
الدهشة الفلسفيَّة ومتعة الكتابة
الدهشة الفلسفيَّة ومتعة الكتابة
تحدث أرسطو عن الدهشة الفلسفية التي تتأتى أولًا من نزوعنا لفهم العالم المحيط بنا، بل وفهم وجودنا في هذا العالم، وسبب الدهشة هو الوعي الذي نمتلكه فيدعونا للتفكر في ذواتنا وفي وجودنا وفي الموجودات، وهذا تعريف موجز بالدهشة الفلسفية بوصفها “بداية الفلسفة وليس لها أصل آخر” كما بين افلاطون في محاورته “ثيتاتيوس”، وهي ذات “الدهشة” التي تحدث عنها أرسطو في كتابه “ما بعد الطبيعة” بوصفها وعي يبعث على القلق لأنها نمط من أنماط تأثر العقل وصدمته بهذا الوجود وسعيه لمعرفة أسبابه.
ربما يكون أرسطو في كتاباته الفلسفية والعلمية هو المُحفز للبهجة لينقلها من فضاء الدهشة بالوجود إلى عوالم الدهشة بالموجود الذي استفزنا للبحث عنه لا في واقعنا بقدر بل في ما كتب أرسطو نفسه. ميزة الكتابة الفلسفية أنها تجعلك تعيش في فضاء الدهشة فتأسرك الكتابة الفلسفية، فيحدث أن تنسى دهشتك الوجودية أو “الانطولوجية” لتسيح في عالم الكتابة عن الدهشة.
تجد “الدهشة الفلسفية” تحضر عندك بمقدار ما يكتنز الكاتب “الفيلسوف” من وعي أخاذ ينقلك لعوالم الدهشة التي بدورها تجعلك تعيش لحظة أو لحظات القلق والسعادة معًا، لأنه يجذبك للنزول إلى نهر الكلمات التي دُونت في هذا الكتاب الذي تمكن كاتبه من أن يصطحبك معه منذ لحظة تصفحك له.
مثل هكذا كتب نُسميها مصادر وهي نادرة. تلك الكتب التي يتمكن مبدعها من جذب القارئ المحترف ليسيح معه ويُشاركه متعته وتساؤلاته ودهشته.
قد تكون هناك الكثير من الكتب الممتعة والجاذبة، ولكنها لا تثير عند القارئ فضول التساؤل والأشكلة وتحفيز الوعي النقدي، لأنها كُتب تداعب الوجدان والعاطفة، وتلك كتب نحتاج إليها لغرض الترويح عن النفس مثل قراءة القصص والرويات بوليسية أو أشعار عن الحب وفقد الحبيب والمدح والرثاء لأنها كتب صديقة للروح تسد الفراغ العاطفي والشغف في عوالم المخيلة. الكتب التي أقصدها هي النصوص الفلسقية والكتابات الإبداعية التي تستفز عقل القارئ لتصدم المعرفة السكونية السائدة، وتجعله يُعيد حساباته في الحياة والوجود والمعرفة والأخلاق هي الكتب التي تكسر أسر العقائد والأيديولوجيات بوصفها حقائق نهائية لتنقلك لفضاء “الدهشة الفلسفية”، لأنها تجعلك تُعيد حساباتك فيما هو مألوف عندك من المعارف والتقاليد الموروثة وتدعوك لاستخدام عقلك بعيدًا عن كل معرفة موروثة لا لتُشكك بها لمجرد الشك، بل لتفحص مقدار صمود معارفك أمام المعرفة النقدية، لذلك قلت أن أمثال هكذا كتب نادرة، ولكنك تجدها في العوالم التي أبدعها الفلاسفة، ولنا فيما كتبه ديكارت في كتابه “مقال في المنهج” وحديثه عن الشك، أو فرنسيس بيكون في كتابه “الأورغانون الجديد” ونقده لأوهام المجتمع. في الفلسفة الحديثة ما يستفز العقل السكوني القروسطي الذي ورث فلسفة أرسطو وعدها معرفة علمية لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها كما يُقال، ولا أدل على ذلك من قول ابن رشد عن أرسطو بأنه “الرجل الذي كمل عنده الحق” وكأن أرسطو معصوم من الخطأ، ولكن ما أنتجه الفلاسفة والعلماء في الفلسفة الحديثة من كتابات غيّرت مجرى التاريخ العلمي والفلسفي في تلقي علوم السابقين ونقدها، الأمر الذي جعلها ممهدة لعصر التنوير الذي كان لفلاسفته الدور الكبير في فهمنا لمعنى “الدهشة الفلسفية”، بوصفها الأصل في نقد “الدوغمائية”والخروج من أطرها المغلقة.
في مقاله “ما التنوير” كتب كانت عن قصور الإنسان في عدم استخدامه لعقله، واعتماده على آخر يُفكر بالنيابة عنه، وكان لمقاله هذا فعل النار في الهشيم كما يُقال، بعد نقده للعقل وفضحه لخضوعه لمنظومات التفكير السائدة تُمارس الوصاية عليه.
في كل نتاج فلاسفة التنوير كانت “الدهشة الفلسفية” هي الفاعل في الحراك الثقافي والفلسفي في الحداثة وما بعدها، وكان الكتاب هوية الكاتب الذي يصنع الدهشة ويعيد التساؤل والأشكلة حول المعرفة والوجود والقيم بما يستفز العقل الراكد ليُعيد حساباته بموروثه المعرفي والعقائدي.
▪︎ فعل الكتابة
لا كتابة من دون قراءة، ولا قراءة واعية من دون تعايش وتماحك في سردية الحياة الكُبرى للفرح والألم، فأقرأ كل مُدونات السرد، وكل قصائد الشُعراء، الصعاليك منهم، وشعراء السلاطين، وكل ما أنتجه الرواة من حكايات تاريخية صحيحة السند، أو تحتاج للجرح والتعديل، واقرأ كل روايات عُظماء الأدب، وتمهل قليلاً وتأمل، فإن لم تكن لك القُدرة على تمحيص كل ما قرأت وهضمته لتُعيد صبه على قاعدة (فاليري) “ليس الذئب سوى مجموعة من خراف مهضومة”، فثق أنك لا زلت على ضفة الوعي، ولا زال وعيك قاصراً. الكتابة فكر بعد قراءة وتمثل لوعي سابق وإدراك لواقع مُتغير، ولكنها فعل يمهر كتابة كل من يعي تغيرات الحال. فعل الكتابة فعل أثيري يقض عُشاق الكتابة ليوقضهم ويُناشدهم أن لا تسهينوا ولا تستكينوا، فلكم بعض تأثير، فلا تستخفوا بما تُقدموه!. كل كاتب يبتغي الشهرة في كتابته إنما يسقط في رهان الحضور والفاعلية، لأن في فعل الكتابة استحضار للروح التاريخي للكاتب وتمظهرات وجوده ونشأته الأنطولوجية والمعرفية اللتين بناهما عبر التفاعل مع المقروء الفلسفي والبناء السردي لفلاسفة روائيين، أو روائيين فلاسفة.
لم يكن ديستوفيسكي روائياً فحسب بقدر ما كان فيلسوفاً، فديستوفيسكي في (الأبله) و (الجريمة والعقاب) و (الأخوة كارمازوف) كان فيلسوفاً وجودياً (عدمياً). فعل الكتابة تدوين لكوميديا الحياة ومأساتها، وكل كاتب وبحسب ثقافته وتمكنه من القراءة والصبر على التماهي مع ابداعات كبار الكُتاب وتماسه مع الواقع ومُتغيراته، ستنبني عنده قُدرة التوليف والهضم بحسب مُتبنياته الثقافية أو حضوره في الوسط الثقافي الذي نشأ فيه.
(فعل الكتابة) سر ومُتعة كما هو الحال في القراءة.
هُناك من كتب عن “متعة القراءة” مؤلفات لا تُضاهيها سوى مُتعة الكتابة، ولا مُتعة للكتابة خارج التأثير بالقارئ، كما لا مُتعة في القراءة من دون “متلقٍ”
فعل الكتابة حُلم يزدان صاحبه بتحققه، وكم من حُلم ضاع في غياهب الألم؟!، لأن الكتابة أمل كاتب حالم، وكم من كاتب متأمل حالم مات قهراً داخل الحُلم؟!. الكاتب الذي يحمل هم التغيير هو من يعيش “الدهشة الفلسفية” وإن لم يكن فيلسوفًا، لأنه في الأصل قارئ يقرأ لا لأجل أن يكتب، ولكن لأجل القراءة التي تدفع باتجاه فعل الكتابة!.
▪︎ مُتعة الكتابة
الكتابة فعل ما بعدي يستلزم “مُتعة القراءة”، ولربما فينا من يهوى الكتابة من دون مرور بالتماهي مع “مُتعة القراءة”، ولكنه واهم، لأن كتابته لا تتعدى في هذا الحال سوى التعبير عن خوالج نفسه الداخلية بلغة لا يقبلها العقل. كلما كانت الكتابة تسير وفق خلجات النفس الداخلية متماهية مع فيوضات العرفانيين الوجدانية، سيبتعد عنها المُتلقي، إن كان يمتلك بعض من أدوات الوعي النقدي ومُعجمية الفكر الفلسفي. الكتابة المنتجة فعل تعقل حتى في خضم استغراق الكاتب بمعطيات العقل العرفاني، لأن في الكتابة بُعد برهاني لا يفقهه سوى الحُكماء ومُحبي الحكمة، والمتعة تكمن عند القارئ أو المُتلقي في الكشف عما هو عقلاني في النص اللاعقلاني بتعبير “علي حرب”، ولا وجود لنص إبداعي يغيب فيه العقل، ولكنه قد يكون مسكوتا عنه في فضاء يسود فيه اللامعقول، والدليل على ذلك أننا لا يمكن أن ننفي حضور العقل في “الميثولوجيا” القديمة بكل ما أنتجته الأمم القديمة المؤمنة بالأسطورة من علوم وفنون كما لا يمكن لنا نفي العقل عن نتاج الصوفية والعرفانيين رغم نقدهم لهيمنة العقل البرهاني، ولكن العقل من وجهة نظري يشتغل استدلاليًا وهو موجود فعله مضمر في فضاء الأسطورة والتصوف. كل مُحب للحكمة فيلسوف، إن أتقن مفاهيم الفلسفة النظرية بأبعادها التأملية والتجريدية في الغوص في معاني الوجود ومحاولة الكشف عن أسبابه عبر منطق عقلاني للإفادة منها لوضع حلول عملية لواقع مُترد. الكتابة تفريغ لشحنات وطاقات كامنة في النسق البنائي للكاتب المبدع، إن كان هذا الكاتب له مُتبنيات من عوالم الوجدان، أو من عوالم البرهان.
الكتابة في إمتاعها خرق لجدار الصمت، وصرخة تخترق أفق كل بناءات الوعي الراكد. الكتابة المنتجة كشف وتعرية للمسكوت عنه في حياتنا الاجتماعية والثقافية والدينية وعن زيف الواقع الذي نعيش من أجل تغييره نحو الأفضل. الكتابة وعي القراءة في الما بعد، ووعي الواقع في ما هو فيه، وطرح وعي بديل يجترحه الكاتب (القارئ) لكثير من مدونات الفكر لأنه عرف ما فيها من خلل، ليطرح رؤية للقادم يستقيها من نقديته لحتميات التاريخ فيجعل من نقده أفقاً لبناء تصور لمُستقبل أفضل. مُتعة الكتابة لا بحث فيها عن شُهرة بقدر ما فيه من مُتعة للزُهد في كل عطايا ومنح السلاطين والجمهور. في الكتابة مُتعة حينما تخترق المألوف في حياتنا وتنتقد الساكن في ثقافتنا عبر نتاج ابداعي شعري كان أم سردي، ولربما كان مما يُبهر بنتاج إبداعي فلسفي.
___________________
*المصدر: موقع “مراصد”.
الكتابة تلاقح لفعل ذاتي تُنتجه ذات المؤلف أو الكاتب للتلاقح مع واقع في مأساة وملهاة، ليكشف الكاتب فيه عن قيمة الملهاة وحضورها الإيجابي أو السلبي في نقد مواطن الخُذلان في صناعة السعادة، أو الكشف عن مواطن الفرح في ملهاتنا أو (مأساتنا) اليومية. في الكتابة متعة التعبير عن الذات وحضورها في المجتمع، وإن كان فيها نزوع فرداني، ولكن في كل فردانية مُضمر أو (مسكوت عنه). إنها فردانية لا وجود لها من دون وجود “آخر” أضمرته أو اعترفت به، فالآخر وجود عيني لا ترغب الذات (الأنوية) بالكشف عن وجوده، أو كما قال ريكور “الذات عينها كآخر”. الكتابة تعريف بهوية، لا هوية الكاتب فحسب، إنما هي تعريف بهوية الجماعة التي شاء الوجود أن يوجد فيها، فهي هوية لوجود واعتراف مُكتنز بغرور الذات، ولكنه وجود لا معنى له من دون وجود هذا “الآخر” الذي هو في حالات يُشكل معنى “الأنا” الجماعية، وفي حالات يُشكل معنى الهوية الفردانية التي تبحث عن تفرد بمعزل عن وجود “الآخر”. الكتابة تحمل بين طياتها شكل من أشكال الرجاء والتمني يرغب به الكاتب لأن تكون رؤيته فيها تنوير لمجتمع هو منه، لظنه أنه يُساعدهم في فهم ما يحيق بهم. لا يسير الجمهور وفق وعي عقلاني نقدي، إنما يسير وفق مفهوم (الحس المشترك) الذي لا إمكانية لفرد فيه على تغيير مسار (بلاغة الجمهور) لأنها بلاغة نسقية مقولبة، لا سعي جاد عند جماعاتها لقلب موازين المعرفة المتوارثة، فهي تورث التقاليد وتبنيها وتؤسس لها شعائر وتمؤس هذه الشعائر، ولا يجد العقل الحر محطة ولا منفذ للخلاص من هيمنة الخطاب الشعبوي، الذ تتغلب عليه الطقوسية والشعائرية على العقلانية النقدية وحرية التفكير.
نبحث في عوالم الكتابة المُنتجة عن من يكتب تاريخه خارج هيمنة (الخطاب الشعبوي) وسطوته، لأنه يكتب تاريخ الحرية، ولا يكتب تاريخ الجماعة ليبقى أسير أطرها الفكرية المغلقة. الكتابة الإبداعية هي التي تخلق أفقاً جديداً للوعي الاجتماعي خارج تهويمات الجماعة و “سيكولوجيا الجماهير” المحمومة بقيم الانتماء الموافقة لأيديولوجيتها والدفاع عنها، أو بقيم الرفض لأيديولوجيا الفكر المغاير. الكتابة ضرب من ضروب المعرفة الجمالية التي يُحيد فيها الكاتب المبدع أطراف الصراع ليكونوا مُتفقين على إبداعه خارج تهويمات القناعة التي تؤسسها ما يُسمى بـ (بلاغة الجمهور) التي لا أستثنيها من الحدث وصناعته، ولكنني أستثنيها من الوعي وبنائه.