمعي في ستينيات القرن العشرين، ولا سيما حول قضية التعددية الدينية وخلاص من هم من غير ابناء الكنيسة.
لقد عرف الفكر اللاهوتي الكاثوليكي تيارين أساسيين في التعامل مع اطروحة التعددية الخلاصية:
– تيار أول، من أبرز ممثليه اللاَّهوتيان جان دانيالو وهنري دولوباك، وهو تيار يعتبر أن أصل الأديان جميعها يقوم على قاعدة العهد الذي قطعه الله مع نوح في مستهل أوائل الخلق. وهو العهد الكوني الذي يتضمن حضور وحي الله في الطبيعة وفي الضمير الإنساني، الذي يختلف عن العهد المباشر الذي قطعه الله مع إبراهيم. إذ على قدر ما تصون الأديان أصول هذا العهد الكوني ومبادئه ومضامينه، يمكنها أن تنطوي على قيم إيجابية ومُثل إنسانية جليلة. ولكنها تظل في ذاتها أدياناً مجردة من أية قيمة خلاصية، أي أدياناً يعوزها امتلاك العناصر والوسائل التي تعتبرها المسيحية خليقة بإنجاز الخلاص الكامل للإنسان المؤمن. وبناء على هذه النظرة اللاهوتية، يعتقد أنصار التيار الأول أن هذه الأديان تُعِدُّ من بعيد انبثاق العلاقة الصحيحة بين الإنسان والله، فتحمل الإنسان والبشرية إلى ملاقاة الله، بعد أن تكون قد انعتقت من وطأة الضلال وثقل الخطيئة. غير أنها لا يمكنها أن تبلغ كمال مسعاها، وغاية توقعها، إلا إذا اقترنت بحقيقة المسيح، وانتمت إلى كنيسة المسيح.(1)
– تيار ثان، وكارل راهنر من أبرز عارضي أفكاره، يرى أن عطيَّة النعمة الإلهية المتجلية بكمالها في شخص يسوع المسيح تصيب في الواقع القائم جميع أبناء البشر، وأن هؤلاء الذين تصيبهم عطيَّة النعمة يعون بعض الوعي أَثَرَ هذه العطية ونوَرها المشعِّ في داخلهم. وبفضل سمة الانفتاح الاجتماعي التي تسم الكيان الإنساني، يمكن هذه الأديان، وهي التي تعبِّر تعبيراً اجتماعياً عن ارتباط الإنسان بالله، أن تساعد أتباعها على اقتبال نعمة المسيح اقتبالاً ضمنياً ضرورياً للخلاص. فتقودهم إلى محبة القريب. وهي المحبة التي ماثلها المسيح بمحبة الله. وبحسب هذا المعنى، يمكن هذه الأديان أن تتضمن بعضاً من القيمة الخلاصية، ولو أنها تنطوي على بعض من عناصر الجهل والخطيئة والظلال.(2)
ظل الجدل بين هذين التيارين اللاهوتين قائماً رغم هبوط حدَّته إثر انعقاد مجمع الستينيات. في حين سيظهر في الأوساط اللاهوتية الرسمية من يرى لزوماً على المسيحية المعاصرة أن تقارب هويتها وتفكر في وجودها، لا من موقع الانكفاء والانزواء، بل بالاستناد إلى موقع انغراسها الفاعل في منفسح التعددية الكونية. كما ينبغي لها (المسيحية المعاصرة) النظر في تصور المسيحية للحقيقة، وتدبُّر المعاني التي يتضمنها حديثها عن شمولية مقولاتها وجدارتها المطلقة، مما يحثُّها على التعبير تعبيراً قابلاً للإدراك والإبلاغ عن المفترضات والتبريرات النظرية التي تؤهلها للمطالبة بأحقية الدعوة المعرفية والخلاصية الشمولية التي تنادي بها.(3)
- المجمعالفاتيكانيالثانياولحظةالتحول:
أخذ التحول في مسار الكنيسة المسيحية الكاثوليكية يحفر مجراه باتجاه الانفتاح على الأديان الأخرى ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر، لكنه سيبلغ ذروته في الستينيات من القرن العشرين، وتحديداً مع انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني . فبالإضافة إلى جملة التطورات التي شهدها الفكر الديني الغربي سحابة القرون المنصرمة، وكان له عظيم الأثر على التفكير اللاهوتي، ستبادر السلطات العليا للكنيسة الكاثوليكية إلى الأخذ بخط التعايش الخلاّق بين العقيدة المسيحية والاديان العالمية الحية، وذلك بالتلازم مع منجزات التقدم في العلوم، والمعارف، وأنظمة القيم.
لقد كان المجمع الفاتيكاني الثاني آخر المجامع المسكونية التي انعقدت في الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة. علماً أن المجمع الفاتيكاني الأول كان انعقد بين عامي ( 1870-1869). حيث تقدم بخطوات حذرة نحو الاصلاح والتكيّف مع معطيات الحداثة الصاعدة. ومع انه لم يتجاوز نطاق إعادة إنتاج القوانين الكنسية التقليدية للإيمان المسيحي الا انه سيضع الكثير من المقدمات التي ارتكز اليها المجمع الفاتيكاني الثاني في عصرنة الكنيسة الكاثوليكية.
سوى أن ما حصل في الحاضرة الكاثوليكية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين سيؤسس فعلياً لثورة معرفية في اللاهوت المسيحي. ففي الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير(1959 دعا البابا يوحنا الثالث والعشرون إلى مجمع مسكوني ضم أساقفة العالم الكاثوليكي، محدداً له هدفين أساسيين:
الأول: تجديد الكنيسة الكاثوليكية في عصر يشهد تغييرات، وتحولات متسارعة على مختلف الأصعدة. إذ كان لا بدّ للكنيسة من أن تجد لغة تكلّم بها العصر. لغة مقرونة بخطوات عملية من شأنها أن تشهد للمسيح، وللخلاص الذي حقَّقه…
الثاني: تعزيز السعي لبلوغ الكنيسة. أي دفع حركة المسكونية قدماً.(4) بما يعني – بحسب البابا – ضرورة اعادة الروح للايمان المسيحي من خلال الكنيسة على نطاق عالمي…
في المجمع الفاتيكاني الثاني، وهو مجمع التجديد اللاهوتي الأوسع أثراً في تاريخ الكنيسة كله، اختبر الفكر المسيحي اللاهوتي الكاثوليكي صحوة بليغة في تحسّس مسائل التعدد الكوني الديني، والثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي – وعلى ما يلاحظ لاهوتيو التجديد – أن في صميم هذا التحسُّس تجلت مسألة الحوار بين أبناء المسكونة كمسألة أساسية في مسلك الشهادة الإيمانية التي طفق المجمع يحرّض المسيحيين الكاثوليك على أدائها في روح من التأصيل المطرّد، والتعمّق المستمر، والصقل، والإخصاب والإغناء. ولئن كان المجمع – بحسب هذا التقويم – لم يفرد لمسألة الحوار الديني بياناً أو تصريحاً أو فصلاً، فإن قضية الحوار تستوطن أغلب النصوص المجمعية. ومن تضاعيف هذه النصوص كما يتبيّن من سياقها، أمكن استخراج المبادئ والأصول التي يتأسس عليها الحوار الديني في فكر الكنيسة المعاصرة. مثلما أمكن الاستدلال أيضاً على السمات والمميزات التي يتّصف بها مثل هذا الحوار. كذلك أمكن استطلاع الأهداف والمقاصد التي يرمي إليها الحوار عينه، والتدقيق في المعضلات والقضايا التي يستثيرها في مستوى التعبير الذاتي عن الهوية الإيمانية المسيحية. وفي مستوى تعيين الموقع اللاهوتي الذي يشغله الآخرون من مؤمني الأديان غير المسيحية في دائرة التدبير الآلهي الأشمل.(5)
- الدساتيروالقراراتوالتصريحاتالمجمعية:
حمل المجمع الفاتيكاني الثاني رزمة من الدساتير والقرارات والتصريحات شكلت على الجملة العناوين الكبرى، والمرتكزات التأسيسية التي كان من شأنها إحداث نقلة تاريخية في تطور اللاهوت العقائدي، والفكري، للكنيسة الكاثوليكية.
الدساتير أربعة، هي: دستور عقائدي في الكنيسة، وفي الوحي الالهي، وفي الليترجيا المقدسة، وفي الكنيسة وعالم اليوم.
أما القرارات فهي تسعة: قرار مجمعي في مهمة الأساقفة الراعوية في الكنيسة، وفي حياة الكهنة وخدمته الراعوية، وفي التنشئة الكهنوتية، وفي تجديد الحياة الرهبانية وملاءمتها، وفي رسالة العلمانيين، وفي نشاط الكنيسة الإرسالي، وفي الكنائس الشرقية الكاثوليكية، وفي الحركة المسكونية، وفي مسائل الاتصالات الاجتماعية.(6)
في ما يتعلق بالفوارق بين العناوين الثلاثة يلاحظ قرّاء النصوص المجمعية، أن الشرعة، او (الدستور) تحمل سمة الديمومة، فيما القرار له صفة عملية، وأحكامه مرتبطة بظروف المكان والزمان، إذ وفقاً للمبدأ الفقهي العام: تتبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان، وأما التصريح (البيان) فهو إعلان موقف من موضوع ما، وهو رهن بمناسباته التاريخية.(7)
أهمية العناصر الثلاثة المكونّة للمجمع الفاتيكاني الثاني أنها حدّدت المعالم الأساسية للتحولات المعرفية اللاهوتية التي جرت داخل الكنيسة المعاصرة. وهي ثورة بدأت في فضاء المسيحية الكاثوليكية العقائدي والفكري لتبلغ سائر الأديان غير المسيحية، وفي مقدمتها اليهودية والإسلام.(8) ولسوف نتبيّن ذلك من خلال ما ذهبت إليه مقاصد المجمع من خلال القرارات والدساتير والبيانات المعلنة:
أولاً: لناحية ما يتعلق بالدستور العقائدي في الوحي الالهي، فقد تخطى المجمع في هذا الدستور حدود الخلاف حول مستودع الوحي. أهو الكتاب والسنة المسيحية معاً أم الكتاب وحده، إلى الإعلان أن مصدر الإيمان هو كلام الله وحده، سواء (جرى تبليغه) بطريقة الكتاب أم بطريق السنّة والمسيحية بالتواتر والإجماع في تعليم الكنيسة. وهو من شأنه أن يجمع بين النظرة الكاثوليكية والارثوذكسية من جهة، والنظرة البروتستانتية من جهة أخرى. وكما هو معروف، ثمة خلاف جانبي بين البروتستانتية من جهة والارثوذكسية والكثلكة من جهة أخرى، وهو خلاف يقوم على السؤالين التاليين: هل من سلطة دينية في المسيحية غير كلام الله؟ وهل تحتكر السلطة الدينية تفسير كلام الله؟ جواب المجمع جاء موجزاً على الشكل التالي: أن الإنجيل وتاريخ المسيحية، من عهد الرسل حتى اليوم، يقولان بوجود سلطة دينية في كنيسة المسيح، مسؤولة عن الوحي الإنجيلي، وعن رعاية المسيحيين الدينية، ولها وحدها حق التفسير الرسمي لكلام الله. بيد أن هذا لا يعني أن السلطة المسيحية تحتكر تفسير كلام الله، بل ان المجمع يحثّ جميع المسيحيين، خصوصاً العلماء منهم، على درس كلام الله. بجميع الوسائل العصرية، لاستيعاب معانيه قدر المستطاع. والسلطة الدينية لا تفسّر كلام الله تفسيراً رسمياً من نفسها، بل تخضع لنص الكتاب وتأويله، بالإجماع والتواتر، في السنّة المسيحية.(9)
ثانياً: لناحية ما يتصل بالقرار المجمعي في نشاط الكنيسة الإرسالي. فقد فتح هذا القرار الباب أمام المسيحية لاستيعاب جميع الثقافات، والتطبع بطابع جميع القوميات: فليس في المسيحية – كما تبيّن أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني – واستناداً إلى العهد الجديد، من أمة سيدة، ولا من لغة سيدة، ولا من ثقافة سيدة: فالسيد المسيح تجسّد في البشرية كلها، وعلى المسيحية أن تتجسّد في القوميات والثقافات كلها.”فلم يبق من بعد يهودي ويوناني، عبد أو حر، ذكر أو أنثى، لأنهم جميعاً واحد في المسيح”«غلاطية 28:13» (10).
ثالثاً: لناحية ما سمي بـ “قرار مجمعي في الحركة المسكونية، ففي صدده لاحظت التعليقات اللاهوتية المعاصرة أن المجمع الفاتيكاني الثاني فتح أمام الكاثوليك طريق المسكونية واسعة. فالتقى البابا عدداً كبيراً من مسؤولي سائر الكنائس المسيحية. وبدأت تظهر تباعاً في بلدان عدة وثائق مشتركة بين الكنائس، وأُلِّفت لجان لا تزال تتابع الحوار اللاهوتي إضافة إلى تعاون بين كنائس عدة في الأعمال الاجتماعية، تسبق الوحدة العقائدية (11).
رابعاً: لناحية “بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية”. وحسب التعليقات في شأنه، فإنه يعد من أجدَّ جديد المجمع. وفيه حاول المجمع أن يكشف ما تحتفظ به سائر الديانات من معرفة الله، بدءاً بالديانات المسمّاة بدائية، حتى تلك التي تشترك في تراث الوحي التوحيدي كاليهودية والإسلام(…) فالحقيقة الأولى التي كانت منطلقاً لتفكير الآباء هي أن البشر عائلة واحدة، أخذت تستحثّ شعوراً قوياً بضرورة اتحادها. وتنادي الكنيسة بأن أصل هذه العائلة واحدة وغايتها واحدة، هو الله. وهناك أسئلة تقلق أفراد هذه العائلة، لا بد للدين من أن يجيب عليها كمعنى حياة الإنسان وغايته والموت والشر.(12)
خامساً: لناحية ما يُقصد بـ “بيان في الحرية الدينية”. ومؤدّى هذا التصريح المجمعي، إعادة الإنطلاق من المبدأ المتعلق بالحق الطبيعي للإنسان. وهو الحق الذي يقرّه الشرع المدني. فيُبعد كل ضغط عن الإنسان في الشؤون الدينية (…) وترتكز هذه الحرية الدينية أن يعمل الانسان وفقاً لما يقرره وأن يتحمل مسؤوليته، لا سيّما في الشؤون الدينية. وفي هذا الإطار يؤكد المجمع، أن الحرية الدينية هي حق جوهري من حقوق الإنسان التي يجب أن تعترف به الشريعة المدنية، سواء كان للفرد أم للجماعة، وبالتالي فإنه ينفي الإكراه، لأنه مناقض للحرية الموطّدة على كرامة الإنسان، حسبما يقرّ بها الوحي والعقل. وإذا ما طالبت الكنيسة بالحرية، فإنها لا تجهل أن لهذه الحرية حدوداً(13) ذلك أن النظام العام مقتضيات تحدّ من هذه الحرية. وفي هذا المجال تلخِّص الوثائق هذه المقتضيات بمبادئ ثلاثة:
– لا يُسمح بمسّ حقوق الغير، وأن التسوية السلمية هي أفضل سبيل لحل النزاع إذا ما نشب.
– لا يُسمح بمسّ قواعد الأخلاق العامة.
– لا يُسمح لأي كان بأن يخل بالسلام العام إخلالاً خطيراً.(14)
لقد كان للتحول الوازن الذي أجراه اللاهوت الكاثوليكي المعاصر أثر كبير في التقليد الكنسي، وقد ظهرت معالمه في حركة الجدل التي سبقت ظهور الصياغة النهائية لوثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، وخصوصاً منها الوثيقة المعنية بعلاقات الكنيسة الكاثوليكية بالأديان غير المسيحية. فقد شهدت فترة تكوّن تلك الوثيقة مسيرة مضطربة، كما يلاحظ الأب لويس بواسِّيه اليسوعي. في المرحلة الأولى كان المشروع الذي تستهدفه الوثيقة، تظهير موقف الكنيسة المسيحية من اليهودية. حين كان المطران رونكالي الذي أصبح البابا يوحنا الثالث والعشرين نائباً باسطنبول في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث شعر بموقف المسيحيين السلبي من ملاحقات اليهود عند بدء الدعاية النازية، وبوجه أعم بالأحكام التعسفية التي حكمت المجتمعات المسيحية الغربية على مرّ القرون.(15)
في أثناء إعداد المجمع كان يوحنا الثالث والعشرون كلّف الكاردينال بيا، أن يرسم الخطوط العريضة لقرار عن اليهود. ولكن هذه الوثيقة التي كانت جاهزة منذ 1962 ، سُحبت من النقاش لتهدئة ردود فعل البلدان العربية. لكن في تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 وفي أثناء جلسة المجمع الثانية، نوقش أخيراً هذا الفصل من فصول المخطط حول الحركة المسكونية. رفض الكاردينال بيا كل تفسير سياسي. ووضع النص على مستوى تاريخ الخلاص. عندئذٍ ظهرت مقاومة مزدوجة من جانب أساقفة الشرق الأوسط، الذين حذّروا من احتمال وقوع سوء تفاهم، وكذلك من جانب بعض أساقفة آسيا وأفريقيا، الذين لفتوا إلى وجود أديان كبيرة أخرى في العالم، في حين ذكَّر الآباء البيض والدومينيكان بأهمية الإسلام. وعلى أثر رحلة بولس السادس إلى الأراضي المقدسة في كانون الثاني (يناير) 1964 وإنشاء أمانة سر للأديان غير المسيحية في أيار (مايو)، وصدور الرسالة العامة في آب (أغسطس) التي شدّدت على الحوار، ترسّخ في الواقع المفهوم الذي يرى أن الكنيسة هي شعب الله، وهو الذي يرتكز عليه الدستور في الكنيسة. ومن ثم فُصِلَ المخطط حول اليهود عن القرار في الحركة المسكونية، فأضحى ملحقاً يستهدف أيضاً الأديان غير المسيحية. ولكن بعد تردّدات جديدة، ضٌمّ هذا الملحق في تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 ، إلى الدستور الكنسي. أما في كانون الأول (ديسمبر) فقد أظهرت رحلة البابا بولس السادس إلى بومباي (الهند) انفتاحاً على أديان آسيا. وفي تشرين الأول (اكتوبر) 1965 في أثناء الجلسة الرابعة، أقرّ آباء المجمع (بـ 1763 صوتاً إيجابياً ضد 250 صوتاً سلبياً)، البيان عن علاقات الكنيسة بالأديان غير المسيحية. وهكذا سوف يُفضي الجدل الأسقفي قبل، وأثناء، وبعد المجمع الفاتيكاني الثاني، إلى بلورة استراتيجية عقائدية جامعة حيال الأديان غير المسيحية. حيث جرى ذلك على أساس ما بيّنه الفصل الثاني من الدستور العقائدي في الكنيسة (نور الأمم وشعب الله، يؤكد فيه:”إن جميع الشعوب يؤلفون جماعة واحدة… ولذا فإن الناس ينتظرون من مختلف الأديان الجواب عن ألغاز الوضع البشري المستترة”.(16)
من هذا التأسيس سوف يتطور موقف الكنيسة من اليهودية الى الدرجة التي سيُطوى فيها سجلٌ طويل حافل بالخصومة على المستوى الديني والتاريخي. وهو ما سيلاحظه اللاّهوتي الإيطالي المعاصر برونو فورتي(17) حين ذكر أن العلاقة بين إسرائيل والكنيسة خلال العقود الأخيرة كانت موضوعاً لتأملات لاهوتية عميقة. وهي تقاطعت مع أحداث تاريخية ذات شأن. مثل زيارة يوحنا بولس الثاني لبيعة روما في 13 نيسان (أبريل) 1986، والاعتراف بدولة إسرائيل من جانب الكرسي الرّسولي سنة 1993.
بهذا المعنى لم يكن شمول قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني الموقف من اليهودية المعاصرة ودولة اسرائيل قضية معزولة عن قضية اللقاء مع الاسلام والمسلمين.
- فقهالحوارمعالإسلام:
أنزل اللاهوت المعاصر الكاثوليكي قضية الحوار مع الاسلام والمسلمين منزلة استثنائية. حتى لقد اعتبرها لاهوتيون كثر في الكنيسة واجباً دينياً ينبغي تطبيقه والالتزام به. وفي صدد هذه المقاربة يرى المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور الراعوي “الكنيسة في عالم اليوم” ما يلي: “تبدو الكنيسة رمز هذه الاخوة التي تتيح الحوار الصادق وتشجّعه، وذلك بفعل رسالتها التي تهدف إلى إنارة المسكونة كلها بنور البشارة الانجيلية، وجمع جميع البشر في الروح الواحد، إلى أي امة، او عرق، او ثقافة انتموا. (18)
من هذه الفقرة، يتضح الربط الوثيق الصريح بين هوية الكنيسة، وطبيعة الرسالة التي تضطلع بها في معترك الزمن الانساني. وحسب التفسير اللاهوتي لمثل هذا الربط، فإنه اذا كانت الكنيسة رمزاً للأخوة الانسانية الشاملة. فالخروج إلى الآخرين خروج الحوار الصادق، هو أسمى تعبير عن الجوهر القصيّ الذي ينطوي عليه كيان الكنيسة. وعلى قوام هذا المعنى الشمولي الرحب تصير الكنيسة المكان الامثل الذي يتجلى فيه عزم الناس على التلاقي والتحاور والتعارف. (19)
لكن القراءة المعاصرة لفقه الحوار في الكنيسة الكاثوليكية ستبلغ مستوياتها المتقدمةبعد بضعة عقود من ثورة الستينيات اللاهوتية. ولعل القول بواجبية التحاور والتواصل مع المسلمين فضلاً عن الأديان الأخرى،، يفضي إلى واحدة من اهم وأدق القواعد الإيمانية لـ “لاهوت الحوار التعرُّفي”. فلكي لا يُفهم من انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني على انه نتيجة تحولات تاريخية وفكرية املتها شروط التكيف مع القرن العشرين، وجد اللاهوت المعاصر أن القول بضرورة الحوار، لا يكفي لتوطيد التصور الحواري بين المسيحية والاسلام، وانه لترسيخ الموقف الحواري الشامل لا بد من البحث في تضاعيف المضامين اللاهوتية التي ينطوي عليها الدين المسيحي والدين الاسلامي، والتنقيب عن الاسباب اللاهوتية القصِيَّة التي تجعل من الحوار المسيحي الاسلامي واجباً دينياً لا مَعدِلَ عنه على الاطلاق”. ولسوف نرى فيما بعد كيف تمضي مثل تلك القراءة إلى وضع الادلة النقلية والعملية على واجبية الحوار، سواء من الانجيل او مما ورد في المجمع الفاتيكاني الثاني من مقررات. فلو نحن تأمّلنا الكلام عن “واجبية الحوار” لألفينا بؤرة المعنى التي اتكأ عليها لاهوتيو الحوار ليصوغ عمارته المعرفية. لعل من ابرز النقاط المحورية في المسعى اللاهوتي المذكور، ان أطروحته الحوارية تنطلق من قاعدتين اصليتين: القاعدة الإيمانية الانجيلية، والقاعدة التاريخية للكنيسة الكاثوليكية المعاصرة. ذلك “ان الانتماء إلى الفكر المسيحي اللاهوتي الكاثوليكي في مسعاه المستمر إلى تحري التجديد، وأمانة الابداع، هو الذي يبرّر استناد جميع هذه الدراسات إلى التصوّر اللاهوتي الذي تركن إليه الكنيسة الكاثوليكية في هيئة تعليمها اللاهوتي الرسمي. وفي اختبارات مؤمنيها الوجودية، وفي تلمُّسات كبار علمائها”. (20)
هذه النقطة تظهر مشروعية «الكلام الجديد» في حركة اللاهوت المعاصر، الأمر الذي بدا بوضوح لا ريب فيه في مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني. ذلك لان المتكلم هنا يتكلم من داخل العقل اللاهوتي نفسه، وليس كما يفعل باحثون من خارج المؤسسات الدينية. وبهذا سوف يكتسب التأصيل النظري لـ “لاهوت الحوار التعرُّفي”، صدقيته في هذا الصعيد المشار اليه. وذلك على ما نتصوّر، مهمٌ حيال اثر الخطاب في الآخر غير المسيحي. وتحديداً بالنسبة إلى ضمير المخاطب المسلم، المدعو، إلى الحوار لكي يتعرف إلى الكيفيات والآليات التي يتفكّر من خلالها، آباء الكاثوليكية بصفة خاصة.
على ان ما يمنح واجبية الحوار في التفكير اللاهوتي المعاصرة، أي المتأسس على روح ونص المجمع الفاتيكاني الثاني، هو عامل التأصيل الذي ستعتمده المراجع الفكرية في الكنيسة الكاثوليكية.
فالحوار عند المسيحيين كما يبيّن الاب موريس بورمانس انما هو سنّة ممعنة في القِدَم وتعود إلى يسوع المسيح نفسه: فهو وان كان قد أُرسِلَ اولاً إلى “الخراف الضّالة من بيت اسرائيل”، فقد اراد دوماً تخطي الحواجز الاجتماعية والسياسية والدينية، فكلّم السامرية، واصغى إلى السورية الفينيقية، وأُعُجِبَ بإيمان قائد المئة الروماني، وأشاد بتوبة “اهل نينوى” وحكمة “ملكة الجنوب”. فلذلك كانت دعوة بطرس اول رُسُله تصلح ايضاً للمسيحيين من ابناء هذا العصر عندما يقول: “كونوا على استعداد دائم لتجيبوا كل من يسألكم حجة عن الرجاء الذي فيكم، ولكن بوداعة واحترام، وليكن ضميركم صالحاً. }1 “بط”3، 15-16}.(21)
وحسب مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني “ فإن الكنيسة تحرِّض ابناءها على الاعتراف بالقيم الروحية والاخلاقية والمجتمعية والثقافية الموجودة” عند اتباع الديانات الاخرى، والمحافظة عليها وانمائها، وذلك بالحوار والتعاون معهم، بمقتضى الفطنة والمحبة، مع الشهادة للايمان والحياة المسيحية” (في هذا العصر رقم 2). ولكن لا بد من التذكُّر – على ما يلاحظ بورمانس – ان الحوار بين المسيحيين والمسلمين لا يمر بالمراحل ذاتها، ولا يقاس بالمقاييس نفسها في كل زمان ومكان. فإذا كان عليهم جميعاً ان يغترفوا من كنوز كتبهم المقدسة، وتراثهم، ومصنفاتهم الزهدية والصوفية، فهم يعلمون ايضاً ان العوامل الاجتماعية والسياسية والاخلاقية، والايديولوجية، والثقافية، قد طبعت ذلك كله بطباعها ووسمته بالنسبية. وكل ما سيقال عن اماكن الحوار ومناهجه ومذاهبه اللاهوتية، ومقتضياته الروحية، يعني على الخصوص المحاور المسيحي، ولا يُطلب منه فرض ذلك كله على المحاور المسلم الذي يظل حراً في النظر إلى الحوار نظرته الخاصة، وانما يستطيع الجميع بالتشاور المخلص، والتعاون الصادق، ان يحدِّدوا، ويكيِّفوا مقتضيات الحوار بحسب اوضاعهم الواقعية. (22)
- ارتباطالحواربالحقيقةالدينيةالمسيحية:
إن ما يجعل اللاهوت المعاصر يسلك المنحى الذي يقيم الحوار مقام الارتباط مع الحقيقة الدينية، انه لم ينطلق فقط من ضرورات تواصل الجماعات البشرية. وإنما كذلك وأساساً من الرابطة الوثيقة بمعطيات العهد الجديد. فإذا كانت الحقيقة الانجيلية، وقضية الخلاص، هما في وحدة وثقى، فإن الحوار الآتي من هذه الوحدة هو سليل الوحدة نفسها. “إن الله يريد لجميع الناس ان يخلصوا ويبلغوا الى معرفة الحق. (23) و “اما من يعمل الحقيقة، فإنه يقبل النور”. (24) و “ارتضى الله ان يصالح لنفسه كل ما على الارض وفي السماوات بالمسيح، الذي أقر السلام بدم صليبه” (25).
وعلى خط التأمل في سر الخلاص، تبرز – بحسب لاهوت الحوار الذي اطلقه المجمع الفاتيكاني الثاني- الصلة الوطيدة بين الخلاص، وحضور ملكوت الله، تماماً كما فعل يسوع المسيح قديماً في فلسطين، ولكن هذا الملكوت الشامل للكون، والموجود في داخل الانسان في آن واحد، ملكوت السلام والعدالة والغفران، لا يمكن ان يقوم التباس بينه وبين اي حقيقة منظورة يكون لها اسيراً. ولأنه حياة – كما يبين اللاهوتيون المتأملون في سر الخلاص – فان نمو الملكوت الشامل للكون يمر بمراحل السر الفصحي، الذي اظهر يسوع خصبه الشامل الابدي، اي الالم والموت والقيامة. (26)
بناء على هذا المنظور الاعتقادي يحدد لاهوتيو الحوار مسؤولية المسيحيين المجتمعين في الكنيسة، بالشهادة من خلال دعوة البشر اجمعين إلى الدخول في الملكوت، والعمل فيه على قدر ما آتاهم الله من نِعَم. وعندئذ لن يكون اي نشاط بشري او حوار ديني، برأيهم، غريباًَ عن ملكوت الله. وبالتالي فالتعمّق في الإيمان وتجديد التعبير عنه يغتنيان بتلاقيهما مع الثقافات الاخرى، سواء أكانت دنيوية ام قدسية، قديمة او حديثة، إذ لا شيء يفلت من هيمنة روح الله الشاملة. حيث الحوار الذي يتم في هذا اللقاء، ليس بغريب عند المسيحيين، عن إتمام ازدهار سر المسيح، وبداية التاريخ وخاتمته. (27)
ولسوف ينبسط امامنا لو نحن مضينا في استقراء ما انجزه الآباء المعاصرون في الكنيسة الكاثوليكية، ما يسدّد فكرة تبلور اطروحة الحوار من خلال البنية الاجمالية لنصوص العهد الجديد. إذ يتضح مما يبيّنه هؤلاء، أنه حيث يدور الامر حول حقيقة الكيان الإنساني، فلا سبيل إلى تجنب انشاء علاقات حوارية. وتبعاً لذلك يصبح من غير الممكن تصور وجود اي تقليد ديني -بقدر ما ينشأ من الحقيقة الكيانية للوجود الانساني، وهي ما يريدها الله-، يستطيع ان يُعرِضَ عن انشاء علاقات حوارية. وحسب هؤلاء أنه “بقدر ما نتمسك بحقيقة تقاليد دينية، يجب علينا ان نقول إن الحوار اضحى لا غنى عنه. وان المبدأ الحواري نفسه يجب ان يعتبر عنصراً مكوناً في انشاء التقاليد الدينية. فحيث يكون الدين دينياً حقاً، عليه أن يكون حوارياً. فإن لم يكن ذلك، فإما أن لا يكون ديناً، أو أن لا يطابق المبادئ التي يرتكز عليها معنى الوجود الديني (28).
وفي سياق ترسيخ المرجعية الايمانية للحوار يمضي لاهوتيو الحوار الى تسييل ما تنطوي عليه الثقافة الدينية المسيحية في هذا الاتجاه. من ذلك مثالاً، ان الميثاق مع ابراهيم (الذي استُعيد في عصر موسى) يقوم في داخل الميثاق الشامل مع نوح. وما هذا سوى استعادة للميثاق العام الذي اقامه الله مع البشرية جميعاً بفعل الخلق. وبهذا المعنى فإن الميثاق مع ابراهيم يتحقق اذن لفائدة جميع الامم. وصوت انبياء اسرائيل الكبار قد ذكَّر بذلك مراراً عندما كان الميثاق يوشك ان يصبح اسير قومية دينية مغالية في الانانية. ويبيِّن هؤلاء أن يسوع المسيح أكد تكراراً حتى موته على الصليب، انه ليس هناك انسانٌ مقصيٌّ عن ملكوت الله: الخطأة كالأبرار، والسامرية كالجليلي، وقائد المئة الروماني كالفرِّيسي اليهودي يبلغون الى هذا الملكوت الواحد نفسه، حالما يتوبون الى الرب، ويشرعون في سلوك حياة جديدة تغمرها محبة الله والآخرين”. (29).
وعلى نحو يسعى فيه لاهوتيو الكاثوليكية المعاصرة الى المزاوجة بين التأصيل الفكري والمعرفي، وحثِّ المؤمنين على الحوار والتعرّف، يذهب هؤلاء الى بلورة نص عقائدي مؤداه “ان المسيحي الذي يبغي ان يماثل اليوم بسماحته الجماعات الرسولية الاولى، في لقائه الآخرين مع اختلافهم، يعلم ان العهد الجديد ينطوي على مواقف عملية متنوعة بإزاء غير المسيحيين. ولن يفوته الرجوع اليها بحسب الاوضاع المختلفة التي يعرفها، او الميول الروحية التي يشعر بها، مارّاً احياناً من حال الى حال، او عائشاً الاثنين معاً في آن واحد. فإلى جانب التبشير بالخلاص في يسوع المسيح، كما مارسه بطرس وبولس في اعمال الرسل (2، 38، وا، كو 17)، والذي يتناسب وواجب التبشير المشروع، هناك مكان ايضاً لشهادة «المسيحيين العائشين في الشتات» الذين يردّد بطرس على مسامعهم قوله: «اسلكوا بين الامم مسلكاً حميداً، حتى إنهم يلاحظون اعمالهم الصالحة فيمجدون الله في يوم الافتقاد». (ابط 2، 12) فكما ان المسيح هو «شاهد الآب»، كذلك المسيحيون هم مدعوون ليكونوا مراراً كثيرة انجيل يوحنا ورسائله. واخيراً، قد يحدث احياناً ان يستشعر المسيحيون، مع التطبيق على قرائن اخرى، ما كان يشعر به بولس ويبديه من العواطف حيال اخوانه غير المسيحيين المعتزمين البقاء على ما هم عليه. فإلى جانب «حزنه» و«ألمه» من جراء ذلك كان «يشهد لهم ان فيهم غيرة لله» (رو 10،2)، لأن الله لا ينبذ احداً (رو 1،11) . وهكذا فما دامت السبل متشعبة، فالمسيحي مدعوٌّ الى الاحترام والتفهّم والتقدير لما ينطوي عليه الاختيار الديني الذي يختاره كل انسان من سر لا يُدرك لأن «الاعمال الدينية التي بواسطتها يوجه الناس نفوسهم الى الله، سراً وعلانية، بالاستناد الى قرار شخصي، تسمو بطبيعتها على كل نظام زمني وارضي»، (الكرامة الانسانية، 3) (30)
ولعل ما يجعل فقه الحوار متَّخِذاً هذا المنحى، انما يعود الى مأْسَسَة الاختبارات الحوارية مع غير المسيحيين بعد انعقاد المجتمع الفاتيكاني الثاني. بحيث صار واجباً على اللاهوتيين من رجال الكنيسة ان يصوغوا ابحاثهم وادبياتهم تبعاً للقواعد والدساتير والمناهج المجمعية الجديدة..
انطلاقاً من هذه الاطروحات، فإن الكنيسة في مرحلة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، ازاحت الى الدرجة الثانية التحديد المذهبي – الطائفي لمفهوم «المؤمن» في العالم الحديث، مؤكدة انتماء الكنيسة الى النوع الانساني قبل كل شيء، وعلى الصلة العضوية بالانسانية عموماً. فتصريح المجمع حول «علاقة الكنيسة بالاديان غير المسيحية» “Nostra Aetate” تتصدره الكلمات التالية: «… فكل الشعوب جماعة واحدة، ولها اصل واحد» فمسيحي اليوم يدرك انه عضو في اسرة انسانية عظيمة. لذا يؤكد تضامنه مع الناس كلهم، ولا يثمن غير المسيحي بوصفه «الآخر»، «الغريب»، حيث انه يعي حقيقة، ان الناس ينتمون، جميعاً بإرادتهم الحرة، وان كان ذلك بدرجات مختلفة، الى «شعب الرب». ولكن، من وجهة نظر الوعي الديني كيف يمكن قبول العقائد الدينية الاخرى، وبالتالي كيف يمكن لهذا الوعي ان يصالح او يوفِّق «ما لا يمكن توفيقه؟». والحقيقة ان الفكر الكاثوليكي يحاول حل هذه الاشكالية عبر انتاج مستويين او شكلين من الخطاب، هما المستوى الانساني العام، والمستوى الديني الخاص. ويستند هذا الخطاب تاريخياً الى الثنائية الانجيلية الشهيرة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (انظر: انجيل مرقس، الاصحاح الثاني عشر: 17، وكذلك انجيل لوقا، الاصحاح العشرون: 25). وعلى هذه الازدواجية والتحديد تقوم الكلامية المسيحية الجديدة (المدرسة – السكولائية)، المنطلقة من مبادئ واطروحات «الكلية» و«الشمولية» و«العالمية»، والساعية الى ان تدمج وتخلط في تركيبة موحدة مجموعة من قيم مختلفة للغاية. على حين تقوم هذه العقلنة التي ينتهجها اللاهوتيون المعاصرون على فكرة «الاقتصاد» في العقيدة، التي تعود بدورها الى اطروحات توما الاكويني، حيث ان مبدأ الاستقلالية النسبية يجر خلفه بشكل آلي الاعتراف القانوني بتعددية التيارات والمذاهب العقائدية، ورفض مقولة ادعاء احتكار الحقيقة».(31)
- التواصلمعمسلميالعالم:
تأسيساً على المبادئ والمقررات التي أقرها المجمع الفاتيكاني الثاني، بدأ زمن لاهوتي كاثوليكي جديد في التعاطي مع الأديان غير المسيحية ولا سيما مع الإسلام. ولعل من أهم هذه المبادئ هي الاستعداد للحوار. وقد عبّر المجمع الفاتيكاني الثاني عن ذلك بما ورد في إحدى وثائقه بالقول: “وفقاً لمهمتها في ان تدعم الوحدة والمحبة بين البشر، وبذلك تنظر الكنيسة إلى ما هو مشترك بين الناس، وما من شأنه أن يقودهم إلى الشركة بعضهم مع بعض”.(32)
وفي مساعيهم لتشكيل منظور لاهوتي معاصر لإدراج الإسلام في إطار نظام الخلاص، قدَّم عدد من كبار اللاّهوتيين الكاثوليك ما يمكن اعتباره رؤى دينية تأسيسية للحوار مع المسلمين.
جلَُ هذه المساعي تنطلق من مراجعة نقدية جذرية للمفاهيم المسيحية القديمة حيال الإسلام وعقائده، ولا سيما منها النظرة البيزنطية الاقصائية والرافضة لعقائد المسلمين. وبحسب ما صار معروفاً من الروايات التاريخية فإن هذه المفاهيم تقوم على قاعدة المجادلة، وعلى السؤال عما يمكن توفيره من آليات معرفية لإثبات بطلان العقيدة الإسلامية. حيث كان من الثابت لديهم أن الإسلام ليس ديناً صحيحاً، وليست له قيمة خلاصية. واستعانوا لهذا الغرض بالنظام الدفاعي الذي كان اللاّهوتيون المسيحيون قد نصبوه لردِّ اعتراضات خصوم المسيحية، وبالتالي تقديم الدليل على صحة العقيدة المسيحية. وهكذا بيَّن اللاهوتيون البيزنطيون في مؤلفاتهم اليونانية أن مقارنة بين الاسلام والمسيحية توضح أن هناك فوارق ضخمة بينهما في العقيدة والأخلاقيات والعبادات، بحيث يجب اعتبار الإسلام ديناً باطلاً. وان محمداً لا يمكن بأي حال مقابلته بيسوع المسيح، ولذلك ينبغي أن يُعدَّ نبياً باطلاً، وأخيراً يتضح لديهم أن القرآن يناقض الكتاب المقدّس الصحيح، الذي أوحاه الله إلى موسى والأنبياء، وإلى الرسل وكاتبي الإنجيل ولذلك يجب القول بأنه كتاب باطل.(33)
لقد أرست الأدبيات الجدالية البيزنطية حيال الإسلام، ميراثاً زاخراً بأسباب القطيعة والإبطال، وذلك نتيجة عوامل كثيرة تاريخية ومجتمعية وعقائدية، لكن التأسيس اللاّهوتي البيزنطي سينطلق في هذا المجال، من نقطة جوهرية تشكل العنصر المعياري في اللاهوت المسيحي الذي ساد في القرون الوسطى. عنينا بها معيارية الخلاص. إذ اعتبر البيزنطيون، وبصورة مبرمة أن ليس لدين الإسلام القدرة على منح الخلاص. فالخلاص – عندهم – منوط بعمل يسوع المسيح الخلاصي، وبحياته، وموته على الصليب، وقيامته. وأما وسائل الخلاص فهي أسرار الكنيسة. وبما أن الإسلام لا يؤمن بعمل المسيح الخلاصي، ولا بأسرار الكنيسة، فلذلك لا تملك شعائر العبادة الإسلامية قدرة على منح الخلاص. فهي –بحسب فهمهم- شعائر غير فاعلة، ولو كانت تشبه خارجياً بعض الشعائر اليهودية أو المسيحية.(34)
في الأزمنة الحديثة وبسبب من الاختبارات العميقة التي عاشتها المسيحية مع نفسها، وفي تفاعلاتها الحضارية مع الجغرافيات الدينية المتعددة، ستحدث تحولات راديكالية، بلغت أوجها في ستينيات القرن العشرين مع انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني. ومثلما كانت قضية خلاص غير المسيحيين محور اشتغالات لاهوت القرون الوسطى، شكلت القضية إيّاها الحلقة المركزية في الثورة المعرفية للاّهوت المعاصر.
لقد تكونت رؤية اللاّهوت المعاصر الذي تأسس عليه المجمع الفاتيكاني الثاني، كخلاصة اختبار وتفاعل مع منجزات التنوير، والمعارف الجديدة التي توصل إليها تاريخ الأديان المقارن وعلم اجتماع الدين، ناهيك عن المدارس والتيارات التي انبثقت من الاشتغال على هرمينوطيقا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.
جاء التأصيل اللاّهوتي لمنعطف الستينيات على قاعدة توصيف أحوال عالم الحداثة ما بعدها، ليتبيَّن له كيف أن جغرافيات العالم الحضارية والدينية كفَّت عن كونها هويات مغلقة. وأن اللاّهوت المسيحي، عندما أخذ بفكرة التعددية إنما كان يواجه إشكالية شديدة التعقيد والأهمية والمعاصرة. وأن هذه الإشكالية تكونت بفعل الوعي المتزايد والمعرفة المفصّلة باديان العالم الكبرى، وبحكم الاحتكاك الواسع والمستمر بين اتباع الديانات والثقافات والمجالات الحضارية المتعددة. من هنا اتضح للكنائس المسيحية مدى حيوية هذه الأديان وما تحتله من أدوار حاسمة في حياة الشعوب. ولقد تأتَّى الاستعداد للحوار من يقين الكنيسة بضرورة النظر من وراء الفوارق الفاصلة، إلى ما هو مشترك بين الناس والأديان حيث أن الأديان الأخرى غير المسيحية هي المرجع الذي يقدِّم للناس الجواب عن أسئلتهم الصحيحة المهمة في حياتهم. وقد سرد المجمع الفاتيكاني الثاني أهم هذه الأسئلة على النحو التالي: ما هو الإنسان؟.. وما هو معنى حياتنا وغايتها؟.. ما هو الخير وما هي الخطيئة؟ ما هو مصدر الألم وما هو معناه؟ ما هو السبيل إلى السعادة الحقَّة؟ ما هو الموت والحساب والثواب بعد الموت؟ وأخيراً، ما هو ذلك السر الأخير الذي لا يمكن التعبير عنه، سرُّ حياتنا الذي منه نأتي وإليه نصير؟(35)
والى ذلك يبيِّن الباحث واللاّهوتي الكاثوليكي عادل تيودور خوري في معرض مناقشاته لوثائق المجمع أن الأديان غير المسيحية لم يعد يُحكم عليها بدون تمييز كوثنية وأديان باطلة، وبالتالي لم تعد تُرفض تعاليمُها ومقاييسُها ونُظُمُها العملية بمجملها. ذلك أن غير المسيحيين يمكنهم البلوغ إلى الخلاص(36) استناداً إلى (وثيقة المجمع في الكنيسة “نور الشعوب”. ذلك “لأن الذي لم يبلغ إلى معرفة حقيقة إنجيل المسيح وكنيسته، بدون ذنب منه، ولكنه يبحث عن الله بقلب صادق، ويحاول بفعل النعمة أن يتمِّم عملياً إرادته التي اطلع عليها في نداء ضميره، فهذا يمكنه أن ينال الخلاص الأبدي.إذ أن العناية الالهية لا تحرم الأمور الضرورية للخلاص لأولئك الذين لم يبلغوا بعد الاعتراف الصريح بالله، وذلك بدون ذنب منهم، ولكنهم يجتهدون بفعل النعمة أن يحيوا حياة قويمة”(37).
- محوريةالاسلامفيعقيدةالخلاص:
يتخذ الكلام على الإسلام والمسلمين محلاً مركزياً في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. ونستطيع أن نتبيَّن ذلك من خلال نصَّين أساسيين:
الأول: “الدستور العقائدي في الكنيسة” وفيه ما يلي:
“بيد أن تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر” (دستور عقائدي في الكنيسة، فقرة 16).
الثاني: “علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية” وفيه ما يلي:”تنظر الكنيسة أيضاً بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحي القيوم، الرحمن القدير الذي خلق السماء والأرض، وكلّهم الناس. إنهم يسعون بكل نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلم الله إبراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب إليه. وإنهم على كونهم لا يعترفون بيسوع إلهاً”، يكرمونه نبياً، ويكرمون أمه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحياناً بإيمان. ثم إنهم ينتظرون يوم الدين الذي يجازي الله فيه جميع الناس بعدما يُبعثون أحياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الأدبية، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم، خصوصاً. ولئن كان قد وقع، في غضون الزمن، كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع يحرِّضهم جميعاً على نسيان الماضي، والعمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم في ما بينهم، وأن يحموا ويعزّزوا كلهم معاً، من أجل جميع الناس، العدالة الاجتماعية، والقيم الروحية، والسلام والحرية. (بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، فقرة 3).
من هذين النصّين الصريحين سوف يمضي التنظير اللاّهوتي في الكنيسة الكاثوليكية نحو طبقات معرفية أكثر عمقاً حيال الإسلام. وبحسب هذا التنظير إن الإسلام مثَله في ذلك مثل الأديان الأخرى، هو في مرحلة إعدادية للمسيحية، وذلك في إطار حقبات التاريخ، بل بالنسبة إلى نظام الخلاص الالهي. فهكذا يكون الإسلام بالنسبة إلى تاريخ الخلاص في درجة الأديان التي نشأت قبل المسيحية، والتي تسوقها مسيرتها الخلاصية إلى معرفة حقيقة وحي الله في يسوع المسيح.(38)
إلى هذا التأويل اللاّهوتي لموقعية الإسلام في نظام الخلاص، ثمة ما لا حصر له من التأويلات الموازية، لكنها تتلاقى وتتقاطع حول نقطة أساسية هي مفارقة اللاهوت المسيحي المعاصر لفكرة حصرية الخلاص بالكنيسة، وبالتالي الإعراض عن فكرة إبطال المنظومة الاعتقادية التي جاء بها الإسلام.
لقد أشار اللاّهوتي لودوينغ هاغمان (Ludwing Hagmann) مثلاً إلى النقاط التي يمكن أن تكوِّن خطوطاً تربط بين الإسلام وحقيقة يسوع المسيح:”وإن كانت الناحية الكريستولوجية في الإيمان الإسلامي في نفسه لم تبلغ اكتمالها، بل تُعرض عرضاً ناقصاً، فإن الإسلام يجوز اعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح، ومرحلة على الطريق المؤدي إلى إتمام معرفة المسيح (راجع الرسالة إلى الأفسسيين :4-13). وذلك باعتبار ما أنجزه من تقدم ثلاثي النواحي:
– الانتقال من عصبية الدم إلى جماعة الإيمان.
– الانتقال من عصر الجاهلية إلى عصر العلم والوحي.
– الانتقال من الشِرك إلى الاعتراف الحازم بالله الواحد الأحد.(39)
وفي سياق بحثه حول الإسلام في منظور اللاّهوت المسيحي” يضيف عادل تيودور خوري اقتباساً آخر للاّهوتي هانس كونغ (Hans Kung) الذي يحاول وضع الإسلام في درجة موازنة لليهودية المسيحية. وهي الجماعة التي لم تكن تعترف بعد تماماً بالتعليم المسيحي حول المسيح الذي بيّنته نهائياً المجامع المسكونية. فبالنسبة إلى نظرية الإتمام، يعني هذا أن تطور الإسلام باتجاه المسيحية ممكن، ولو كان الإسلام في الواقع يرفض رفضاً باتاً مثل هذا التطور. وفي هذا المجال يستعيد خوري ما كان ردّده اللاّهوتي الكاثوليكي كلود جفره (Claud Gefrré) من أن بالإمكان اعتبار الإسلام في بعض انتقاداته للعقائد المسيحية تذكيراً بضرورة حماية الإيمان ضد الشذوذ، وتحريضاً على صيانة التوحيد. وهكذا يمكن اعتبار القرآن – بحسب جفره – كإحدى كلمات الله موجّهة إلى المسيحيين.(40)
- اللقاءعلىالوحدانية
على الرغم من اقتصار النصوص المجمعية على تحديد خطوط بيانية عامة حول الإسلام، إلاّ أنها فتَّحت أبواب البحث المعمق أمام لاهوتيي الحوار في الكنيسة الكاثوليكية. فثمة من يذهب من المعاصرين إلى أن تصور الكنيسة لوحدانية الله، ولوحدانية الوساطة الخلاصية التي يمثلها يسوع المسيح، ولوحدانية عمل الروح القدس في التاريخ البشري، وكذلك لوحدانية وساطة الكنيسة في إظهار حضور الله وفي إنجاز ملكوت الله، كل هذا سيفضي إلى القول إن الإسلام لا يمكنه إلا أن يكون منضوياً إلى المسيحية انضواء الفرع إلى الأصل، والجزء إلى الكل، والبذرة إلى التربة، والغصن إلى الكرمة. ومن ثم فإن الكنيسة الكاثوليكية في لاهوت الأديان الذي باتت تقرُّ بشيء من جدارته المعرفية، تعترف بالدين الإسلامي اعتراف الاحتواء والإكمال والإختتام. فهي –بحسب هذا النظر- لا تقصيه من دائرة الوحي الالهي، ولو أنها لا تزال تنظر إلى الوحي القرآني نظرتها إلى حقل خصب انغرست فيه غير بذرة من بذار الحق والخير والصلاح.(41)
- الحوار الاسلامي – المسيحي في تداعياته المعاصرة
لم يؤدِ الجدل الذي نشأ في العصور الوسطى بين اللاّهوت المسيحي والكلام الإسلامي، إلاَّ إلى تعميق النزاع العقائدي، وتوليد ضروب الخوف والحذر والإقصاء بين مسلمي المشرق العربي ومسيحييه. وإذا كان ثمة الكثير من الأسباب الداعية إلى الجدل، فهي في الأغلب الأعم عائدة لمؤثرات موضوعية تاريخية وسياسية أكثر مما هي عائدة إلى مبدأ الإيمان بالله الواحد الأحد وتوحيده. لعلَّ مجادلة القديس يوحنا الدمشقي على سبيل المثال لا الحصر (أواخر القرن السابع حتى منتصف القرن الثامن) في «الهرطقة مئة من كتاب «الهرطقات» قد شكلت أنموذجاً للقطيعة في جدال العقائد بين الإسلام والمسيحية في ذلك الوقت. كذلك الأمر بالنسبة إلى مجادلات العلاّمة تقي الدين أحمد بن تيمية الدمشقي (1263 – 1328) في رده على بعض عقائد المسيحية، معتبراً أن أكثرها بدعة، من مثل، أن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون، وإنما ابتدعها قسطنطين. وكذلك بدعة الصليب والألحان في الصلوات، بالإضافة إلى قوله أن عامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها، لم ينزل بها الله كتاباً الخ…(42)
لعلَّ المشترك بين هذين الأنموذجين الجداليين في اللاّهوت المسيحي والكلام الإسلامي «يوحنا الدمشقي، وابن تيمية»، وعلى رغم الفارق الزمني بين الرجلين، هو أنهما يعتصمان بحرفية النص وظاهره. وربما لهذا السبب خُلعت على الأول أوصاف ونعوت تقديسية من مثل بطل الكنيسة، أو ما أطلقه عليه البابا يوحنا بولس الثاني في رده على خطاب البطريرك الأنطاكي أغناطيوس الرابع هزيم بأنه »البطل المناضل عن الإيمان الأرثوذكسي«. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ابن تيمية، حيث اعتبره كثيرون بأنه مؤسس السلفية في التاريخ الإسلامي. ولعلَّ ما عناه ابن تيميّة في قوله الذي جاء في سياق رسالته إلى سرجيوس ملك قبرص »أنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه وطلب الخير منهم« إنما يتبيَّن مدى اعتداده بنفسه وخصوصاً فيما يظهر من رسالته إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون من أنه مجدِّد الملَّة في ختـام قرنها السابع.(43)
لقد تبيَّن من خلال تداعيات الجدل اللاّهوتي – الكلامي، كم هي واضحة آثار القطيعة بين المسلمين والمسيحيين. وبدا واضحاً بسبب من ذلك ضمور إمكانيات الحوار، بل واستحالته في ظل سيطرة النزعات الدفاعية، التي غالباً ما اقتضت الهجوم على الآخر في ما يعتقده ويؤمن به. لكن سيرورة جديدة من النظر المتبادل بين المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية، كان عنوانها المركزي ضرورة الانتقال في العلاقة من طور الجدل والقطيعة إلى طور الحوار والتواصل. ولقد وجد الفريقان أنه من غير الجائز أن يستمر واقع الحال ضمن الأطروحة التالية: عندما يخاصمك الآخر في دينك وهويتك مستعملاً دينه وهويته كسلاح يتكئ عليه في حملته عليك، فإنه من الطبيعي أن يبتعث لديك المنطقة الأكثر حساسية وحدّة في دينك وهويتك، ويقيمها على نشأة متجددة من العصبية والعنف والاقصاء. وإذا كانت الهوية والدين يدخلان في نطاق ما يسميه الاستراتيجي الفرنسي جان غيتون بالميتافيزيقا السياسية، فلا مناص للمسلمين والمسيحيين من الإعراض عن تسييس الدين بما يخدم المصالح السياسية والاقتصادية لهذه الجهة أو تلك.
لقد شكل المجمع المنعقد بين أوائل ومنتصف الستينيات من القرن العشرين نقطة تحول تاريخي في علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالمسلمين وفهمها للإسلام. ولعلَّ الوثيقة التي أصدرها المجمع الفاتيكاني الثاني في ذلك الوقت ستؤسس إلى علاقة جديدة مع المجتمعات الإسلامية خصوصاً، ومع سائر الأديان غير المسيحية بوجه عام.
هناك إذن بين المسيحيين والمسلمين أمور كثيرة مشتركة على صعيدي الإيمان والأخلاق. فعلى صعيد الإيمان، يتّفق المسيحيون والمسلمون على عبادة الله الواحد الخالق، الذي كلَّم الناس بالأنبياء، منذ إبراهيم إلى السيد المسيح، ويكرِّمون معاً مريم العذراء، ويترجّون قيامة الأموات. وعلى صعيد الحياة الدينية والأخلاق، هناك اتفاق على الصلاة والصدقة والصوم. ويمكننا أن نضيف أن الاتفاق يشمل أيضاً معظم أمور السلوك الأخلاقي.(44)
اذا كان الحوار التعرُّفي لدى الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة، يدخل في اصل الايمان والمنظومة العقدية، فهو في فضاء الاسلام يُعد ركناً من أركان العلاقة مع الغير… فكيف تبدو هذه الغيرية في مقاصد الشريعة الاسلامية؟
- واجبيّةالتعرُّففيالإسلام:
لم يدع اللاهوت المسيحي التجديدي فرصة كلام على صلة الوحي بالزمن البشري، إلا كان له من الكتاب المقدس ما يحث على الحوار كما سبق ورأينا. اما في الفضاء الفكري الإسلامي فللحوار – على ما سيتبيَّن لنا – مقام الواجبية. ومن دونه لا قيامة للرسالة الإلهية كما وردت في القرآن والسنة.
فسنرى في هذا المجال، كيف أن الحوار يدخل في النص القرآني دخولاً بيِّناً. حتى أن كثيرين من قرّاء الوحي ذهبوا في التفسير والتأويل الى أن القرآن الكريم هو من وجه معين كتاب حواري بامتياز. ويتأتى مفهوم الحوار- القرآني من التقرير الإلهي باختلاف الخلق. ذلك ان الإختلاف، والتنوع، والتعدد تفترضه الكثرة الخَلْقية التي هي قانون حكم الله في الخلق.
ولقد قرر القرآن الكريم أن اختلاف الناس في عقائدهم ومللهم وآرائهم هي مسألة سُنَنية لن تتبدل ولن تتغيَّر. وان هذا الإختلاف لن يُرفع إلاّ بعد زوال العالم الدنيوي. وهذا ما يبيِّنَهُ قوله تعالى: «ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربُّك ولذلك خلقهم». هود: (118 – 119). «ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، ان الله يفصل بينهم يوم القيامة، ان الله على كل شيء شهيد». الحج (17/22).
على هذا التأسيس القرآني للإختلاف شرَّع الإسلام حقَّانية الأديان الوحيانية السابقة عليه. وحين دخلت الشريعة المحمدية في قلب الزمان والمكان لم تعمل على نفي الأديان، أو التعامل معها بالقوة والإكراه والجبر، وذلك على قاعدة التميِيز بَين الرشد والغي»، (البقرة – 256/2) وضرورة اختيار المعتقد أو اتباع الملة. وهو ما أكده كتاب الله في الآية الكريمة «لا إكراه في الدين، قد تبيَّن الرشد من الغي». وهو ما أرشد النبي(ص) اليه بتوجيه الله تعالى: فذكِّر إنما أنت مذكِّر، لست عليهم بمصيطر» (الغاشية 22-21/88)، وهذا أمرٌ لا ينفي وجوب الدعوة الى الإيمان الحق بالله، وإتباع دين الإسلام الخاتم.
ومع أن الإسلام قال بالعقيدة الخاتمية لرسالات السماء، حرص التوجيه القرآني على حث المسلمين على أن تكون الدعوة الى الله مقرونة بمحاورة من يخالفهم الإعتقاد «أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل – 125/16). ولقد خصَّ القرآن أهل الكتاب «بالتي هي أحسن» بقوله «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» (العنبكوت 46/29) وهذا يعني في الحقيقة والمقصد إفراغ الجدل من محتواه القسري، ليغدو حواراً مسدداً بمشترك الإيمان بوحدانية الله تعالى. قدمت المصادر والمرجعيات الدينية الإسلامية صورة إيجابية جداً حيال المسيحية واليهودية بوصفها دينين سماويين. يشتركان مع الإسلام بالإيمان بالأنبياء والرسل واليوم الأخر وينطلقان من دائرة التوحيد (45).
وينظر أئمة المسلمين وعلمائهم الى تجليات الكثرة في الوحي الإلهي على أنها سنُّة خَلْقِية كما أشرنا. وهم ينطلقون من حقيقة أن الهداية الإلهية هي المصدر الأول في التدبير البشري. فالهداية الإلهية على ما تبيَّن مرجعيات التفسير الإسلامية تستوي على ضربين: تكوينية وتشريعية. الهداية التكوينية هي تلك التي تشمل الوجود ثم تمتد لتستوعب الموجودات برمتها والكائنات الحية كافة. وبالتالي جميع البشر، وهذه الهداية ترتبط بالأمور غير الإختبارية. بمعنى أنها لا تندرج في نطاق «ارادة الموجودات» وعلى سبيل المثال: فإن النمو الطبيعي للموجودات يعد من سلالة الهداية التكوينية.
أما الهداية التشريعية، فإنما هي هداية يهبها الله الى البشر من طريق الأنبياء والرسل. وهي تتجلى في الواقع بمعنى «تنوير الطريق» الى التوحيد وتشمل البشرية كلها. وفي هذا الضرب من الهداية يكون للإرادة الإنسانية والإختيار البشري دور فاعل ومقرَّر. فإذا ما أراد الإنسان أن ينتقل من الهداية التي معناها «تنوير الطريق»، الى الهداية التي معناها الإيصال الى الغاية والمطلوب؛ . فينبغي له العمل بجميع الأوامر الإلهية باختياره وبملء ارادته. وبشرح مقتضب على لسان بعض العلماء المسلمين: ان الله تعالى يهبُ المؤمنين الذين يتوفرون على الهداية التشريعية، ضرباً من الهداية التكوينية التي تعني (الإيصال الى الغاية والمطلوب) ولاسيما في مراحل السير والسلوك الى الحق الأعلى. فالهداية التشريعية إذاً، تعني ان الله سبحانه يضع بين أيدي الناس القانون الذي يوفر لهم السعادة، ويبني وعيهم من خلال الأمر بالفضيلة والنهي عن سيئات الأعمال، وذلك لكي ينتخبوا الطريق بإختيارهم من أجل أن يبلغوا الغاية التي يشاؤون بكل حريتهم.
الأديان الوحيانية تشتمل على هذين الصنفين من الهداية الإلهية، وإن كان ثمة إختلاف في الرؤية التأويلية والتفسيرية، لدى كل من علماء المسلمين واللاهوتيين المسيحيين واليهود. غير ان الإشتراك والإختلاف يظل المبدأ الحاكم في الفهم القرآني. إذ المشترك التكويني ثابت على قاعدة التوحيد بينما الإختلاف أمر حاصل في مجالات التشريع. ولهذا شدَّد القرآن الكريم على ضبط قضية الحوار والمناظرة والجدل في إطار التراحم. فالجدل بمعنى الكلام التبادلي بين الإسلام وأهل الكتاب ينبغي أن يرتكز الى المعرفة ويقوم على أساس العلم. فلا يُصار الى الجدال او التوجه نحو المناظره الا بعد تحقُّق البيِّنة، وقيام العلم، وكشف الحق. ولنا هنا أن نقف على بعض الآيات القرآنية التي تتصل بآداب الجدل (46).
– وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سورة الأنعام- آيه108).
– «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ»
(سورة الحج- آية3).
– «هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (سورة آل عمران – آيه66).
تأسيساً على هذه الرؤية للحوار والجدل، وهي رؤية رحمانية، قدَّم القرآن الكريم المسيحية النصرانية بوصفها ديناً سماوياً خالصاً. راوياً سيرة المسيح(ع) ورسالته. مكرِّماً اياه وامه مريم(ص) اشرف تكريم. فمريم في النص القرآني، بتول طاهرة اصطفاها الله تعالى على نساء العالمين. وكانت مهبط البشارة بالمسيح الذي كانت ولادته معجزة إلهية. وعيسى المسيح في القرآن هو نبي رسول وكلمة الله وروح منه. وهو صاحب المعجزات الكبرى التي وهبها الله اليه: يكلم الله في المهد ويحيي الموتى بإذنه . . في حين وصفه بـ «الهدى والنور والمصدِّق للتوراة، والموعظة الحسنة للمؤمنين وسمّاه الكتاب. ومدح حوارييه بالإيمان والرأفة والرحمة والسماحة والطاعة لنبي الله. . كذلك امتدح القرآن مؤمني أهل الكتاب في أكثر من موضوع مشيراً الى مكانتهم عدالتهم وإيمانهم وخشيتهم لله تعالى وتواضعهم له.
وهكذا فإن صورة المسيحية التي عرضها الوحي الإلهي في القرآن هي المسيحية النصرانية التي لم تكن مادة للحوار والجدل السلبي. ذلك لأن الأيمان بها هو جزء من إيمان المسلم لأنه مصِّدق لها، ومن ثم فهو يحتويها على أساس الرحمانية الإلهية، حيث أُمِر بضرورة الإيمان بها كجزء من الإعتقاد برسل الله. كذلك كان الأمر على تمامه بالنسبة لأنبياء بني اسرائيل.
أما في الجدل والحوار فقد ميَّز القرآن الكريم بين الصورة الأولى الأصلية وصورة المسيحية التاريخية. حيث دار الجدل حول جملة من القضايا الإعتقادية كقضية التأليه، والصلب، والروح القدس وقضية إتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله. . الخ.
لكن في مقابل الجدل أسس النص القرآني قواعد للحوار الرحماني ضمن الدائرة التاريخية يمكن جمعها في قاعدتين:
الأول: الإيمان بالله الواحد الأحد.
الثانية: الدعوة الى الحوار من أجل بناء مجتمع إيماني أخلاقي يخلو من الظلم والفساد، وهو ما أشارت اليه الآية الكريمة: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (سورة آل عمران- آية 64).
ولرسول الله(ص) توجيهات ومواقف تدخل في أصل الوحي الإلهي وتطبيقاته التاريخية، نذكر منها لقاؤه مع وفد نجران الذين جادلوه في غير مسألة ولم يؤمنوا. . ومع ذلك فقد نزلت الآيات في هذا الجدال. عندها حانت خاتمة اللقاء كتب لهم رسول الله(ص) عهداً وأماناً على أنفسهم وأرضهم وأموالهم ودينهم وأشهد على ذلك العهد شهوداً. وكذلك رسائله الى أكثر من ملك من ملوك النصارى، حيث إنتهى الأمر معهم الى كتابة عهد بينه وبينهم، وكان مما جاء فيه: «ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمدالنبي رسولالله، على أنفسهم وملَّتهم، وأرضهم وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم وبيعتهم، وصلواتهم، لا نغيِّر أسقفاً عن أسقفيته ولا راهباً عن رهبانيته». . ولنا أن نضيف ايضاً من أحاديث الرسول(ص) في الوصية بأهل الذمة قوله «أوصيكم بذمة الله، فإنها ذمة نبيكم» وقوله «من قتل نفساً معاهداً لم يشم رائحة الجنة»، وقوله «وإذا إفتتحتم مصر فاستوصوا القبط خيراً فإن لهم ذمة ورَحَماَ»…
يبقى أن نقول الرؤية القرآنية الى الله والعالم هي تظهير لعلم الله بالخلق عبر الكلام الإلهي. ولذلك فإن فهم النص المقدس سواء في القراءة التفسيرية او في القراءة التأويلية إنما يتأسس على قواعد العقل والمنطق والبرهان والإيمان. ولأن هذه التأسيسات هي من أجل الإنسان الذي كرَّمه الله تعالى وجعله خليفة له يكتسب الحوار الخلاق بين الناس صفة الواجبية في مقاصد النص المقدس وغاياته…
لقد كانت التجربة التاريخية للإسلام والمجتمع الإسلامي في عهد النبي(ص) وبعده تطبيقاً أميناً وجدياً للتشريع في مجال الحوار وفي مجال التعايش، ابتداءً من تجربة النبي مع اليهود والنصارى في المدينة ونجران وغيرهما، مروراً بجميع المراحل التاريخية التي كان المجتمع الإسلامي فيها متماسكاً على أسس الإسلام.
لا يقتصر أمر التسامح المنطلق من مركزية الحوار في الإسلام على الجانب الإيماني والعقيدة، وإنما يطول الحيّز الحضاري والإنساني بأوجهه المتعددة. وثمة من المفكرين المسلمين المعاصرين من ذهب في سياق الكلام على جدل الإسلام والآخر لترجيح مبدأ الحوار كأساس في هذا الجدل. فالحوار مفهوم بناه القرآن أولاً في الحضارة الإسلامية وغرسه في تصور المسلمين وفي رؤيتهم الكلية، وجعله جزءاً من بنائهم العقلي والنفسي. بحيث لم يعد ممكناً تصور الاستغناء عنه في أي جانب من جوانب الفكر والتصور والسلوك(47). وعلى هذا يؤسس القائلون بهذه الحقائق المركزية مفهومهم للحوار. فالحوار المقترح اليوم، سواء على مستوى حوار الأديان أم على مستوى الحوار الحضاري، هو حوار متوازن ومتسامح في المستوى الأول، هدفه تعرُّف المؤمنين على ما تنبني عليه عقائد التوحيد في المسيحية والإسلام بهدف تعزيز قيم الإيمان والأخلاق، وفي المستوى الثاني بهدف الحوار إلى إقامة جسور متوازنة ومتكافئة بين الحضارتين الإسلامية والغربية، واستبعاد فكرة الهيمنة والتبعية، فضلاً عن الشعور بالخوف والريبة وعقدة التصادم. وهذا الإمكان من الحوار قائم في الواقع، خصوصاً لدى أهل الفكر والعلم في الغرب. الأمر الذي عبَّر عنه مفكر مثل تيتلر (Teitler) بأن الحوار المتبادل هو طريقة »إقناع« تشوبها الكرامة في تعامل الأطراف كافة التي وإن اختلفت آراؤها، فإن مصلحة مشتركة تجمعها، تكمن في البحث عن أكبر قدر ممكن من الحقيقة التي يمكن لعقل أن يتوصل إليها عبر جوٍّ من الثقة والاحترام المتبادل(48).
لعل ما يجعل الحوار التعرُّفي خلاّقاً بين المسيحية والاسلام هو عامل الواجبية الذي تؤكده المقاصد الايمانية والاخلاقية لكل من الديانتين.
وإذا كان ثمة من عقبات واجهت تاريخياً هذا السياق من المحاورات فذلك يعود الى اعتبارات الاحتدام المديد بين المجتمعات الاسلامية الشرقية وطموحات الدول الاستعمارية الغربية منذ الحملات الصليبية الاولى والى يومنا هذا.
عند هذه الاشكالية بالذات يغدو البحث عن منطقة معرفية لفهم عميق لهذه الاعتبارات، أمراً استثنائياً، فهذه المنطقة المعرفية يُفترض أن تستوي في المقام الاول على الفصل بين الفضاء الديني وفضاء المصالح الجيو-استراتيجية على تحكم العلاقات بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي.
يبقى السؤال..عما اذا كان سينشأ في الأفق المفتوح ما يمكن تسميته بـ«أممية للحوار التعرُّفي» بين المرجعيات الدينية التوحيدية العليا وكذلك بين قوى المجتمع المدني والنخب الدينية والفكرية والثقافية في الشرق والغرب. بحيث يُعاد الاعتبار لنظام القيم والأخلاق في العالم، ويكون لها الإسهام الفعال في إحداث توازن خلاّق مع مراكز القرار الدولي لمنع الحروب ومكافحة الأوبئة وصون حق الإنسان في الحياة والوجود؟…
ذلك هو السؤال المرجعي الذي ينبغي أن يُعمل على الإجابة عنه في بدايات القرن الحادي والعشرين.
المراجع والمصادر:
-1 مشير باسيل عون-الاسس اللاهوتية -في بناء حوار المسيحية والاسلام-دار المشرق –بيروت-ط 1 -2003-ص 69.
-2 مشير باسيل عون- المصدر نفسه (ص 70)
-3 المصدر نفسه (71)
-4 الأب صلاح ابو جودة اليسوعي-مدخل الى حقائق الايمان المسيحي-سلسلة دراسات ووثائق اسلامية مسيحية رقم 7-دار المشرق –بيروت – ط 1- 2004 ص 187
-5 مشير باسيل عون – المصدر نفسه ص 13
-6 الاب صلاح ابو جودة اليسوعي- المصدر السابق نفسه ص 188
-7 الاب صلاح ابو جودة اليسوعي-المصدر نفسه-ص 88
-8 المصدر نفسه –ص 189
-9 راجع اعمال المجمع الفاتيكاني الثاني –ترجمة المسرة، جونيه-لبنان 1966
-10 الاب صلاح ابو جودة اليسوعي- المصدر نفسه –ص 189
-11 المصدر نفسه – ص 189-190
-12 الوثائق المجمعية – المجمع الفاتيكاني الثاني المسكوني- ترجمة عبدو خليفة – ط 2- بيروت 1984-ص 876-878
-13 الاب صلاح ابو جودة اليسوعي- المصدر نفسه – ص 191
-14 الاب لويس بواسيه -“الاديان في نظر المجمع الفاتيكاني الثاني”-نصوص وقراءات جديدة-مجلة المشرق- السنة السبعون-ج 2 – تموز –كانون الاول (ديسمبر) 1996 –ص 318
-15 الأب بواسيه-المصدر نفسه.
-16 الأب بواسيه-المصدر نفسه.
-17 برونو فورتي – حول المسيحية المعاصرة – رؤية لاهوتية في الايمان والايديولوجيا، وما بعد الحداثة – تعريب عز الدين عناية – مجلة «مدارات غربية» العدد الثالث – ايلول (سبتمبر) – تشرين اول (اكتوبر) 2004
-18 المجمع الفاتيكاني الثاني، الكنيسة في عالم اليوم. فقرة 92
-19 مشير باسيل عون – الاسس اللاهوتية في بناء حوار المسيحية والاسلام – مصدر سبق ذكره – (ص 14)
المصدر نفسه ص 8
-20 موريس بورمانس – توجيهات في سبيل الحوار بين المسيحيين والمسلمين – نقله الى العربية المطران يوحنا منصور -21 منشورات المكتبة البولسية – بيروت 1986 – (ص 45)
-22 موريس بورمانس – المصدر نفسه (ص 46)
-23 الرسالة الاولى الى تيموتاوس (4:2)
-24 يوحنا (21:3)
-25 الرسالة الى الكولسيين (20:1)
-26 موريس بورمانس – المصدر نفسه – (ص 53)
-27 بورمانس – المصدر نفسه – (ص 53)
-28 فيلهلم دوبريه (Welhelm Dupré) الحوار والحقيقة – مداخلة القيت في اطار الندوة الاكاديمية الاولى التي عقدت في معهد القديس جبرائيل بين 21 و6 ايلول /سبتمبر 1992 ونشرت في كتاب وضعه كل من اندراوس بشنته وعادل ثيودور خوري تحت عنوان العقيدة المسيحية في لقاء مع الاسلام – المكتبة البولسية 2002 ص (82).
-29 موريس بورمانس -مصدر سبق ذكره (ص. 54)
-30 بورمانس – المصدر نفسه (ص 55)
-31 اليكسي جورافسكي – الاسلام والسيحية – ترجمة د. خلف محمد الجراد – سلسلة عالم المعرفة (215) الكويت تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 – (ص 166)
-32 عادل تيودور خوري-الاسلام في منظور اللاهوت المسيحي-كتاب مشترك مع اندراوس بشته، ضمن سلسلة المسيحية والاسلام في الحوار والتعاون عدد 16-المكتبة البولسية –جونيه –لبنان 2002 –ص 280
-33 عادل تيودور خوري-المصدر السابق –ص 284
-34 المصدر نفسه ص 285
-35 المصدر نفسه ص 288
-36 المصدر نفسه – ص 294
-37 المصدر نفسه – ص 295
-38 مشير باسيل عون – مصدر سبقت الاشارة اليه – ص 104
-39 عادل تيودور خوري – مصدر سبقت الاشارة اليه ص 285
-40 المصدر نفسه (ص 286)
-41 مشير باسيل عون – مصدر سبقت الاشارة اليه – ص 186
-42 عزيز العظمة (المنتخب من مدونات التراث) (ابن تيمية) – دار رياض الريس للكتب والنشر – بيروت – 2000 (ص 18-22).
-43 المصدر نفسه (ص 24)
-44 راجع وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني. دستور عقائدي في الكنيسة.
-45 أنور ابو طه – الحوار الاسلامي – المسيحي – مقالة ضمن كتاب «الخطاب الاسلامي – الى أين؟» دار الفكر – دمشق – 2006 ص 63.
-46 محمود حيدر – واجبية التعرُّف في القرآن – من محاضرة أُلقيت في جامعة القديس يوسف – بيروت 15/3/2008.
-47 الامام محمد مهدي شمس الدين «في الاجتماع السياسي الاسلامي، قم 1414هـ 1994 م. ص. (101).
-48 طه جابر العلواني – الخصوصية والعالمية في الفكر الاسلامي المعاصر – دار الهادي – بيروت 2003 – ص 125)