
أبو حامد الغزالي
أبو حامد الغزالي
سيرة عقلٍ قلق يبحث عن اليقين
يُعدّ أبو حامد الغزالي (1059–1111) واحدًا من أكثر العقول تأثيرًا في تاريخ الفكر الإسلامي، بل وفي تاريخ الفلسفة الدينية عالميًا.
تتقاطع في شخصيته حياة المتصوف، وعقل المتكلم، ونقد الفيلسوف، وتجربة الشاكّ الباحث عن الحقيقة. وحين نقرأ سيرته، لا نرى مجرد عالم كبير، بل نرى دراما فكرية مكتملة؛ رحلة إنسان يطارد اليقين بين تقلبات العقل والروح، حتى يستقر في حضن النور الإلهي.
من طوس إلى بغداد… ومن الشهرة إلى العزلة
وُلد الغزالي في قرية غزالة بطوس لأسرة فقيرة متديّنة. كان والده تقيًا محبًا للعلماء، فلما توفّي، تولّى صديق صوفي تربية الغلامين: أحمد و محمد (أبو حامد). بينما انصرف أحمد إلى التجوال بين الصوفية، اتجه محمد نحو العلم، وتدرّج بين جرجان ونيسابور حيث التقى إمام الحرمين الجويني الذي اكتشف عبقريته وفتح أمامه أبواب المعرفة.
درس الغزالي الكلام والأصول والفقه والمنطق والفلسفة، وتألّق حتى ضمّه الوزير السلجوقي نظام الملك إلى المدرسة النظامية ببغداد سنة 1091. هناك، بلغت شهرته أعلى مراتبها، واجتمع حوله الطلبة والعلماء، وبدأ بتأليف كتبه الكبرى.
لكن وسط هذا المجد، ظهرت الأزمة: مرض غامض، اضطراب نفسي عميق، شكّ يلتهم الروح، وانهيار كامل في القدرة على الكلام. شعر أن علمه بلا روح، وأن شهرته مجرد حجاب، فترك بغداد فجأة، وتخلى عن منصبه وماله، وخرج هاربًا من ذاته.
رحل إلى دمشق، فكان يعتكف في الزاوية المنسوبة إليه في المسجد الأموي. ثم إلى القدس، ثم الحجاز، ثم عاد إلى بغداد قليلًا، قبل أن يستقر أخيرًا في طوس للتدريس والعبادة، حتى وفاته سنة 1111.
آثاره الكبرى: مسار فكر يتبدل ولا يتناقض
ترك الغزالي أكثر من سبعين كتابًا، تمثل كل مرحلة من حياته:
- مرحلة الفلسفة والنقد
– مقاصد الفلسفة: عرض فيه آراء الفارابي وابن سينا بدقة الناقل لا الناقد.
– تهافت الفلاسفة: أشهر كتبه النقدية، نقض فيه 20 مسألة للفلاسفة، وكفّرهم في ثلاث منها. لكنه لم يكن “عدوًّا للعقل”، بل كان يفضح حدود الفلسفة أمام القضايا الإلهية.
- مرحلة الإحياء والتصوف
– إحياء علوم الدين: تحفته الكبرى، موسوعة روحية وأخلاقية جمعت بين الفقه والتصوف وعلم القلوب، كلّفته عشر سنوات من العمل
.
- مرحلة الاعتراف الفكري
– المنقذ من الضلال: رواية صادقة لصراعه الداخلي: من التقليد، إلى الشك، إلى اليقين. وهو وثيقة وجودية تكشف روحًا قلقة لا تهدأ حتى تجد “نورًا يقذفه الله في القلب”.
- مرحلة التربية والتهذيب
– ميزان العمل و أيها الولد: كتابان في الأخلاق العملية وتربية الروح والسلوك.
لم يكن الغزالي متقلّبًا كما اتهمه بعضهم، بل كان صادقًا مع مسار نفسه؛ ينتقل من علم لآخر لأنه لا يرضى بسطحيات المعرفة، بل يطلب الحقيقة في أعمق صورها.
منهج الغزالي: بين الشكّ والكشف
- طور التشكك: العقل لا يكفي
بدأ الغزالي رحلته بالشكّ المنهجي، شبيهًا بديكارت من بعده. فحص الحواس فوجدها خادعة، وفحص العقل فرأى أنه قد يُكذَّب كما تكذّب الحواس. حتى البديهيات العقلية لم يسلّم بها مطلقًا؛ فربما يوجد طور أعلى من العقل، يكشف أن ما نراه “يقينًا” مجرد وهم… كما تبدو أحلام المنام حقائق حتى نستيقظ.
- طور السفسطة: أزمة الانهيار
شكّ في كل شيء: المحسوسات، العقليات، المناهج، المذاهب. ولم يجد مخرجًا إلا بالعناية الإلهية. قال:
“قذف الله في صدري نورًا، به انحلت الشبهة.”
هذا التحول ليس هروبًا من التفكير، بل إدراك لحدود العقل البشري.
- طور اليقين: النور فوق العقل
خلص الغزالي إلى أن المعرفة الحقيقية تتحقق بـ الكشف الروحي، لا بالمنطق وحده. فالعقل آلة عظيمة، لكنه يحتاج إلى نور الإيمان ليفهم الحقيقة، مثل العين التي تحتاج إلى ضوء حتى تبصر.
هكذا التقى الغزالي مع أوغسطين: كلاهما رأى أن الحقيقة تُعرف بالعقل المستنير بالإله، لا بالعقل المجرد.
موقفه من الفرق الأربع
في “المنقذ”، درس الغزالي أربع طرق:
- المتكلمون: رآهم يبحثون عن نصرة العقيدة لا عن الحقيقة نفسها.
- الباطنية: نقد تأويلاتهم السرّانية.
- الفلاسفة: كشف تناقضاتهم فيما وراء الطبيعة.
- الصوفية: وجد عندهم “السلوك” لا التنظير، واعتبر الكشف أعلى مراتب المعرفة.
…
اختياره للتصوف لم يكن احتقارًا للعقل، بل تأسيسًا لـ توازنٍ بين نور العقل ونور الإيمان.
الغزالي: هدم الفلسفة أم بنى فلسفة جديدة؟
غالبًا ما يُصوَّر الغزالي كأنه “قضى على الفلسفة”، لكن هذا التصور مبسّط.
فهو لم يُلغِ التفكير، بل أعاد تعريفه:
#الفلسفة في المنطق والطبيعيات نافعة.
#الفلسفة في الإلهيات مضطربة، لأن العقل لا يستطيع تجاوز حدوده.
#اليقين يتحقق بالكشف القلبي، لا بالبرهان المجرد.
إنه لم يهدم العقل، بل هدم الغرور العقلي.
______________
*المصدر : “كهف الفلسفة”.




