
الأنيمية
الأنيمية
ما هو مفهومها وكيف نشأت؟
يُعدّ مفهوم #الأنِيمِيّة (Animism) من أهم المفاهيم المؤسسة في دراسة الدين والأسطورة، وقد صاغه عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد بورنيت تايلور في القرن التاسع عشر، ليصف به أقدم أشكال الاعتقاد الديني عند الإنسان. فهي برأيه تقوم على الإيمان بوجود أرواح غير مادية تسكن الإنسان والطبيعة معًا، وتفسّر الحياة والموت والحلم والمرض والظواهر الكونية.
ينطلق هذا الاعتقاد من تجربة الإنسان البدائي مع الحلم والموت والإغماء؛ إذ بدا له أن في الجسد عنصرًا خفيًا يغادره مؤقتًا في النوم، ويغادره نهائيًا في الموت. ومن هنا نشأت فكرة الروح، لا بوصفها مفهومًا ميتافيزيقيًا مجردًا، بل كحقيقة معيشة تفسّر الحركة والحياة. ولم تتوقف هذه الفكرة عند الإنسان وحده، بل امتدت إلى الحيوان والنبات والأنهار والجبال، لتغدو الطبيعة كلّها كيانًا حيًا مشحونًا بالقوى الروحية.
في هذا الإطار، يرى تايلور أن الأسطورة لم تكن خرافة أو وهمًا، بل محاولة عقلية مبكرة لفهم العالم قبل ظهور المنهج العلمي. فالبرق، والرعد، والفيضانات، والجفاف، جميعها فُسّرت بوصفها أفعال كائنات روحية أو إرادات خفية، ما منح الإنسان شعورًا بالمعنى والسيطرة الرمزية على بيئة غامضة ومخيفة.
ويضع تايلور الأنِيمِيّة في قلب نظريته حول التطور الثقافي، حيث تمر المجتمعات البشرية – وفق تصوره – بمراحل متعاقبة: من السحر، إلى الدين، ثم إلى العلم. وفي هذه السلسلة، تمثّل الأنِيمِيّة المرحلة الأولى التي تشكّلت فيها البذور الأساسية للدين والأسطورة، قبل أن تتعقّد في أشكال طقسية ولاهوتية لاحقة.
ورغم الانتقادات التي وُجّهت إلى رؤية تايلور التطورية، فإن مفهوم الأنِيمِيّة ظلّ حجر زاوية في فهم أصول التفكير الديني والأسطوري، ومرجعًا أساسيًا في الأنثروبولوجيا وفلسفة الدين. فهو يكشف كيف حاول الإنسان، منذ فجر وعيه، أن يمنح العالم روحًا، وأن يجد في الأسطورة لغةً أولى لمعنى الوجود.
________________________
*المصدر: “كهف الفلسفة”.




