دراسات وبحوث معمقة

إمام عبد الفتاح وما تعلّمته من هيغل.

1- تعلّمت من هيغل أن طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار، فهي لا تتعامل قط مع الأشياء الحسية على نحو مباشر. وهذا هو السبب في غموض الفلسفة وصعوبتها، لأنها تحتاج إلى الإرتفاع من المحسوس إلى اللامحسوس مما يتطلب مجهودا كبيرا من الإنسان حيث يولد الطفل ملتصقا بالأشياء المادية ويحتاج إلى فترة طويلة ليكون قادرا علي التجريد وبعض الناس لا يقدرون عليها أبدا…. ).. مع أن الحضارة تجريد!
” أن الناس يشكون من غموض الفلسفة دون أن يحاولوا بذل الجهد في فهم مصطلحاتها الخاصة متعللين بحجة واهية، هي أنهم يملكون عقولا قادرة علي فهمها، مع أنهم يسلمون بأنك تتعلم صناعة الأحذية، فلابد لك أن تتدرب علي هذه المهنة علي الرغم من أنّك تملك في يديك القدرات الخاصة، وفي قدميك المقاس الخاص..”.. وما يقال على الفرد يقال علي الأمة..
2- تعلمت منه أن الفلسفة فكرتان أو فكر لاحق. وهو يقصد أن هناك فكرا أول هو الذي ينشأ في حياة الناس اليومية في جميع المجالات. والفلسفة تجعل هذا الفكر الأول موضوعا للدراسة، فتكون فكرا في فكر أو فكرا ثانيا. وكذلك فلسفة العلم مثلا الفيلسوف لا يزاحم العالم في معمله، لكنه دراسة في دراسة، العالم ماذا يفعل ؟
ومن هنا، فان الفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل، وقامت ألوان مختلفة من النظم تتوجها الفلسفة في النهاية. وهذا معني عبارة هيغل الشهيرة في فلسفة الحق: ” أن بومة منيرفا.. minerva لا تبدأ في الطيران إلا بعد أنه يرخي الليل سدوله…”
3- تعلمت أن كل فلسفة هي بالضرورة فلسفة مثالية idealism لأن المبدأ الذي تركز عليه هو في نهاية تحليله ” فكرة ” بل حتي فلاسفة أيونيا عندما تحدثوا عن الماء، والهواء، أو النار والتراب.. فإنهم كانوا يقصدون فكرة المادة وفكرة الهواء وفكرة النار ………الخ. يقول: ” أننا مع المادة نصل في الحال إلى تجريد لا يمكن، من حيث هو كذلك – إدراكه إدراكا حسيا، بل يمكن أن يقال أنه ليس هناك مادة، مادامت حين توجد لابد أن تكون شيئا عينيا محددا باستمرار ”.
4- تعلمت منه أن التفكير سلب لأنه يغير شكل الأشياء الفردية التي نلتقي في حياتنا اليومية التقاء مباشرا كهذه الشجرة وتلك المنضدة، وهذا المعقد.. الخ طالما أنه يحيلها إلى فكرة أعني إلى كلي universal وهكذا نجد أنه لابد من سلب الصور التي تظهر عليها الأشياء أمام الوعي لأول مرة فهي تبدو جزئية، وفردية وعابرة، ومتغيرة، ولكنا لكي نعرفها لابد أن نحيلها إلى أفكار والفكرة بطبيعتها : كلية، ودائمة، وجوهرية. وهذا التحول في شكل الظواهر عملية أسياسية للمعرفة يقوم بها الفكر ” الطريقة الوحيدة لبلوغ الجوهر الدائم هم تحويل شكل الظاهرة الموجودة أمامنا عن طريق الفكر ”
5- تعلمت منه أن الفلسفة كل متصل، أن كل مذهب منها يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة. سألني طالب شاب ” الفلسفة تحيرني:
– ما يقوله أفلاطون صحيح، لكن أيضا ما يقوله أرسطو
– إذا قرأت الماركسية اقتنعت بها، وأصبح الاقتصاد هو الذي يقوم. عندما أقرأ الوجودية التي هي صرخة لإنقاذ الفرد أشعر أنها علي حق في كل ما قالته..
– في حين أنني لا أرتاب في صحة البرجماتية التي تحيل الأفكار إلى عمل نافع وسلوك مفيد.
– المذاهب المادية مهمة وأساسية، وكذلك المذاهب المثالية التي تهتم بالروح …
أين الخلل.. في رأسي أم في هذه المذاهب الفلسفية
” المذاهب الفلسفية المختلفة التي يعرضها علينا تاريخ الفلسفة لا يصعب اتفاقها في هوية واحدة. ولكن إذا شئنا أن نقول إنها فلسفة واحدة في مراحل في النضج أو أن أن نقول أن المبدأ الذي يقوم عليه كل مذهب ليس إلا فرعا من كل واحد هو الفكر …” .
6_تعلمت منه أن تاريخ الفلسفة لا يرضى تضاربا بين المذاهب الفلسفية المختلفة: أولا هو ميدان قتال يموج بأشلاء القتلى والضحايا: كل مذهب يقتل أخاه ويقوم بدفنه ويتخذ شعاره قول السيد المسيح ” اتبعني المتى يدفنون موتاهم”وحين تظهر فلسفة جديدة يواجهونها بكلمات بطرس الرسول لزوجة حنانيا :
” وهو ذا أرجل الذين دفنوا أرجلك علي الباب وسيحملونك خارجا
أن نقد فلسفة ما أو تقييد مذهب لا يعني سوى أن المبدأ الذي يرتكز عليه قد أصبح عاملا مساعدا، أو عنصرا قائماً في الفلسفة التي تليها. وهكذا تسير المذاهب الفلسفية يعقب بعضها في تطور جدلي تندثر قشرتها الخارجية، ويبقي مبدؤها ليصبح عنصرا مكونا في مذهب أعلي .
7- تعلمت منه أن الفلسفة الحقة لا ترفض الحس ولكنها لا تكتفي به أو تقف عنده لأنها لابد أن تكون في النهاية عقلية.
يقول هيغل :
” هناك عبارة قديمة تنسب خطأ إلى أرسطو تقول ” لا شيء في العقل لم يكن موجودا من قبل في الحس.. ولا ترفض الفلسفة النظرية الأخذ بهذا المبدأ إلا عن سوء فهم فحسب، وذلك لان هذه العبارة في جانبها الآخر ليست أقل تأكيدا للقول بأنه: ” ولا شيء في الحواس دون أن يمر بالعقل..”
8- تعلمت منه أن الإنسان وعي ذاتي، وأن الحيوان وعي ذو بعد واحد فقط، لا يستطيع أن ينعكس علي نفسه، ومن ثم لا يستطيع أن يفكر: يقول هيغل: “على حين أننا نجد الحيوان لا يستطيع أن يقول أنا “، ونجد أن الإنسان هو وحده الذي يستطيع أن يقول ذلك، وما ذاك إلا أن من طبيعته أنه يفكر ….
9- تعملت منه الشيء الكثير عن خصائص شخصية الإنسان الشرقي من جميع جوانبها : الاجتماعية، والدينية والسياسية ولفنية …”
أ – مجتمع ذكوري ” يسيطر الرجل سيطرة كاملة وتتواري المرأة حتى لتصبح متاعا لا قيمة له ؟ خيط من الحضارة الصينية لكنه مازال قائما في مجتمعنا حتى اليوم !
ب – الانغماس في الحس حتى الأذنين دون محاولة الارتفاع إلى الفكر المجرد..
جـ- الفضائل الأخلاقية – وكذلك التدين – تصدر عن إلزام خارجي هو الخوف بأنواعه من الأب أو الأسرة أو المجتمع أو الديني أو القانوني.. الخ ).
د- الرجل الشرقي يحني رأسه في مذلة ومهانة أمام السيد، أمام المنتصر، لكنه متوحش قاس إزاء المغلوب والضعيف، ومن هو أدني منه..
هـ- المجتمع الشرقي لم يعرف من الحرية إلا حرية الحاكم، فهو وحدة الفعال لما يريد، والكل عبيد يأتمرون بأمره ثم يعود ليصف حرية هذا الحاكم بأنها زائفة لأن الحرية الحقة هي الخضوع للكلي ” أي الجانب العقلي ” أما الحاكم الذي تسيره أهواؤه ونزواته، أي الجانب الجزئي، فهو عبد بدوره .
منقول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى