دراسات وبحوث معمقة

الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي سيرة الدهشة، حين يكون السؤال هو الجواب  

          

الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي

سيرة الدهشة، حين يكون السؤال هو الجواب

 

 

                                                         الكاتب الروائي خالد حســــــين

 

 

  • البداية: نداء في الصحراء الأندلسية

سماء مرسية الصافية. أواخر القرن الثاني عشر.

شاب في بداية حياته، من بيت وجاهة ونفوذ، يمارس الصيد. هواية النبلاء في الأندلس. كل شيء عادي ومتوقع.

ثم يحدث شيء لا يستطيع وصفه.

ليس صوتاً بشرياً. وليس رؤية ترى بالعين. شيء أقرب إلى وميض في القلب. إلى انقلاب يحدث في لحظة واحدة ويغير كل ما بعدها.

يترك الشاب صيده. ويترك هوايته. ويترك الحياة التي كانت أمامه مرسومة بوضوح. ويبدأ رحلة لن تنتهي إلا بموته بعد ثمان وسبعين سنة في دمشق، بعيداً عن مرسية التي ولد فيها، وبعيداً عن الأندلس التي كانت تحتضر.

هذا الشاب هو محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي. الذي سيعرفه التاريخ لاحقاً بلقبين لا يجتمعان عادة في رجل واحد: “محيي الدين” أي من أحيا الدين. و”الشيخ الأكبر” أي أعظم الشيوخ.

ولد في السابع عشر من رمضان سنة 560 هجرية. الموافق للثامن والعشرين من يوليو عام 1165 ميلادية.

وبدأت الأندلس حياتها الأخيرة.

 

  • الأندلس التي صنعته: جنة تحتضر

الأندلس في زمن ابن عربي لم تكن مجرد بلد. كانت حضارة في آخر لحظاتها.

قرطبة، التي كانت قبل قرنين أعظم مدن أوروبا وأكثرها ثقافة، بدأت تخسر بريقها. وجيوش الاسترداد المسيحية من الشمال تتقدم ببطء ولكن بثبات نحو الجنوب. وطليطلة سقطت قبل ولادة ابن عربي بثمانين عاماً.

لكن الأندلس رغم احتضارها كانت لا تزال عجيبة الدنيا. مسلمون ومسيحيون وأخرون يتنفسون في رقعة جغرافية واحدة. مكتبات تضم آلاف المجلدات. فلاسفة يناقشون أرسطو وأفلاطون وابن سينا كأنهم جيران في حارة واحدة.

وفي هذا المناخ المتوتر المحتشد بالأفكار كانت دولة الموحدين تحكم. وهي دولة أقامها ابن تومرت على مشروع إصلاحي متشدد، يرى في التوحيد الخالص غاية ووسيلة، ولا يتساهل مع ما يعدّه انحرافات.

بين هذا التشدد الديني الرسمي من جهة، وإرث الانفتاح الثقافي الأندلسي من جهة ثانية، وظل الخطر المسيحي القادم من الشمال من جهة ثالثة، نشأ ابن عربي.

هذا التوتر الثلاثي هو ما شكّله. الرجل الذي سيجمع بين الشريعة والحقيقة، بين الظاهر والباطن، بين العقل والذوق، لم يكن ممكناً أن يولد إلا في أندلس تقف على هذا المفترق من الحضارات.

 

  • لقاء قرطبة: حين تلتقي الفلسفة والذوق في غرفة واحدة

قبل أن يغادر ابن عربي الأندلس، حدث لقاء واحد يستحق أن يُروى مطوّلاً. لأنه ليس مجرد لقاء بين رجلين. هو لقاء بين عالمين.

في قرطبة، يجتمع شاب في مقتبل العمر مع شيخ في آخر حياته.

الشيخ هو ابن رشد. أعظم فيلسوف مسلم عاش في الأندلس. الرجل الذي شرح أرسطو شرحاً نقلته أوروبا وبنت عليه نهضتها. وكان في تلك الأيام مشغولاً بكتاب “تهافت التهافت” رداً على الغزالي الذي اتهم الفلاسفة بالكفر.

والشاب هو ابن عربي. لم يتجاوز الثلاثين بعد. يحمل في عينيه ذلك البريق الغريب الذي سيصفه كثيرون فيما بعد.

نظر إليه ابن رشد. ثم سأله عن مسألة تتعلق بالكشف والإشراق. كان الفيلسوف الكبير يريد أن يفهم: كيف يمكن للإنسان أن يعرف دون واسطة العقل؟

أجاب ابن عربي بإجابة لم يتوقعها أحد. لم يرو ابن عربي ما قاله بالضبط، لكنه يروي ما قاله ابن رشد بعدها. قال الفيلسوف الكبير، وهو يحدق في الشاب أمامه:

“نعم. أنت رجل قد فتح الله عليه. ونحن إنما نعرف بالعقل والنظر.”

هذه الجملة الواحدة تختصر الفرق بين عالمين. ابن رشد الذي أمضى حياته يبني المعرفة حجرة حجرة بالمنطق والبرهان، يعترف أمام شاب لم يبلغ الثلاثين بعد بأن هناك باباً آخر للمعرفة لا يستطيع العقل فتحه.

والشاب الذي خرج من تلك الغرفة يحمل في قلبه يقيناً: أن ما جاء به ليس ادعاءً. أعظم فيلسوف في عصره رآه وأقرّ به.

 

  • الرحيل من الأندلس: وطن يترك أو وطن يغادر؟

حين غادر ابن عربي الأندلس وهو في الثلاثين من عمره، لم يكن مجرد إنسان يُسافر. كان شخصاً يترك وطناً يعرف أنه ميت.

ليس موتاً فورياً. بل ذلك الموت البطيء الذي يستغرق أجيالاً. غرناطة ستسقط بعد ثلاثة قرون. لكن ابن عربي كان يرى العلامات بعين لا ترى الظاهر فقط.

توجّه أولاً إلى المغرب والمشرق. زار تونس وسبتة. ثم رحل حاجاً إلى مكة المكرمة. وفي مكة حدث ما سيغير مسار تاريخ الفكر الإسلامي.

ليس معجزة واحدة. ولا رؤية واحدة. بل انفتاحاً من نوع آخر. شيء يصف هو نفسه بأن ملك الإلهام كان يُملي عليه وهو يكتب. ما بدأه في مكة كرسالة صغيرة سيتحول مع السنين إلى “الفتوحات المكية”. أربعة آلاف صفحة. الموسوعة الصوفية الأعظم في التاريخ.

ثم بغداد. ثم مصر. ثم حلب. ثم أخيراً دمشق. حيث استقر في سنواته الأخيرة ومات فيها عام 638 هجرية، الموافق 1240 ميلادية. ودُفن في سفح جبل قاسيون في الصالحية. حيث لا يزال مقامه مزاراً حتى اليوم.

ثمانية وسبعون عاماً من العمر. لا استقرار حقيقي في مكان. ولا توقف حقيقي عن الكتابة.

 

  • أكثر من خمسمائة كتاب: عقل لا يهدأ

إذا كان هناك شيء واحد يُدهش في حياة ابن عربي أكثر من أفكاره، فهو حجم ما كتبه.

أكثر من خمسمائة مؤلف. بين موسوعات ضخمة ورسائل صغيرة. بين نثر وشعر. بين تفسير وفقه وتصوف وفلسفة.

كيف كتب كل هذا رجل كان يتنقل طوال حياته؟ هذا السؤال نفسه يكشف شيئاً عن شخصيته: المعرفة عنده لم تكن تحتاج إلى استقرار جغرافي. الفكر كان يسير معه في الطريق. والكتابة كانت تحدث في أي مكان يوجد فيه.

لكن كتابين من هذه الخمسمائة يسيطران على كل شيء.

الأول “الفتوحات المكية.” الموسوعة التي بدأها في مكة وظل يكتب فيها حتى آخر حياته. أربعة آلاف صفحة عن الله والإنسان والعالم والمعرفة والسلوك الروحي. وصفها هو نفسه بأنها إملاء، لا تأليف بشري. وهذا الوصف يُفسّر لماذا تقفز من موضوع لآخر دون مقدمات. لأنها ليست كتاباً مُخططاً، بل تدفق يجري حيث يجري.

والثاني “فصوص الحكم.” الأصغر حجماً والأكبر أثراً. كتاب عن الحكم الإلهية في حياة الأنبياء. كل فصل لنبي. كل نبي علامة على حكمة إلهية مختلفة. وفي هذا الكتاب الذي لا يتجاوز مئتي صفحة، قال ابن عربي ما لم يقله أحد قبله. وما أثار أكبر جدل في تاريخ الفكر الإسلامي.

 

  • وحدة الوجود: الفكرة التي هزت الدنيا

إذا سألت أي إنسان عن ابن عربي، سيقول لك: “وحدة الوجود.”

لكن معظم من يقولونها لا يفهمونها. ومعظم من يهاجمون ابن عربي بسببها لم يقرأوه. ومعظم من يدافعون عنه يبالغون في ما قاله.

فما الذي قاله ابن عربي فعلاً؟

ابن عربي يقول: الوجود الحقيقي واحد. وهو وجود الله. كل ما عداه ليس له وجود مستقل من ذاته. وجوده مستمد من وجود الله.

وهنا يُقدّم مثالاً جميلاً: الأمواج ليست شيئاً منفصلاً عن البحر. هي البحر نفسه في صور متعددة. والأشعة ليست شيئاً منفصلاً عن الشمس. هي الشمس نفسها تتجلى في الفضاء.

كذلك العالم. ليس شيئاً منفصلاً عن الله. هو تجليات الله في صور متعددة. مظاهر الاسم الذي لا يُحاط.

هل هذا يعني أن كل شيء هو الله بالمعنى الحرفي؟ ابن عربي يقول لا. هذا الله في تجلياته. ليس الله في ذاته. الفرق دقيق لكنه جوهري في فكره.

ولهذا المفهوم تداعيات مذهلة على فهم الإنسان.

والإنسان تحديداً يحتل في هذه الرؤية مكانة فريدة. لأنه الوحيد الذي يجمع كل صفات الوجود. فيه صفات الروح وصفات المادة. فيه القدرة على المعرفة وقدرة المحبة وقدرة الإرادة. الإنسان هو المظهر الأكمل لتجليات الله في الخلق.

وهذا التصور يرفع من مكانة الإنسان إلى حد يُدوّخ. لكنه في الوقت ذاته يضعه أمام مسؤولية هائلة: من يحمل هذا المقام عليه أن يكون جديراً به.

 

  • الإنسان الكامل: القمة التي وصف ابن عربي طريقها

من أعمق ما كتبه ابن عربي مفهوم “الإنسان الكامل.”

الإنسان الكامل في فكره ليس الأفضل أخلاقياً أو الأذكى عقلياً. الإنسان الكامل هو من أدرك حقيقة وجوده. من عرف أنه جامع بين عالمَي الروح والمادة. من تحقق بما هو عليه فعلاً لا بما يظن أنه عليه.

لكن هذا المفهوم فتح باباً آخر. إذا كان الإنسان الكامل هو من أدرك حقيقته، فالولاية الروحية تغدو مقاماً حقيقياً لا مجرد كلام. وإذا كان “القطب” الذي يتحدث عنه الصوفية لاحقاً هو من يتمثل هذا المقام في كل عصر، فهذا يعني أن هناك من هو أعلى من الحكام والسلاطين في المرتبة الحقيقية.

ولهذا خاف الحكام من فكر ابن عربي. ليس لأنه هاجمهم. بل لأنه بنى منظومة تجعل السلطة الروحية أسمى من السلطة السياسية.

وقلما شهد التاريخ الإسلامي جدلاً على مفكر مثل الجدل الذي دار ويدور حول ابن عربي فأنصاره يرون فيه “سلطان العارفين” و”البحر الزاخر.” ويقولون إن من ينتقده إنما ينتقد ما لم يفهمه.

هذا الجدل استمر في العصر العثماني. الصوفية درسوا كتبه وبجّلوا ذكره. والعلماء انقسموا. واستمر الجدل في العصر الحديث حين أعاد بعض المفكرين قراءته كمسبق للتنوير ومناد بالتعددية الدينية. وردّ عليهم آخرون بأنه غير ذلك

ما الذي أثار كل هذا الجدل؟

ليس فقط ما قاله. بل كيف قاله. ابن عربي كان يكتب بلغة رمزية غامضة تحتمل تأويلات متعددة. وهذا الغموض المتعمد كان استراتيجية واعية: يقول ما يراه حقاً دون أن يُغلق أمام قارئه إمكانية الفهم بطريقة أقل إشكالاً.

لكن هذا الغموض نفسه صار سلاحاً في يد كل فريق. المؤيد يقرأ ما يُريد. والمعارض يقرأ ما يُريد.

والنتيجة: مفكر توفي منذ ثمانية قرون، ولا يزال ذكره يُثير الجدل كأنه توفي أمس.

 

  • اللقاء بالشاب المجهول: بين الحقيقة والرمز

في طريق ابن عربي إلى مكة، يروي حادثة تبدو من الوهلة الأولى غريبة.

يقول إنه التقى بشاب فارسي لم يعرفه من قبل. قال له الشاب: “إن الله تعالى قد أمرني أن أقول لك كذا وكذا.”

لا نعرف ما قاله الشاب بالضبط. ما نعرفه أن اللقاء أثّر في ابن عربي تأثيراً عميقاً.

هذه القصة، مهما كان مستوى صحتها التاريخية، تكشف شيئاً جوهرياً في فكر ابن عربي: إيمانه بأن العالم ليس صامتاً. أن الله يتحدث عبر كل شيء وكل شخص. أن المعرفة لا تأتي من القنوات الرسمية فقط. وأن الإنسان العارف يقرأ في كل ما يمر به إشارةً أو درساً أو رسالة.

هذا الانفتاح على كل مصادر المعرفة هو ما جعل فكره مثيراً. وهو في نفس الوقت ما جعله خطيراً في عيون من يرى أن المعرفة لها قنوات محددة ومحروسة.

 

  • مكة في فكره: المدينة التي أصبحت فلسفة

مكة في حياة ابن عربي لم تكن مجرد محطة حج. كانت بؤرة تجلٍّ.

في مكة، التي قضى فيها فترة طويلة، حدث ما يصفه بأنه انفتاح غير مسبوق. وهناك بدأ يكتب “الفتوحات المكية” التي ستصبح أعظم موسوعة صوفية في التاريخ.

لكن مكة في فكره ليست فقط المكان الجغرافي. هي رمز. رمز للمركز. للأصل. للنقطة التي تنبثق منها الدوائر كلها ثم تعود إليها.

ويروي ابن عربي كيف كان يطوف حول الكعبة في الليل، ويرى ما لا يراه غيره. ليس بالعين الجسدية. بل بتلك العين الأخرى التي يُسمّيها “عين القلب” أو “البصيرة.”

هذا الطواف الليلي حول الكعبة بعيون مفتوحة على ما وراء المادة هو الاستعارة الأجمل عن منهجه كله: الدوران حول مركز الحقيقة دون أن تحسب أنك وصلت. لأن الوصول الحقيقي هو إدراك أن الطريق لا نهاية له.

 

  • دمشق: النهاية التي لم تكن نهاية

في دمشق، تلك المدينة التي تجمع بين الروعة الأثرية والحيوية الحضارية، استقر ابن عربي في سنواته الأخيرة.

لم يتوقف عن الكتابة. ولم يتوقف عن التدريس. ولم يتوقف عن الإثارة.

ومات في ربيع عام 638 هجرية. 1240 ميلادية. في جبل قاسيون المطل على دمشق.

ودُفن هناك. في الصالحية.

وقامت فوق قبره قبة بنيت في العهد المملوكي. وفي العهد العثماني أعاد السلطان سليم الأول بناء الضريح وجعله مقاماً رفيعاً. لأن سلاطين العثمانيين رأوا في ابن عربي ليس خطراً بل شرفاً.

ولا يزال المقام قائماً حتى اليوم. يزوره من كل أنحاء العالم. مؤيدون ومعجبون وباحثون وفضوليون.

ومن يعتبره وليّاً يطلب عنده الدعاء. ومن يعتبره مفكراً يقف عنده في صمت تأملي. ومن يعتبره مثيراً للجدل يأتي ليفهم لماذا يجذب الناس بعد كل هذه القرون.

 

  • ما بين السطور: ما لم يقله ابن عربي بصوت مرتفع

ابن عربي كان يعرف ما يفعله. كان يكتب بغموض مقصود لم يكن ضعفاً في التعبير. كان ضرورة حياة.

الرجل الذي قال ما قاله في أندلس الموحدين، وفي دمشق الأيوبيين، كان يعرف أن الوضوح المفرط يمكن أن يكون قاتلاً. وكان يعرف أن الحلاج قيل إنه صُلب لأنه قال ما لا يُقال. فاختار ابن عربي اللغة الرمزية التي تفتح لمن يستحق، وتُغلق على من لا يفهم.

لكن ما بين السطور واضح لمن يقرأ بتأمل.

ابن عربي يقول بطريقة ملتوية: الإنسان أعظم مما يُقال له. والله أقرب مما يُقال له. وبينهما ليس هوّة، بل جسر يمشي عليه من أراد.

ويقول أيضاً: الشريعة ضرورية. لكنها ليست الغاية. هي الطريق لا المقصد. من وصل إلى المقصد لا يترك الطريق، لأنه يعرف الآن لماذا كانت ضرورية.

ويقول: المعرفة لا تحتكرها المؤسسات. كل حقيقي يُوصل إلى الحقيقة الأكبر. وكل بشري نقي يمكن أن يكون نافذة.

هذه الأفكار في زمنه كانت خطيرة. وفي عصرنا تبدو بديهية لكثيرين. وهذا بالضبط ما يعني أن أفكاره سبقت زمنها.

 

  • السياق المقارن: ابن عربي وجيله

يُساء أحياناً فهم ابن عربي بعزله عن زمنه.

هو لم ينشأ في فراغ. كان معاصراً لابن رشد في الفلسفة. وللسهروردي في الإشراقية. ولفريد الدين العطار في الشعر الصوفي. وكل هؤلاء كانوا يسعون بطرق مختلفة إلى نفس السؤال: كيف يصل الإنسان إلى الحقيقة؟

ابن رشد قال: بالعقل والبرهان.

السهروردي قال: بالإشراق والنور.

العطار قال: بالحب والسلوك الصوفي.

وابن عربي قال: بكل هذا وبما يتجاوز كل هذا. بالكشف الذي لا يُحصَر في أداة واحدة.

وهذا الشمول في منهجه هو ما جعله أكبر من أن يُصنَّف. لا هو عقلاني صرف ولا صوفي تقليدي. هو شيء ثالث أو هو كل شيء في آن.

 

  • ما الذي يبقى: أثر رجل في ثمانية قرون

ثمانية قرون بعد وفاة ابن عربي، تُقرأ كتبه في جامعات أوروبا وأمريكا وآسيا. وتُدرَّس في أقسام الفلسفة والدراسات الدينية والتصوف المقارن.

مفهوم “الإنسان الكامل” الذي طوّره أثّر في كل الفكر الصوفي اللاحق. من جلال الدين الرومي الذي جاء بعده بقليل، إلى ابن عطاء الله السكندري، إلى الصوفية العثمانيين، إلى حركات فكرية في إيران والهند وتركيا.

وكتابته في وحدة الوجود فتحت نقاشاً فلسفياً لا يزال حياً حتى اليوم: ما طبيعة العلاقة بين الله والعالم؟ هل الله خارج الوجود أم هو الوجود ذاته في صور؟ هذه أسئلة يطرحها فلاسفة في كل الأديان ومن كل الخلفيات.

وشعره الذي تناثر في موسوعاته الكبيرة يُقرأ كشعر إنساني خالص بصرف النظر عن سياقه العقدي.

الرجل الذي ترك الصيد في الأندلس يوماً ما في أواخر القرن الثاني عشر، لا يزال حاضراً في المكتبات والجامعات والأضرحة والنقاشات الفلسفية.

وهذا وحده دليل على أن ما وصل إليه، مهما اختلفنا في تفسيره، لمس شيئاً حقيقياً في التجربة الإنسانية لا تستطيع الأزمنة محوه.

 

  • خاتمة: الأندلسي الذي وصل إلى دمشق ولم يغادر

مات ابن عربي في دمشق. لكنه لم يُغادر.

في حي الصالحية، فوق جبل قاسيون، يقف الضريح. والناس تأتي. وستظل تأتي.

ليس كلهم يؤمنون بنفس ما آمن به. ولا كلهم يفهمون ما كتبه. لكن كلهم يشعرون بشيء في هذا المكان يصعب تسميته. شيء يشير إلى أن هذا الرجل لمس نقطة ما في صميم الوجود وترك أثرها فيمن جاء بعده.

ربما هذا هو الإنجاز الحقيقي لابن عربي. ليس الأربعة آلاف صفحة. ولا الخمسمائة مؤلف. ولا الجدل الذي لم يهدأ.

بل أنه أثبت أن الإنسان، حين يكون صادقاً في بحثه ولا يُسوّغ لنفسه التوقف، يمكنه أن يصل إلى ما وراء ما يُمكن التعبير عنه بوضوح. وأن هذا الوصول، حتى حين يبقى غامضاً وجدلياً، يترك في الإنسانية أثراً لا تمحوه القرون.

والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله.

______________________

 

*المصدر: “صفحة الكاتب والروائى خالد حسين”.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى